د. محمد نصر علام: «صفقة تفاوضية» متوقعة لا تخرج عن الخطوط المصرية الحمراء لحل أزمة سد النهضة

الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية
وليـد فائـق

«مصر قادرة على الدفاع عن حقوقها المائية فى ظل إدارة رشيدة وجيش قوى».. هذا ما أكده الخبير المائى الدكتور محمد نصر الدين علام وزير الرى الأسبق، فى حواره مع مجلة أكتوبر حول أزمة سد النهضة، التى أصبحت على صفيح ساخن بسبب المماطلة والتعنت الإثيوبى المستمر، مشيراً إلى أن مصر أعلنت للعالم أجمع عدم السماح بالتعدى على حصتها أو أمنها المائى.

وأكد أن كل الخيارات مطروحة أمام القاهرة فى تلك القضية الوجودية، واصفاً الرد الإثيوبى على البيان الأمريكى بشأن الأزمة بأنه «عدائى».

وأشار علام إلى أنه على الرغم من أنه لا يوجد فى الأفق ما يبشر بعودة «مثمرة» للمفاوضات، إلا أنه يتوقع عقد «صفقة تفاوضية» تعكس مصالح الدول الثلاث، ولا تخرج عن الخطوط الحمراء التى حددتها القيادة المصرية، وعن مزيد من التوقعات في مسار الأزمة والكثير من التفاصيل.

بداية، كيف ترى تطورات ملف سد النهضة حاليا؟

كما كانت سابقا، مماطلة إثيوبية بالتوازى مع تسويف وإعلام مضلل، لإضاعة وإهدار الوقت لملء السد ووضع مصر والسودان أمام الأمر الواقع، والقبول بجميع الإملاءات الإثيوبية من حيث سنوات الملء وسياسات التشغيل وتصرفات سد النهضة، وبما يؤثر سلبا على حصتى مصر والسودان..

ماهى نقاط الخلاف الرئيسية بين أطراف الأزمة؟

مصر والسودان موافقتان من حيث المبدأ على السد الإثيوبي، خلافاتهما مع إثيوبيا تنصب حول تهربها من التزامها فى إعلان المبادئ من ضرورة توافق الدول الثلاث حول قواعد ملء وتشغيل السد، وبما لا يسبب أضرارا جسيمة بدولتى المصب، أو المساس بحصتيهما المائية.

بخبرتك السابقة، ما هى الأهداف الحقيقية لإثيوبيا من سياستها فى التعنت والمماطلة؟

الأهداف الإثيوبية واضحة للجميع، وهى التهرب من الاتفاقيات التاريخية ومن قواعد القانون الدولى، ومحاولة وضع مصر والسودان بل والعالم أمام الأمر الواقع من خلال محاولة الانتهاء من السد وملئه، فلا يكون هناك مجال للتفاوض أو النقاش إلا ما تمليه إثيوبيا على الجميع.

ما هى الخيارات التى تمتلكها القاهرة والخرطوم لحل الأزمة؟

طبقًا لتصريحات الرئيس السيسي فإن جميع الخيارات متاحة أمام مصر للدفاع عن أمنها القومى فى هذه القضية الوجودية.

برأيك ما المحرك للموقف الإثيوبى المتعنت؟

فى اعتقادى أنها أسباب داخلية وخارجية هى التى تحرك الموقف الإثيوبى، سواء كانت قوى خارجية تريد الإضرار بمصر وتحجيمها، أو نتيجة لتردى الأوضاع الداخلية والصراعات القبلية والحدودية، وقرب الانتخابات هناك، بالإضافة إلى وجود معتقدات تاريخية خاطئة لدى الجانب الإثيوبى، فهم يعتبرون مياه النيل ملكية إثيوبية، حتى أنهم يتجرأون ويقولون «إن قيام الحضارة المصرية كان على مياه النيل»، يعنى أن هذه الحضارة قامت على المصادر الإثيوبية سواء من المياه أو الطمى الإثيوبى طبقاً لاعتقادهم الخاطئ.

التحرك الأمريكي

كيف رأيت زيارة المبعوث الأمريكى جيفرى فيلتمان للمنطقة لمحاولة التوسط لحل الأزمة؟

الولايات المتحدة هى الدولة العظمى فى العالم، ولها مصالح متعددة فى منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقى، ومن الضرورى لها التواجد فى مثل هذه الأزمات الكبرى التى
بلا شك ستكون لها تأثير مباشر على مصالحها، مع الأخذ فى الاعتبار التواجد الصينى المتزايد فى إثيوبيا. وكانت الزيارة الأولى للمبعوث الأمريكى فى رأيي زيارة استكشافية لدراسة مواقف الأطراف المختلفة والاستماع إلى قياداتهم السياسية، وتقرير الزيارة الذى صدر بعد ذلك يوضح صعوبة الوضع الداخلى الإثيوبي والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان والتمزقات الداخلية، بالإضافة إلى صراعاتها الحدودية مع السودان ووجود قوات أريترية وأدوارها العسكرية فى منطقة التيجراى، وصعوبة إجراء الانتخابات السياسية القادمة فى إثيوبيا، وجدية الموقف المصرى السودانى بعدم السماح لإثيوبيا بفرض سياسة الأمر الواقع عليهما، والتحركات العسكرية فى المنطقة مع تحذيرات باندلاع أزمات عدم استقرار بالمنطقة سوف يصعب معالجتها مستقبلا. وانتهى التقرير بتوصية بالعودة للمفاوضات تحت مظلة الاتحاد الإفريقى وبدعم سياسي أمريكى. وجاء الرد الإثيوبي على هذا البيان بشكل هجومى عدائى مماثلا لبقية سياساتها المليئة بالصوت العالى والتهديدات الجوفاء.

عمومًًا كيف ترى الموقف الأمريكى تجاه الملف؟ وهل تغير هذا الموقف مؤخراً؟

بداية، يجب أن نعلم أنه لن يتصدى أحد للدفاع عن مصالحنا مهما كنا على حق، وأكبر دليل على ذلك ما يحدث للفلسطينيين، وأثق أن مصر هى القادرة إن شاء الله على الحفاظ على حقوقها والدفاع عن وجودها فى ظل إدارة رشيدة وجيش قوى، والدليل على ذلك ما تشهده المنطقة من تحركات أمنية مختلفة، فأمريكا لن تدافع عن مصر بالشكل الذى نريده نحن إلا من خلال المصالح الأمريكية، وما تقدمه مصر من مواقف تحفظ استقرار المنطقة، وبالتالى تحفظ المصالح الأمريكية التى لا تريد انفجار المنطقة. والتواجد المصرى فى السودان يعنى اقترابه من بؤرة الأحداث، وفى نفس الوقت التواجد المصرى النشط والقوى فى فلسطين وليبيا، ودور مصر الرائع فى إيقاف العدوان الإسرائيلى على غزة، وكذا دورها الديناميكى فى البحر الأحمر وعقد صفقات مصرية توافقية إفريقية مع دول حوض النيل والدول الأخرى القريبة من منطقة الصراع، لن يجعل أمام الولايات المتحدة إلا التدخل السريع لحل الأزمة قبل انفجارها، كما أعلنت هى بنفسها.

التأثيرات على مصر

ما تأثير الملء الثانى لسد النهضة على مصر؟

مياه النيل الأزرق طوال آلاف السنين كانت تصل لكل من مصر والسودان بدون أى تعديات إثيوبية، باستثناء بعض السدود الصغيرة التى تم إنشاؤها حديثا وليس لها تأثير كبير على إيراد النهر لمصر والسودان، وبالنسبة للسودان فهى دولة ممر سوف تأخذ حصتها بالكامل، وبعدها تصل بقية المياه إلى مصر لمخزون السد العالى. ولذلك ففى حالة حجز إثيوبيا جزءا من تصرفات النهر لتخزينه فى سد النهضة فسيكون خصما من حصة مصر، وستقوم مصر مضطرة بتعويضه من مخزون السد العالى، ومخزون السد العالى هو مخزون استراتيجى أثناء سنوات الفيضان العالية ليتم استخدامه فى السنوات المنخفضة (سنوات الجفاف)، والجفاف وارد حدوثه فى أى وقت وقد يمتد لعدة سنوات كما حدث فى ثمانينيات القرن الماضى، حيث امتد لمدة
8 سنوات عجاف، وقد يصل العجز فى السنة الواحدة إلى 10-15 مليار متر مكعب. وبالتالى من الضرورى الاتفاق مع إثيوبيا بتصريف كمية مياه إضافية من سد النهضة لمصر أثناء سنوات الجفاف للمساعدة فى تغطية احتياجاتها المائية وسدادا للسلفة المائية التى استخدمتها فى ملء السد الإثيوبى. والملء الثانى يحتاج إلى أكثر من
13 مليار متر مكعب وبما يعادل مياه الشرب للمصريين فى سنة كاملة، بالإضافة إلى مياه رى نصف مليون فدان.

وما تأثير سد النهضة على كهرباء السد العالى؟

فى رأيى تأثير سد النهضة وملئه سيكون كبيرا على مخزون السد العالى، وبالتالى سيكون كبيرا أيضا على كمية إنتاج كهرباء السد العالى، وقد تصل إلى تخفيض الكهرباء بمقدار 40-50% فى المتوسط.

