«أبية فريد».. أول مديرة تصوير سينمائية مصرية

«أبية فريد».. أول مديرة تصوير سينمائية مصريةأبية فريد

ثقافة وفنون12-9-2021 | 15:30

محمود عبد الشكور

شاهدت مؤخرا فيلما تسجيليا بديعا ومؤثرا من إنتاج art في سلسلة «رائدات» عن الراحلة أبية فريد أول مديرة تصوير سينمائية مصرية.

أعادني هذا ال فيلم الحافل بشهادات وصور، عن هذه الفنانة التي توفيت في عز شبابها، الى زمن وجيل مدهش من نساء هذا الوطن، اللاتي أتيحت لهم الفرصة لإثبات وجودهن، وقد عاصرت هذا الزمن عندما كنت صبيا في السبعينيات.

بدا ال فيلم بالنسبة لي أكثر من فيلم عن شابة مصرية ناجحة واستثنائية في موهبتها وحضورها، لقد صارت أبية عنوانا على جيل من موهوبات السبعينيات، ودليلا على براعة المرأة المصرية، إذا أتيحت لها الظروف والفرص المتساوية.

ولدت أبية فريد فى العام 1948، وكانت دوما مهتمة بالفنون، ثم أحبت السينما، فالتحقت بقسم التصوير فى المعهد العالي للسينما، فتفوقت وكانت الأولى على القسم دفعة 1971، ولم تكتف بذلك، بل بدأت العمل كمساعدة مع كبار مديري التصوير مثل وحيد فريد وعبد المنعم بهنسي وعصام فريد، وعينت معيدة فى قسم التصوير، وهي أول مديرة تصوير مصرية، وفازت بجائزة أفضل تصوير عن فيلم «ميرهان» فى المهرجان القومي للأفلام القصيرة والتسجيلية فى العام 1973، وال فيلم من إخراج مها المشري، التي تحكي عن أبية بتأثر شديد، وتوضح مدى قدرتها على الابتكار، وجديتها، وبراعتها، رغم صعوبة العمل بالنسبة للمرأة فى مجال التصوير السينمائي، ولكن أبية أثبتت جدارة المرأة بهذه المهمة.

يتحدث عنها فى ال فيلم أيضا زوجها مدير التصوير سعيد شيمي، وشقيقتها د. أميرة، وابنها مدير التصوير شريف شيمي، فيرسمون صورة قوية لفنانة اختطفها الموت مبكرا، حيث توفيت قبل أن تحتفل فى العام 1982 بعيد ميلادها الرابع والثلاثين، وكانت جنازتها حاشدة، حمل نعشها طلابها فى معهد السينما، وساد الوسط السينمائي حزن شديد عليها، فقد كانت تنبيء بتألق كبير فى تقديم أعمال مختلفة، رغم أنها تركت رصيدا كبيرا من الأعمال، حيث يظهر اسمها دوما كمساعدة مصور فى أفلام روائية مصرية كثيرة، وكذلك فى أفلام تسجيلية متميزة، وهي مهنة خطيرة وهامة، بالذت فيما يتعلق بدرجة وضوح الصورة.

عملت أبية كمساعدة مع مدير التصوير سعيد شيمي فى 10 أفلام روائية طويلة، وفى 5 أفلام تسجيلية، كما كانت مديرة تصوير ال فيلم التسجيلي «عباد الشمس» للمخرج خيري بشارة، و فيلم «الهمس على النحاس» عن الفنان محمد رزق، للمخرجة فريال كامل، وظهرت كممثلة فى دور موظفة فى ال فيلم القصير «البطيخة» للمخرج محمد خان، ولا ننسى تأثيرها الكبير من خلال فتح الباب، بعد نجاحها كمصورة وكمساعدة وكمديرة تصوير، أمام فتيات كثيرات لدخول قسم التصوير فى معهد السينما، ولاحتراف هذه المهنة الصعبة، والإبداع فيها.
وعلى عكس كثير من الأفلام التسجيلية التي تبدو شحيحة فى مادتها المصورة، فإن هذا ال فيلم عن أبية فريد فيه ثروة هائلة من الصور الفوتوغرافية، التي لا ينقصها إلا أن تتحرك لكي نرى أبية شخصيا فى كامل حضورها البديع، فكأن الصور تقدم التحية للمصورة الرائعة بعد رحيلها، تقديرا لتفانيها فى عملها، وكأن أبية كانت على حق فى تقدير فن الصورة، الذي يضيف عمرا جديدا للإنسان، والذي يجعل حياتنا أطول، سواء من خلال الفوتوغرافيا أو من خلال السينما.

تدهشني فعلا هذه الثقة لفتيات هذا الجيل، كن مليئات بالطموح، نظرات أبية فى الصور تعكس كل ذلك، ولا شك أنها تمتعت بدعم أسري قوي وواضح، سواء من خلال والدها، أو زوجها مدير التصوير الكبير.
ليست مسألة مجرد صور تسجيلية تحكي مسيرة فتاة مصرية، ولكنها صور عصر بأكمله، وصور أسر وعائلات الطبقة الوسطى المصرية: فتيات فى رحلات مبهجة، أبية وأخوتها مع والدهم، أبية وهي تعمل خلف الكاميرا بجدية مثيرة للإعجاب، أبية وهي تقيس الضوء على وجه توفيق الحكيم، أثناء تصوير فيلم تسجيلي عن الكاتب الكبير، ثم نراها أيضا وهي أم مصرية عادية مرحة مع ابنها شريف، ونراها من جديد كزوجة لسعيد شيمي، ولا تغيب دوما عن الصور هذه القدرة والرغبة على أداء كل هذه الأدوار، ولم ينس ال فيلم أن يقدم لقطة أبية المتحركة كممثلة فى فيلم البطيخة، وكانت هنا أيضا تؤدي دورها بكل جدية واهتمام.
شيء رائع أن تكون هناك سلسلة عن ال رائدات المصريات فى كل المجالات، بل وأتمنى أن تكون هناك سلسلة لنساء كثيرات عاملات ومبدعات فى أيامنا الراهنة، وأن تخلد ذكرى ال رائدات فى شكل إطلاق أسمائهن على أماكن، أو منح جوائز بأسمائهن، أن تعرض الأفلام عنهن باستمرار، وأن تصبح حكاياتهن موضوعات فى كتب المدارس.
ليست قصة شخصية أبدا، كل امرأة ناجحة ومبدعة هي عنوان جيلها وزمنها ووطنها فى لحظة تاريخية معينة، ودون أن تقصد هي ذلك.
أن تتحقق أنت، ستصبح بالضرورة ملهما للكثيرين بأن يتحققوا مثلك، هذا هو درس أبية وزميلاتها .
لقد رأيت المرأة المصرية العظيمة، من خلال أبية فريد، ومن خلال جيلها المدهش، صاحب البصمة التي لا تزول.

أضف تعليق

الأوراق الملوَّثة في ملف تفكيك الدول «2»

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة