الدكتور بباوى ومعجزات الرسول

رجب البنا

الرأى18-6-2021 | 16:42

رجب البنا

خصص الدكتور نبيل لوقا بباوى فصلا فى كتابه «عبقرية محمد» عن معجزات الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول فيه إن كل نبى له معجزات خاصة به، تناسب عصره كما تناسب مجتمعه، فأكبر معجزات النبى هى القرآن الذى نزل فى مجتمع يتميز أهله بالبلاغة، فجاء القرآن يتحداهم أن يأتوا بسورة – أو حتى بآية – من مثله، وظل هذا التحدى قائما حتى اليوم دون أن يظهر من يأتى بكتاب فيه ما فى القرآن من البلاغة، والحكمة، والدعوة إلى الأخلاق والفضيلة فى أرقى معانيهما، وفيه من الأحكام ما يحقق للإنسانية التكامل والانتصار على نوازع الشر والوقوع فى الانحراف عن الطريق المستقيم فى الحياة، والعمل بما يحقق النعيم فى الحياة الآخرة، كل ذلك والرسول أمى لا يقرأ ولا يكتب! وقد تحدث القرآن عن أحداث ستقع فى المستقبل ووقعت فعلا مثلا، انتصار دولة الروم بعد هزيمتها وغير ذلك كثير.

ويتحدث الدكتور بباوى عن معجزة الإسراء والمعراج، التى لا يدرك البعض ما فيها من دلالة على قدرة الله، وعلى منزلة الرسول، فهى معجزة لا يمكن للعقل البشرى المحدود إدراكها، وقد كرّم الله نبيه بما ذكره فى الآية الأولى من سورة الإسراء «لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى»، ويشكك بعض المستشرقين فى إمكان حدوث هذه الرحلة من مكة إلى القدس وبعدها المعراج، ولكن الغيبيات المقدسة فى الأديان لا تخضع لحسابات مادية أو لقبول العقل، ولكنها تخاطب صدق الإيمان بقدرة الله، وإلا فكيف يقوم «اليعازر» بنداء المسيح وهو ميت وبعد دفنه بثلاثة أيام، وكيف تتم ولادة المسيح بدون أب ومن أم عذراء لم يمسسها بشر، إنها معجزات إلهية فى جميع الأديان السماوية تمثل غيبيات يصدقها من يصدق بوجود الله وبقدرته، ويؤمن بها من يؤمن بأن الله «عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».

ومن معجزات الرسول (صلى الله عليه وسلم) - كما يقول الدكتور بباوى - أنه ولد فى عام 570 ميلادية، وهو العام الذى جاء فيه أبرهة ملك الحبشة إلى مكة على رأس جيش مزود بأفيال، ولم يكن العرب قد رأروا الأفيال أو لديهم القدرة على التصدى لها، وكان أبرهة يريد هدم الكعبة، ولم يملك أهل مكة إلا ما قاله عبد المطلب – جد الرسول – «للكعبة رب يحميها» وفعلا أرسل الله طيورا قذفت جيش أبرهة بحجارة من سجيل فجعلت الجنود والأفيال كعصف مأكول، وعاد أبرهة مهزوما، وكانت هذه المعجزة إيذانا بمولد نبى، ومعجزة بلا شك أن يحفظ النبى الأمى القرآن كاملا وهو مكون من 114 سورة منها 86 سورة نزلت فى مكة و28 سورة نزلت فى المدينة، وقرأ القرآن كاملا على جبريل قبل وفاته دون أن يتلعثم أو ينسى كلمة منه.

وكان إسلام عمر بن الخطاب معجزة، فقد كان معروفا فى مكة بقوته وشجاعته، كان يجاهر بعدائه لهذا الدين الذى جاء به محمد، وكان المسلمون يخشونه حتى أن الرسول دعا ربه (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين)، وفى الليلة التى عزم فيها عمر على الهجوم على الرسول أراد الله له الهداية فسمع آيات من القرآن من أخته وزوجها فخشع قلبه وهدأ غضبه وتحول فى لحظة إلى الإسلام، وذهب إلى الرسول ليعلن إسلامه بعد أن كان يريد قتله، وكان إسلام عمر بداية مرحلة جديدة لأنه بدأ يسير فى مكة علنا على رأس من أسلموا ويتحدى أن يؤذيهم أحد من كفار قريش، ولم يكن أحد يصدق أن هذا الجبار عدو الإسلام يمكن أن يصبح المدافع عن الإسلام.

وما حدث فى هجرة الرسول من مكة إلى المدينة كان معجزة بمعنى الكلمة، ففى الليلة التى اجتمع فيها شاب من كل قبيلة من قبائل مكة أمام بيت الرسول (ص) لكى يقتلوه حين خروجه، وخرج الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى حماية الله، الذى أنزل النعاس على الجميع فلم يشعروا بخروجه، وعندما انتبه كفار قريش كلفوا أبرع فارس فى مكة «سراقة» ليلحق بالرسول، وفعلا كاد أن ينال منه إلا أن فرسه وقع على الأرض، وتكرر ذلك كلما صوب سهامه نحو الرسول، فعاد ليحكى للكفار ولم يقتنعوا فانطلقوا بحثا عن الرسول ورفيقه أبوبكر الصديق إلى أن وقفوا على باب الغار الذى اختبأ فيه الرسول فوجدوا أن العنكبوت نسج خيوطه على شكل ستارة، واليمام صنع عشه، فلم يفكروا فى النظر داخل الغار، ولو أنهم نظروا عند أقدامهم لرأوا الرسول، ولكن الله حقق هذه المعجزة التى قال عنها «إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» آية (40) سورة التوبة.

وما حدث فى غزوة الخندق كان معجزة، حين أحاط كفار مكة بالمدينة وفرضوا عليها الحصار، واستمر الحصار إلى أن اشتدت معاناة المسلمين من نقص الغذاء، حينئذ بعث الله بمعجزة إلهية فهبت عاصفة شديدة اقتلعت خيام الكفار وأطفأت نيرانهم وأصابهم الرعب مع نزول أمطار غزيرة لم يسبق لها مثيل، فكانت هزيمة الكفار وانتصار المسلمين بدون حرب ونزلت سورة الأحزاب فى الآية (9): «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً».

ومن معجزات الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو فى مكة فشل محاولة أبى جهل قتله وعاد ليقول لكبار قريش: «قمت إليه أحمل حجرا أضرب به رأسه وهو ساجد، فاعترضنى فحل من إبل لم أر مثله ولا مثل أنيابه، وهو يهم ليأكلنى، فتراجعت.. وحدث فى المدينة أن مر الرسول يوما بديار بنى النضير، فتظاهروا بالحفاوة به، وتربصوا به إلى حين جلس لقتله بإلقاء صخرة على رأسه والادعاء بأنها غير مقصودة، وأنبأه الله بكيدهم فقام من مجلسه وأمر أصحابه بالقيام وخاب سعى أعداء الدين.

ومن معجزاته (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يُحدِّث أصحابه بما سيحدث وجاء تفسير ذلك فى سورة الجن الآية (26 و27): «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً».. وفى غزوة مؤتة تنبأ الرسول بما سيحدث تفصيلا وتحقق قوله.. وتحقق الكثير من أمثال ذلك.

قد يدهشك إطلاع الدكتور نبيل لوقا على المراجع وكتب السيرة وتعمقه فى دراسة القرآن وتفسيره كما يظهر فى كتبه عن الإسلام وعن الرسول، وهى أكثر من كتاب، وذلك مع حرصه على الصلاة فى الكاتدرائية، وقربه من البابا شنودة، مما يؤكد أن المؤمن بالله إيمانا حقيقيا يؤمن بكل الأديان كما قال الله: « آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» (البقرة – 285).

رحم الله الدكتور بباوى.

أضف تعليق


لماذا يستهدفون ثورة يوليو؟

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة