الفن المبتذل.. حتى الصين تجرمه

حسين خيرى

الرأى12-9-2021 | 15:44

حسين خيرى

قد لا تصدق سعي بعض الدول المتقدمة لفرض القيم والضوابط على الذوق العام، ونفاجأ بهيئة تنظيم البث فى الصين تعلن حظر ظهور الفنانين ممن يمثلون النماذج المخنثة فى وسائل الترفيه وهذا طبقا لنص التصريح، ووصف نقاد صينيون تلك الخطوة بسياسة ضبط ما يسمى بـ "المحتوى غير الصحي" فى البرامج وفى جميع أشكال الدراما، وأنها تهدف إلى منع ظهور أشخاص مبتذلة تضر بالمشاهد.

وطالبت الإدارة المختصة بالإذاعة والتليفزيون بالصين بضرورة إدراج السلوك الأخلاقي كمعيار فى اختيار الممثلين، وتنهي كلامها بأهمية الظهور فى صور أكثر ذكورية للرجال، وانتقدت إسراف المشاهير فى استخدام مساحيق الجمال.

وفى مقابلة مع واقعنا العربي من هجمة أغاني المهرجانات ودراما العنف، التي تؤذي أسماعنا وأبصارنا، وتفتقر إلى موهبة الطرب والأداء الدرامي الراقي، كما عرفناه من تراثنا وما أخبرتنا به المراجع الثقافية، فما هي سوى أصوات ومشاهد تصيب كثيرًا من أهالينا بالغثيان.

وهيهات أن تتذكر كلماتها أو معانيها، فأسلوبها رديء، وأصواتها لا تعبر إلا عن ضجيج وصخب، وشباب وفتيات ترقص عليها، كأن لبسهم جان، ومن العيب أن يطلق عليها ألحانا موسيقية، فقد أفرزت مجموعة من البشر يشبهون الزومبي، ورحمة الله على أهل فن الزمن الجميل، وربنا يحمي أولادنا من التعرض لتشويه أفكارهم، وتلوث مشاعرهم .

والذوق الجميل حين يتخلل المضمون والشكل، يكون له تأثير عظيم فى ضبط السلوك العام والمعاملات الشخصية والعلاقات الأسرية، التي بات السوس ينخر فيها، وكل يوم نسمع عن حوادث قتل زوج لزوجته وبالعكس، حتى فلذات أكبادهم لم تسلم من أيديهم، فقتلوهم بأبشع الصور.

وأكثر مروجي هذه الضوضاء بعض سائقي الميكروباص والتوك توك وكل من على شاكلتهم، حتى ولو استقلوا السيارات الفارهة، وسكنوا الكمبوندات، فهؤلاء صاروا كمدمني المخدرات، غائبين دائما عن الوعي، ولا يمكنهم إنتاج عمل يفيدهم، أو يصلح لمجتمعهم.

وأغلب الأعمال الفنية المقدمة من مدعي الفن، تخلو تماما من أي رسالة أو مضمون إيجابي، وعند النظر إلي الدراما الكوميدية الحالية نراها لا تمثل سوى إفيهات رخيصة وأداء حركي أقرب إلى البهلوانات، مما دفع بعض رواد التواصل الاجتماعي إلى التحذير من مشاهدة هذه الأعمال الفنية، لأنها تعتبر أخطر من جرائم الحرب، وبمثابة جريمة تهدد الجيل الحالي، وتؤسس لجيل مشوه، ينطق كلمات بذيئة وغريبة، ويرتدي ملابس لا ترقى إلى أبسط قواعد الذوق العام.

qqq

وأجمع خبراء علوم الاجتماع والنفس والدين على أن الشخص المبتذل المتصدر للظهور فى الفضائيات يقدم قدوة ضارة لجميع أفراد المجتمع، ويجب مواجهته بالوعي من خلال وسائل الإعلام ودور العبادة، وكذلك تأسيس شركات إنتاج تضم مفكرين وأدباء ممن تدعمهم أجهزة الدولة كوزارة الثقافة ودور النشر الرائدة.

والكارثة أن فن الابتذال يتحول إلى أحلام وتطلعات لدى بعض الشباب، سعيا منهم للشهرة وكسب المال كما نراه فى مواقع التواصل الاجتماعي من جرائم أخلاقية، وللأسف أصبح هؤلاء الشباب نقمة على مجتمعاتهم، ولا يوقرون كبيرا، ولا يرحمون صغيرا، ولا يجدون عيبا فى التحرش بفتاة أو امرأة.

والفن المبتذل لم يكن أبدًا تعبيرا عن تغيير حضاري، بل مثل موضة "البنطلون المقطع"، أو أشبه بالوشم على القفا، والمدعون بأن فن الزمن الجميل صار من حكايات ألف ليلة وليلة، وتراثا أنهكه الزمن، إنما يدل على غباء عقولهم، فمن يدفن تراثه كمن يمحو ذاكرته، ويهدم أساس بيته.

أضف تعليق