«المركزي» في مواجهة التحديات

الأسبوع الماضى ومع اقتراب موعد انعقاد لجنة السياسيات النقدية بالبنك المركزي، شهد الفضاء الإلكترونى والساحة الإعلامية سيلاً من التوقعات، خاصة بعد إعلان مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى رفع الفائدة

75 نقطة، اتبعه العديد من الدول خاصة فى المنطقة العربية ومنطقة الخليج، وذلك فى مواجهة موجة التضخم العالمي.


قرار الاحتياطى الفيدرالى رفع سقف توقعات الخبراء بقرار المركزى المصرى وتحدث العديد منهم عن أن قرار لجنة السياسات النقدية لن يخرج عن قرار واحد وهو زيادة سعر الفائدة.
فيما كان هناك عدد قليل جدًا من الخبراء هم من يتبنون وجهة النظر التى تدعو إلى تثبيت سعر الفائدة فى ظل التحرير المُحكم لسعر الصرف، وانخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار بالإضافة إلى خروج الأموال الساخنة من السوق وتمتعه بالاستقرار.


ليأتى قرار لجنة السياسات النقدية، الخميس الماضي، مخالفًا لتوقعات الكثير مبقيًا على سعرى عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزى عند مستوى 11.25، ٪12.25٪ 11.75٪ على الترتيب، كما تم الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند مستوى 11.75%.


كما قرر البنك المركزى المصرى زيادة نسبة الاحتياطى النقدى التى تلتزم البنوك بالاحتفاظ بها لدى البنك المركزى المصرى لتصبح 18% بدلاً من 14%، وسيساعد هذا القرار فى تقييد السياسة النقدية التى يتبعها البنك المركزي.


ورأت لجنة السياسة النقدية أن أسعار العائد الأساسية الحالية مع زيادة نسبة الاحتياطى النقدى التى تلتزم البنوك بالاحتفاظ بها لدى البنك المركزى المصري، تتسق مع تحقيق هدف استقرار الأسعار على المدى المتوسط وستواصل اللجنة تقييم تأثير قراراتها على توقعات التضخم وتطورات الاقتصاد الكلى على المدى المتوسط، آخذة فى الاعتبار أنه لا يزال أثر قراراتها السابقة برفع أسعار العائد الأساسية بمقدار 300 نقطة أساس خلال مارس ومايو من العام الحالى ينتقل إلى الاقتصاد، أما فيما يخص معدل التضخم المستهدف للبنك المركزى والبالغ 7% (+ 2 نقطة منوبة) فى المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2022، فإنه من المتوقع وبشكل مؤقت ارتفاع معدلات التضخم عنه.


(1)


لم يأت قرار لجنة السياسات النقدية بتثبيت سعر الفائدة من فراغ، لكنه جاء نتيجة دراسات متعمّقة للسوق ومتابعة دقيقة لتحركات الاقتصاد العالمى سلبًا وإيجابًا وكذا الاقتصاد المحلى ومدى تأثره بموجة التضخم العالمي.
فاللجنة المكوّنة من محافظ البنك المركزى ونائبيه وأربعة من أعضاء مجلس إدارة المركزي، تستهدف استقرار الأسعار هو الهدف الرئيسى للسياسة النقدية الذى يتقدم على غيره من الأهداف.


وبناءً عليه يلتزم البنك المركزى المصرى – فى المدى المتوسط – بتحقيق معدلات منخفضة للتضخم تساهم فى بناء الثقة، وبالتالى خلق البيئة المناسبة لتحفيز الاستثمار والنمو الاقتصادي؛ وذلك وفق قانون البنك المركزى رقم 194 لسنة 2020.
وهذا يعد أحد التحديات التى يواجهها البنك المركزى فى ظل موجة تضخم عالمى جارفة يقابلها محاولات البعض لاستغلال الأزمة العالمية، وما ألقته من تبعات وآثار على الاقتصاد المحلي، ما بين محترفى التربّح من الأزمات ومروّجى الشائعات والتى تعد إحدى أقوى الأدوات تأثيرًا على الاقتصاد لأى دولة فى العالم.


الأمر الذى يجعل لجنة السياسات النقدية أمام تحدٍ كبيرٍ قبل اتخاذ أى قرار من قراراتها، والتى تعلنها وفق الموعد المحدد لها والمنشور على الصفحة الرسمية للبنك المركزي، والذى حدد يوم الخميس كل
6 أسابيع معلنًا جدول اجتماع اللجنة حتى نهاية العام، وليس كما يحاول البعض الترويج له عن أن المركزى المصرى استهدف بإصدار قراراته النقدية يوم الخميس لتمريرها.
ولم يدرك هؤلاء من محترفى ضرب الثقة بين المواطن والدولة، أن لجنة السياسات النقدية، هى إحدى لجان البنك المركزى الذى منحت القانون 194 لسنة 2020 الاستقلال التام فى اتخاذ القرارات.


(2)


كما أن اللجنة تبنى قرارها وفق رؤية شاملة للأوضاع الاقتصادية، ودراسات حول السوق المحلى والعالمي.
وأكدت اللجنة أنها تتابع عن كثب كل التطورات الاقتصادية العالمية والمحلية ولن تتردد فى استخدام كل أدواتها النقدية لتحقيق هدف استقرار الأسعار على المدى المتوسط، كما أن أسعار العائد الحالية تعتمد بشكل أساسى على معدلات التضخم المتوقعة وليس المعدلات السائدة.
فعلى الصعيد العالمي، تراجعت توقعات النشاط الاقتصادى نتيجة آثار الأزمة الروسية الأوكرانية.. وفى ذات الوقت، استمرت البنوك المركزية فى الخارج فى تقييد السياسات النقدية عن طريق رفع أسعار العائد وخفض برامج شراء الأصول لاحتواء ارتفاع معدلات التضخم فى بلادهم، وقد انخفضت الأسعار العالمية لبعض السلع الأساسية نسبيًا مثل البترول، نتيجة الانخفاض فى الطلب بسبب توقعات الركود العالمي.


أما على الصعيد المحلي، تشير البيانات المبدئية إلى أن الناتج المحلى الإجمالى الحقيقى سجّل معدل نمو قدره 3.2٪ خلال الربع الثانى من عام 2022، مسجلاً معدل نمو بلغ 6.6% خلال العام المالى 2022/ 2020، مقارنة بـ 3.3٪ خلال العام المالى السابق له.
وقد جاء النمو فى الناتج المحلى الإجمالى الحقيقى وفقًا للبيانات التفصيلية للتسعة أشهر الأولى من العام المالى 2022/ 2020 مدفوعًا بمساهمة القطاع الخاص بشكل أساسي، وعلى الأخص مساهمة كل من قطاع الصناعات التحويلية غير البترولية، السياحة وكذا التجارة.
وفى الوقت ذاته، جاء النمو فى القطاع العام مدفوعًا بمساهمة كل من قطاع البترول، و قناة السويس والحكومة العامة.
وعلاوة على ذلك، لا تزال بعض المؤشرات الأولية تسجل معدلات نمو موجبة خلال الربع الثالث من عام ٢٠٢٢.


ومن المتوقع أن ينمو النشاط الاقتصادى بوتيرة أبطأ مما كان متوقعًا من ذى قبل، ويرجع ذلك جزئيًا إلى حالة عدم اليقين والتداعيات السلبية على الصعيد العالمي.
كما أن استقرار معدل البطالة عند7.2٪ خلال الربع الثانى من عام ٢٠٢٢، يرجع إلى ارتفاع أعداد المشتغلين وقوة العمل.


كما ارتفع المعدل السنوى للتضخم العام فى الحضر إلى 14.6% فى أغسطس ٢٠٢٢ من معدل بلغ 13.6% فى يوليو 2022، وكذلك سجل المعدل السنوى للتضخم الأساسي- الذى يتم احتسابه باستبعاد مجموعة الخضراوات والفاكهة الطازجة وكذلك السلع والخدمات المحدد أسعارها إداريًّا- 16.7٪ فى أغسطس ٢٠٢٢ من 15.6٪ فى يوليو 2022.


ويرجع الارتفاع فى المعدل السنوى للتضخم منذ بداية عام ٢٠٢٢ بشكل أساسى إلى صدمات من جانب العرض، وعلى الأخص ارتفاع الأسعار العالمية للسلع، وعلى الرغم من ارتفاع المعدلات السنوية للتضخم، إلا أن المعدلات الشهرية سجلت نسبًا أقل مقارنة بأعلى مستوياتها المسجلة خلال شهرى مارس وأبريل 2022.


