عيد الغطاس تراث مصرى أصيل، تعرف على مفرداته الحضارية

عيد الغطاس تراث مصرى أصيل، تعرف على مفرداته الحضاريةصورة ارشيفية
محمود درغام

يحتفل مسيحيو مصر وسائر بلاد العالم ب عيد الغطاس أو عيد العماد يوم 19 يناير من كل عام لإحياء ذكرى معمودية السيد المسيح في نهر الأردن، على يد يوحنا المعمدان .
وفى ضوء ذلك يوضح خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو المجلس الأعلى للثقافة لجنة التاريخ والآثار أن الاحتفال ب عيد الغطاس يبدأ من مساء اليوم حيث يقام قداس عيد الغطاس ويصوم المسيحيون صوم البرامون وتطلق كلمة البرامون على الصوم النسكى لليوم السابق أو الأيام السابقة مباشرة لعيدى الميلاد والغطاس وبرامون كلمة يونانية صحتها ( البرامونى ) وتعنى فوق العادة أى استعداد فوق العادة للعيد بالتقشف فوق العادة في اليوم السابق للعيد حتى يزداد الإحساس بالعيد، ويطلق عليه أيضًا "عيد الأنوار" وكانت هناك منطقة تسمى قصر الشمع بمنطقة مصر القديمة بجوار الكنائس الأثرية، حيث كان المسيحيون يصنعون فانوس الغطاس المعروف ب "البلابيصا" وهو عبارة عن ثمرة البرتقال وداخلها شمعة مشتعلة وصليب محفور على القشرة.
وكلمة البلابيصا فى التراث الشعبى تشير إلى الشموع المضيئة كما تشير إلى التعميد حيث كانوا يغتسلون بالمياه على ضفاف النيل في عيد الغطاس وكان الأطفال يخرجون حاملين البلابيصا والتي تأخذ عدة أشكال منها عود القصب مع البرتقال أو اليوسفي والشموع ويصنعون منه قناديل منيرة مبهجة مزينة بالصلبان ويغنون في العيد " "ليلتك يا بلابيصا ليلة هنا وزهور، وفي ليلتك يا بلابيصا حنو العصفور" وتظل مضاءة طوال ليلة الغطاس في المنازل المسيحية، ويبدأ الاحتفال بإقامة القداس وترتيل بعض آيات الإنجيل ورفع البخور، ومن ثم مباركة المياه التي يتم الاحتفاظ بها كرمز لمياه نهر الأردن ثم يبدأ الكهنة القداس بصلاة تعرف باسم "اللقان".
ويتابع الدكتور ريحان بأن الاحتفالية ب عيد الغطاس فى صعيد مصر قبل انتشار الكهرباء خاصة فى أبنود كما رواها الشاعر عبد الرحمن الأبنودى كانت بصنع صليب من جريد النخيل به أربعة ثقوب من أطرافه ويخرج من أعلاه ومن أسفله سهم يوضع فى السهم العلوى برتقالة رمز الخير وفى السفلى يغرز فى عود قصب وتوضع 4 شمعات فى ثقوب الصليب ويدور بها كل أطفال القرية مسلمين ومسيحيين على المنازل وحول الكنيسة يغنون أغنية فى إنشاد جماعى " يا بلا بيصا بلبصى الجلبة، يا على يا ابنى قوم بنا بدرى، ده السنة فاتت والمرة ماتت، والجمل برطع كسر المدفع" ويقوم أهل القرية برش الحمص والفشار والحلوى عليهم وبعدها يأكلوا البرتقالة ويمصوا القصب، ويقصد بالأغنية مرور عام وقدوم عام جديد لأن عيد الغطاس كان فى شهر يناير والمقصود بالجمل برطع كسر المدفع مقاومة أهل أبنود للفرنسيين فى حملة ديزيه ويصف الرسام الفرنسي داينون بسالة أهل قنا والمقاومة العربية فى أبنود قائلا «راحوا يخوضون فى النيران كأنهم شياطين خرجت من الجحيم وأحسست وأنا أشاهدهم بمزيج من الرعب والإعجاب وتخللت المشهد فترات من السكون تسمع فيها صوتًا واحدًا وتسمع رد الجماعة بالأناشيد الدينية وصيحات الحرب ثم يهجمون علينا رغم يقينهم أنهم ملاقون الموت».
