التمور تزين 2 مليون نخلة فى موسم الحصاد.. «المرازيق» تروى حكايات «النوى»

طال النخل

مصر16-9-2021 | 12:55

تصوير خالد بسيونى - رمضان على

على طول الطريق المؤدي إلى قرية «المرازيق»، بالبدرشين بمحافظة الجيزة، لا نرى سوى النخيل المتراص بجانب بعضه البعض، بعناقيد صفراء لامعة مثل الكهرمان، فوقه (طالع النخل) ، ومن تحته أطفال وشباب ونساء يجمعون ما يتساقط، وعلى جانبي الطريق المؤدى إلى القرية تنتشر الأسبطة الخالية من البلح، وهو ما يطلق عليه المزارعون «العرجون»، وكأنه كرنفال لاحتفال وسيمفونية تعزفها قرية «المرازيق»، فهي حكاية من حكايات الزمن في تجارة البلح، وتعد من أكثر المناطق المعروفة بزراعة النخيل، حيث يصل عدد النخيل إلى أكثر من 2 مليون نخلة، وهي تشتهر بذلك على مستوى الجمهورية.

وعند الوصول للقرية يوجد كثير من الفلاحين، الذين يعملون منذ سنين فى موسم حصاد البلح، لنراه بعد ذلك زينة أسواق الفاكهة، وفى الموسم تبدأ بشاير الجمع ويبدأ موسم العمل للجميع، العربات تسير فى كل مكان لنقل البلح إلى «المناشر».

صعوبة العمل

فهم لم يتخلوا أبدا عن عملهم «طالعي النخل»، بسبب حبهم لهذه المهنة رغم صعوبة العمل بها ، وما يعرفونه عن فوائد البلح، فهو يتميز بالعديد من العناصر الغذائية المفيدة لصحة الإنسان، حيث إن البلح مضاد للسرطان، ويعزز من الوظائف الإدراكية وحماية الخلايا فى المخ من التلف والوقاية من أمراض الزهايمر، كما يحتوي على نسبة عالية من الألياف، التي تساعد على تحسين وظائف الجهاز الهضمي، ومناسب للرجيم، ويعمل على ضبط ضغط الدم، لاحتوائه على البوتاسيوم، الوقاية من الأنيميا لاحتوائه على نسبة عالية من الحديد.

وفى جولة بأرجاء شوارع القرية المزدهرة بالنخيل، وجدنا إحدى مزارع النخيل، وبعض المزارعين يأخذون قسطا من الراحة استعدادا للصعود لمرحلة الجمع، يجلسون ويرتشفون بعضاً من الشاي الأسود المعد على نار النخيل الجاف، ويسنون آلة قطع البلح، وبمجرد انتهائهم من مرحلة سن الآلات، حزم كل واحد منهم خصره بحبل وربطه فى النخلة، وصعد «طالع النخل» كأنه يصعد على درجات سلم.

والفلاحون يحصدون البلح تحدثنا مع محمود على، يبلغ من العمر ٤٨ عاما، ويعمل صاعد النخل من ما يقارب ٢٠سنة، بجانب وظيفته الآن «سائق توكتوك»، وبعد سفره إلى السعودية مازال يعمل فى موسم حصاد النخل.

قال»محمود على»، إن موسم حصاد البلح يبدأ فى بداية شهر سبتمبر، ويمتد حتى نهاية شهر أكتوبر، فهو مصدر الرزق والسعادة لأهل القرية، الذين ينتظرون هذا الموسم كل عام، لأنه يعمل طفرة اقتصادية فى القرية، مشيرا إلى أن النخيل شجرة ذكرها الله فى القرآن، فهو خير نابع من الأرض بدون تدخل الإنسان.

ذكر محمود أن للبلح أنواعا منها: السيوى والمهات و الأحمر، ويقول إن البلح السيوي من أجود أنواع البلح، ويقوم التجار بشرائه وبيعه على الطرق وفى الأسواق.

وأضاف إبراهيم محمد، أنه يعمل فى هذه المهنة منذ أكثر من ٣٠ عاما، و«طالع النخل» ليست مجرد مهنة لجنى البلح، لكنه مسئول عن النخلة من الجذع حتى الشوشة، موضحًا أن عملية التلقيح التى تتم فى شهر مارس، واكتشاف الأمراض التى تصيب النخلة، ورش النخل بالمبيدات، كلها من الأمور التى يجب أن يكون على دراية بها.

عرف إبراهيم محمد أنهم يقومون بطلوع النخل ثلاث مرات فى السنة، وفى كل مرة تكون عملية جديدة للعناية بالنخيل، إلى أن يصل إلى مرحلة الحصاد، فيبدأ بعملية التلقيح «الطرح»، وهى أهم مرحلة بالنسبة للنخيل، ومن عظمة الخالق فى خلقه أنه قسم النخيل إلى إناث وذكور، فيأخذون الطرح للتلقيح وهو عبارة عن بودرة مثل الدقيق، نأخذها ونربطها فى قطع من القماش على أسبطه البلح فى شهر مارس.

يقوم «طالع النخل» بهذه المهمة، وكلما كان صاحب خبرة فى عملية التلقيح، كان الإنتاج جيدا ومتزايدا فى موسم الحصاد، لأن العرجون الذى لم يلقح جيدا، أو لم يأخذ ما يكفيه من بودرة التلقيح يظل طرحه فى طور الجنين ولا ينمو.

ويواصل محمود قائلاً: «النخلة من الأشجار المعمرة وهى تشبه الإنسان، عندما تموت تسقط من أعلى «العرجون»، ثم تأتي المرحلة الثانية ويقومون فيها بتغليف العرجون على النخل، وبعدها يتم تقطيع البلح من على النخل فى المرحلة الثالثة.

ذكر إبراهيم أنهم يجمعون نساء المنزل ليقوموا بفرز البلح؛ لاستخراج التالف منه وغسله بالمياه والملح وبجانبهن (صفيحة المياه الباردة ) لترطيب أيديهن إثر سخونة الجو والحرارة من حولهن، وتستمر هذه العملية مــن خمســـــة أيـــــــام لأسبوع، يتم فيها تقليب التمر فى الشمس، ثم يتم فرزه إلى درجة أولى ودرجة ثانية وثالثة ويتم تسويقه حسب العرض والطلب.

طالع النخل

لم تخلُ القرية من «طالعي النخيل»، أحمد على وشهرته أبو على، أحد الشباب فى القرية، الذين يعملون فى هذه المهنة بجانب أنه بائع خضار، أشار إلى أنه يصعد على النخيل منذ ٧ سنوات، ويستخدم فى عمليات النخيل «المطلاع»، وهو عبارة عن حبل سميك يلفه حول خصره، مطوقا الطرف الثاني منه جذع النخلة، ثم يبدأ فى الصعود على حواف الجذع، حاملا «طبقًا عملاقًا» مصنوعًا من أقمشة الأجولة القديمة، يهز الشتلات الصفراء المثقلة بثمرات البلح، يتساقط الرطب الجني والثمر الناضج تمام النضوج فوق الأجولة المفروشة أسفل النخلة، ثم بحرفية شديدة يبتر الشتلة من منتصفها ويضعها فى الطبق العملاق بواسطة آلة حادة «الشرشرة»، يلي ذلك إحناءة بسيطة نحو الجانب الآخر من النخلة لتكرار العملية ذاتها.

قال «مفيش رجل هنا فى القرية مطلعش النخلة وهو صغير ولو مرة تجربة مع أهله، أنا طلعت وأنا سني ٢٠سنة كانت أول مرة، الشغلانة دي خطيرة جدا، وتحتاج خبرة وصحة وقلب جامد، وخفة يد ووزن، كلنا بنطلع وعارفين إننا ممكن نصاب أو نموت، كتير حصلت قدامنا حوادث وفاة، بسبب سقوط النخلة بمن تحمله».

لكن أنا أعشق هذا المهنة ولا أخاف الصعود «أنا أطلع أي نخلة مسافرة ولو راقدة أجبها».

والنخلة من الأشجار الصديقة للبيئة، فكل جزء فيها يستخدم وله فائدة حتى «الليفة الحمراء» وهى غير مكلفة فى زراعتها، ولا يوضع لها كيماويات، فالأرض المزروع فيها النخيل تزرع بكل أنواع الخضار، والنخلة تأخذ من تسميد ما يزرع فى أرضها وتعطى فهي «شجرة كريمة».

بوجه تراثي الملامح، وأيد تظهر عليها مشيب الزمن، وبروح شابة لا تعرف للعُمر سبيلًا، وجدت الحاج سعيد محمود، عمره ٧٠ عاما، كان يعمل طالع نخيل ولكنه توقف عن العمل، بسبب مرضه بارتخاء فى الأعصاب، مؤكدًا أن طلوع النخيل صعب جدا ويحتاج إلى استخدام أعصاب الجسم كله، وأن هذه المهنة مثل المرض فى الجسم لا يستطيع العامل بها تركها، أو دخول أحد غريب فيها ، فهي مهنة مورثة تعشقها الروح، رغم تكرار الحوادث والمخاطر بها.

أضف تعليق