صفقة تفاوضية

هل تتوقع استئناف المفاوضات قريبا؟ وماهى توقعاتك لنتائج التفاوض؟

يسود السكون والركود الساحة حاليا، وليس هناك جديد سواء على مستوى الاتحاد الإفريقى أو من الولايات المتحدة حتى تاريخه. ومازالت إثيوبيا تعلن تصميمها على الملء الثانى فى موعده (شهر يوليو)، بالرغم من التحذيرات المصرية السودانية بعدم قبولهما بالملء الثانى قبل التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة مع بنود قانونية واضحة لحل أى خلافات قد تطرأ أو تظهر مستقبلا حول تفسير أى من بنود الاتفاقية. ولا يوجد فى الأفق حاليا ما يبشر بعودة مثمرة للمفاوضات، ولكن فى نفس الوقت هذه الفترة قد تكون الفرصة الأخيرة لأى مبادرات جادة، أخذا فى الاعتبار الإعلان الإثيوبى بتصميمها على الملء الأحادى فى شهر يوليو القادم ورفض مصر والسودان القاطع لذلك.

ألا يتعارض ذلك مع الدعوة الأمريكية لاستئناف المفاوضات على وجه السرعة؟

ولكن حتى الآن لم يتم تنفيذ الدعوة الأمريكية على أرض الواقع، أو حتى استئناف المفاوضات من خلال الاتحاد الإفريقى، وقد يكون الأكثر احتمالا هو عقد «صفقة تفاوضية» تعكس مصالح الدول الثلاث، ولا تخرج كثيرًا عن الخطوط الحمراء التى حددتها القيادة المصرية.

كيف تقيم الوساطة الإفريقية؟ وهل تعتقد أنها سوف تنجح؟

الوساطة الإفريقية تتعرض لصعوبات، وللأسف الكونغو نفسها بصفتها رئيس الاتحاد الأفريقى تعرضت لكوارث طبيعية من براكين وهزات أرضية تسببت فى خسائر بشرية ومادية ومشاكل أدت إلى عدم تفرغ الكونغو لأى مشاكل إلا مشاكلها الداخلية، وأبعدتها عن حل الأزمة.

دفاع عن الوجود

هل ترى أن حل الأزمة دبلوماسى فقط أم أننا مازلنا نملك أوراق ضغط؟

لذلك قلت إن هناك «صفقة تفاوضية»..

إذن هل الخيار العسكرى ما زال مطروحًا؟

بالطبع، فنحن ندافع عن تواجدنا وحياة الشعب ومصادر وجوده، ودور الدولة المصرية فى المستقبل.

بالمناسبة كيف ترى دور الدولة المصرية تجاه الملف؟

هناك أمر واضح تماما فى السنوات الأخيرة أن هناك نشاطا سياسيا وإطارًا جديدًا لإدارة العلاقات السياسية الخارجية ومحاولات ناجحة للعودة إلى الدور الرائد المصرى فى المنطقة العربية والشرق الأوسط وإفريقيا بشكل عام، وبصفة خاصة القرن الإفريقى ودول حوض النيل، وأرى أننا نثق فى قيادتنا وقراراتها ويجب الاصطفاف وراءها فى هذه اللحظات الحاسمة للقضايا والمخاطر القومية لكى نعبر معا إلى مستقبل آمن وأفضل.

ما الذى يضمن التزام إثيوبيا بأى اتفاق، اذا ما كانت تتنصل من اتفاقاتها السابقة؟

الحقيقة لا توجد ضمانات حقيقية لضمان الالتزام الإثيوبي فى المستقبل حتى لو توافرت ضمانات دولية، كما نرى تصرفات إثيوبيا معنا ومع السودان حول اتفاقية 1902 ومحاولة التنصل من التزاماتها، وكذلك تصرفاتها مع كينيا والصومال بخصوص الأنهار المشتركة معهما. ولكن مصر دولة لها تاريخ وعندها التزام بالأطر السياسية والقانونية، واحترام للنظام الدولى مع الحرص كل الحرص على الاحتفاظ بالقوة المصرية التى تجبر الآخرين على احترامك واحترام مقدراتك.

هل أنت متفائل بحل قريب لهذه الأزمة؟

كل شىء ممكن بعيدا عن التفاؤل والتشاؤم، فالأهم لى كمواطن أن القيادة والدولة المصرية أخذت فى اعتبارها المسارات المختلفة والمحتملة، وأعلنت للعالم أجمع عدم سماحها تحت أى ظرف بالتعدى على حصتها أو أمنها المائى، وأن كل الوسائل متاحة للدفاع عن مقدراتها وشعبها فى هذه القضية الوجوديــــة، وأعتقــــد أن الشــهور القادمة فى الأغلب ستشهد نهاية هذه الأزمة بشكل أو بآخر.

أضف تعليق