ويلقى الدكتور ريحان الضوء على دراسة علمية للدكتور على أحمد الطايش أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة توضح أن عيد الغطاس كان يجمع عنصرى الأمة فى احتفالات مشتركة باعتباره عيدًا قوميًا تحتفل به مصر احتفالًا رسميًا وشعبيًا وكان حاكم مصر نفسه ورجال حكومته وأُسرته ومعاونيه يشتركون فيه ويأمرون بإقامة الزينة وإيقاد النيران وإضاءة المشاعل وتعميم الأفراح الشعبية في كل مكان، وتوزيع المأكولات على الأهالي مع الصدقات على الفقراء وكان الناس يغطسون في النيل تبركًا بهذه المناسبة السعيدة.
وسجّل مظاهر الاحتفال في مصر في العصر الإخشيدي المؤرخ المسعودي عام 330هـ، 941م قائلًا: "إن ليلة الغطاس ب مصر والأخشيد محمد بن طفج أمير مصر في قصره بجزيرة منيل الروضة وقد أمر بإقامة الزينة في ليلة الغطاس أمام قصره من جهته الشرقية المطلة على النيل، وأوقد ألف مشعل غير ما أوقد أهل مصر من المشاعل والشموع على جانبي فرع النيل وقد حضر في تلك الليلة آلاف البشر من المسلمين والمسيحيين ومنهم من احتفلوا في الزوارق السابحة في النيل ومنهم من جعلوا حفلاتهم في البيوت المشرفة على النيل.
وينوه الدكتور ريحان إلى أن ليلة الغطاس في مصر أيام الإخشيديين والفاطميين كانت أحسن الليالي وأشملها سرورًا ولا تُغلق البوابات التي كانت مركّبة على أفواه الدروب والحارات بل تبقى إلى الصباح ويغطس أكثر الناس فى نهر النيل ولم يكتفِ الفاطميون بما أتوا به من خيرات إلى مصر بل عطفوا على كل المصريين على اختلاف مذاهبهم ومنهم المسيحيون فقربوهم إليهم وجعلوا أعيادهم أعياد رسمية فى البلاد اشترك فيها الخلفاء أنفسهم.
وكانت تنصب الخيام على الشواطئ ويأتي الخليفة ومعه أُسرته من قصره بالقاهرة إلى مصر القديمة وتوقد المشاعل في البر والبحر وتظهر أشعتها وقد اخترقت كبد السماء لكي تزينها بالأنوار البهية، ثم تُنصب الأسّرة لرؤساء المسيحيين على شاطئ النيل في خيامهم وتوقد المشاعل، ويجلس الرئيس مع أهله وبين يديه المغنون، ثم يأتي الكهنة والرهبان وبأيديهم الصلبان ويقيمون قداسًا طويلًا ربما (قداس اللقان).
وكان نهر النيل يمتلئ بالمراكب والزوارق ويجتمع فيها السواد الأعظم من المسلمين والمسيحيين فإذا دخل الليل تُزين المراكب بالقناديل وتُشعل فيها الشموع وكذلك على جانب الشواطئ يُشعل أكثر من ألفى مشعل وألف فانوس وينزل رؤساء المسيحيين فى المراكب ولا يُغلق فى تلك الليلة دكان ولا درب ولا سوق ويغطسون بعد العشاء فى بحر النيل سويًا ويزعمون أن من يغطس فى تلك الليلة يأمن من الضعف فى تلك السنة واستمرت الاحتفالات ب عيد الغطاس أجيالًا وقد سُجلت فى كتب التاريخ بأيدى مؤرخين مسلمين ومسيحيين كمظهر من المظاهر القومية فى مصر.
ويشير الدكتور ريحان إلى أكلات عيد الغطاس وتشمل القلقاس والقصب لأنه رمز لمعمودية المسيحى ففي القلقاس مادة سامة ومضرة للحنجرة، وهي المادة الهلامية إلا أن هذه المادة السامة إذا اختلطت بالماء تحولت إلي مادة نافعة مغذية، ومن خلال " ماء المعمودية " يتطهر المسيحى من سموم الخطية كما يتطهر "القلقاس" من مادته السامة بواسطة ماء الطهى، والقلقاس لا يؤكل إلا بعد خلع القشرة الخارجية، فبدون تعريته يصير عديم الفائدة، فلابد أولًا من خلع القشرة الصلدة قبل أكله وفي المعمودية يتم خلع ثياب الخطية لارتداء الثياب الجديدة الفاخرة ثياب الطهارة والنقاوة
أمّا القصب فهو يرمز للمعمودية فهو كنبات ينمو في الأماكن الحارة وربما يذكرنا ذلك بأن حرارة الروح يجعل الإنسان ينمو فى القامة الروحية ويرتفع باستقامة كاستقامة هذا النبات، ونبات القصب ينقسم الى عقلات وكل عقلة هى فضيلة اكتسبها فى كل مرحلة عمرية للوصول إلى العلو والقصب قلبه أبيض وحلو الطعم

أضف تعليق