(3)


لقد جاء قرار لجنة السياسات النقدية بتثبيت سعر الفائدة، فى الوقت الذى اتخذت فيه الحكومة حزمة من الإجراءات بناءً على التوجيهات الرئاسية بشأن تسهيل الإفراج الجمركى على البضائع والسلع، مما سيجعل السوق أكثر مرونة ويقطع الطريق على تجار الأزمات بزيادة المعروض، وهو ما أشار إليه عمرو خضر، رئيس شعبة تجار الورق وأصحاب المطابع، من أن حزمة الإجراءات الاستثنائية لتيسير الإفراج عن الواردات، وتخفيف الأعباء عن المستثمرين والمستوردين، سوف تؤدى إلى انخفاض أسعار الورق خلال شهرين.


كما ستشهد قطاعات أخرى حال تنفيذ الحكومة لتلك الإجراءات حالة من الاستقرار فى الأسعار أيضًا، بل قد يؤدى ذلك إلى انخفاض الأسعار وانخفاض حجم التضخم.


لكن يبقى هناك دور مهم للحكومة عليها القيام به فى مواجهة تجار الأزمة، الذين يساهمون بشكل كبير فى زيادة الأسعار دون مبرر بعد أن انتشر فى السوق المحلى مصطلح غريب وهو «سعر المنتج بالساعة»، رغم أن هؤلاء قاموا باستيراد تلك السلع منذ فترة وحرصوا على تخزينها لتعطيش السوق واستغلال الأوضاع لجنى مزيد من الأموال، غير مبالين بأى شيء سوى أنفسهم، وهو ما يستوجب على الأجهزة الرقابية الضرب على أيديهم بيد من حديد وفق ما حدده القانون.


فليس من المعقول أن تصدر الحكومة (وزارة التموين) القرار رقم 330 لسنة 2017 بشأن إلزام المنتجين بتدوين الأسعار على جميع المنتجات، وإلا ستتم مصادرة تلك السلع والبضائع؛ وقد تم العمل بالقرار فى 1/1/٢٠١٨، إلا أن السوق لم ينفذ ذلك ويشهد تلاعبًا كبيرًا من التجار بالأسعار لجنى مزيد من المكاسب نظرًا لضعف العقوبة التى نصت على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسة جنيهات، ولا تزيد على خمسين جنيهًا أو بإحدى هاتين العقوبتين من خالف أحكام القرارات التى تصدر بإعلان الأسعار والأجور.


على الجانب الآخر لا بد للحكومة أن تنتبه لما يحدث فى السوق الموازية للنقد الأجنبي، خاصة أن تلك السوق يحركها أباطرة يستهدفون دائمًا جنى مزيد من الأموال على حساب الدولة، بل لا يتورّعون أن يكونوا إحدى أدوات قوى الشر للمضاربة على النقد الأجنبي، بل إن البعض منهم يستهدف تلك الأموال قبل دخولها إلى مصر مثل تحويلات المصريين فى الخارج.
لقد جاء قرار تثبيت سعر الفائدة للمرة الثالثة، وإدارة تحرير سعر الصرف منذ تولى حسن عبد الله قائمًا بأعمال محافظ البنك المركزي، تأكيدًا على أن المركزى المصرى يعمل على مواجهة التحديات برؤية علمية واحترافية فى التنفيذ.


وجهات نظر مختلفة

ما حدث خلال الفترة الأخيرة وقبيل إعلان لجنة السياسات النقدية لقرارها من تباين فى وجهات النظر بين الخبراء حول قرارها وكأنه محاولة لإملاء قرار عليها، أمر يستوجب منا التوقف عنده قليلاً خاصة أن المرحلة الحالية تتطلب من الخبراء أن تكون رؤاهم مبنية على دراسات معمّقة ومرتكزة على بيانات مدققة وليست مجرد استنتاجات يحاول البعض تصديرها لمتخذى القرار.
فحسنًا فعلت لجنة السياسات النقدية لما اتخذته من قرار بشأن تثبيت سعر الفائدة، وننتظر أن يكون لذلك أثر واضح على الأسعار.

أضف تعليق

الأوراق الملوَّثة في ملف تفكيك الدول «2»

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين