كان على موعد مع القدر

كان على موعد مع القدررجب البنا

الرأى1-10-2021 | 13:45

رجب البنا

فى طفولتى كنت أقضى الصيف عند أخى الأكبر فى الإسكندرية، كان يعمل ناظر زراعة فى تفتيش الأمير عمر طوسون ويسكن فى بيت على شاطئ ترعة المحمودية، وفى يوم اندفعت دون إدراك للخطر نحو الترعة ظنا مني بأن السباحة فيها متعة مثل السباحة فى مياه البحر.. وحاول أحد مساعدى أخى إقناعى بأن السباحة فى الترعة مختلفة، وأن الترعة عميقة، ولم أستجب له، وتدخل أخى وطلب من مساعده أن يتركنى لأنفذ ما أريد، وما أن وضعت قدمى فى الماء حتى وجدت نفسى أغوص فى العمق وأشرف على الغرق، وأنقذنى الرجل فى اللحظة الأخيرة، وسمعت أخى يقول: إذا لم نتركه يجرب بنفسه سيكرر المحاولة ويظن أننا حرمناه من حلم حياته.. هذا ما حدث حين وجدت مصر نفسها فى خطر شديد.

تذكرت هذه الواقعة وأنا أودع المشير طنطاوى، وعادت إلي الذاكرة مواقف أمريكا وتهديدات أوباما: على مبارك أن يغادر الآن.. الآن يعنى الآن، وخطة إدارة أوباما عن تخريب البلاد العربية التى أعلنتها كوندوليزا رايس، وإعلان هيلارى كلينتون عن المخطط الأمريكى بتمكين الإخوان من الحُكم فى مصر باعتبارهم الفصيل القادر على تنفيذ المخططات الأمريكية وحماية مصالحها، وهذا ما شجع الإخوان على التهديد: إما أن نحكم أو نحرق البلد، وحرقوا وخربوا وقتلوا فعلا، وأعلنوا نواياهم لتفكيك الجيش وجهاز الشرطة ومؤسسة القضاء والثقافة حتى تتحول مصر إلى أرض خراب.

وشاءت إرادة الله أن تضع المشير طنطاوى والمجلس العسكرى فى أصعب امتحان، فاختار ضبط النفس، والصبر، وقيادة السفينة وسط العاصفة بهدوء وحكمة بالغة، وتحمل فى سبيل الحفاظ على الجيش والوطن الكثير من الضغوط والمؤامرات التى تفوق طاقة البشر، ولم يكن وحده، كان حوله رجال هم مثال الوطنية المصرية، أبناء هذا الوطن، وأبناء العسكرية المصرية بإخلاصها ووفائها وتضحياتها، اختار أن يحافظ أولا على سلامة ووحدة الجيش وحمايته من أن ينفذ إليه زبانية المخطط الشرير، واختار طريق الديمقراطية، فترك القرار للشعب وللانتخابات، وحين استخدم الإخوان التزوير والخداع وسيطروا على الحكم، كان هو وقواتنا المسلحة حائط السد للحفاظ على البلد، وحين ثار الشعب ضد عصابات الإخوان واكتشف زيفهم وعمالتهم للقوى الأجنبية واستعدادهم لبيع مصر استجاب للشعب واعتبر نداء المصريين فى كل المدن والقرى أمرا عليه أن ينفذه، وبشجاعة ليست غريبة عليه هو وإخوانه أعادوا لمصر روحها وأمنها واستقلالها.

لهذا نقول إنه أنقذ مصر من المصير الذى لحق بدول كانت مستقرة وتحولت إلى أرض خراب.

اقتربت من المشير طنطاوى فى مناسبات كثيرة.. فى احتفالات القوات المسلحة، وفى كل احتفال بتخريج الكليات العسكرية، وفى اجتماعات عديدة، وأجريت معه أحاديث لمجلة «أكتوبر»، وكانت «أكتوبر» و«دار المعارف» الأقرب إليه، وفى كل مناسبة كان يطلب من اللواء سمير فرج مدير الشئون المعنوية فى ذلك الوقت أن يلبى ما تطلبه دار المعارف.. وفى كل سنة فى معرض الكتاب كان يخص لجناح دار المعارف زيارة خاصة بعد الافتتاح الرسمى، وأعتقد أنه يقرأ كثيرا ويتابع الكتب، التى تصدرها دار المعارف لأن صديقى وبلدياتى الراحل الفريق محمد العصار كان يطلب منى كتبا كثيرة له وللمشير..

وبوفاء الشخصية المصرية الأصيلة قدم الرئيس السيسي للمشير طنطاوى التكريم فى حياته وبعد رحيله، وقال عنه كلمات تدل على مدى ما كان المشير طنطاوى يتمتع به من محبة الجميع واحترامهم له، إلى جانب ما يفرضه الانضباط العسكرى، وقد أثبت المشير طنطاوى أنه قام بعمل بطولى كبير سوف يذكره التاريخ ويسجله فى صفحات الفخار والمجد إلى جانب الرجال العظام الذين عاشوا حياتهم فى خدمة وطنهم، وسيذكر له التاريخ أنه بعد أن قاد الموقف الصعب، وتحدى أطراف المؤامرة بما كان لديهم من أسلحة وأموال وميليشيات، وبعد أن أعاد مع رجاله العظام الروح إلى البلاد، لم يطلب لنفسه مكافأة بل انسحب بهدوء وترك القيادة لمن يثق فى قدرته على قيادة البلاد وسط الأخطار وبعد أن دمرها الإخوان وأحرقوا معظم مقار البوليس والمحاكم والمبانى الحكومية، ووصلوا بالبلد إلى حافة الإفلاس.

كانت أياما سوداء بحق، كان اليأس يملأ قلوبنا، وكانت قلوبنا تدمى ونحن نعيش فى ظل الخوف والتهديد وإشعال الفتنة الطائفية، ومحاولات توريط القوات المسلحة فى حرب أهلية.. كانت أياما سوداء.. كانت أياما سوداء.. وفى لحظات ساد الظن بأن البلاد ضاعت ولن يمكن استعادتها لأبنائها.. سمعنا المرشد العام يقول «طظ فى مصر» ويكررها بإصرار أمام شاشات التليفزيون، وسمعنا رئيس الجمهورية المزيف يقول أمام التليفزيون: كل من يخالفنا إما أن يجلس فى بيته وإما سندوسه بأقدامنا، وسمعنا من يعلن أمام التليفزيون أن الإخوان بيدهم إطلاق الإرهابيين فى سيناء وفى أنحاء البلاد، وبيدهم وقف أعمال الإرهاب، وهذا اعتراف كامل وصريح بمسئولية الإخوان عن الإرهاب فى سيناء وفى القاهرة وبقية المدن.. كان حُكم الإخوان كابوسا على الصدور.

عشنا هذه الأيام.. وعاشها المشير طنطاوى، وكان وقع المأساة عليه أكبر بحكم مسئوليته، وبحكم قسم الولاء لمصر الذى أقسمه أمام الله، وبحكم تاريخه كمقاتل شريف خاض عدة حروب وآخرها حرب أكتوبر وأثبت فيها بطولة وقدرة على القيادة بحكمة وذكاء فى أصعب المواقف.

كل رجال القوات المسلحة كانوا يتحدثون عن صفاته كعسكرى: الانضباط، والالتزام بمصالح البلد، والحرص على جعل القوات المسلحة فى أعلى درجات الاستعداد، والقدرة على ضبط النفس.. ومع كل ذلك كنت ألمس فيه شخصية هادئة، ومشاعر راقية، وتعاطف إنسانى، وكنت أعرف أنه يقدم الكثير من الخير سرا ودون إعلان، ورأيته فى حفل زفاف ابنه وهو يتعامل مع الضيوف العسكريين والمدنيين بمودة وبابتسامات ودودة.. كنت ألمس فيه حبه للناس، وحبه للخير، وحماسه لكل ما فيه مصلحة لمصر، وعبر هو عن ذلك حين قال: أنا عسكرى محارب، وسأظل عسكريا محاربا إلى آخر نفس، فى طاعة الله ومصلحة مصر.

لقد عاش ومات فى حب مصر.. وحين اختارته الأقدار لقيادة اللحظة الفارقة فى تاريخ مصر لم يتردد فى الاستجابة لصوت الشعب، وأثبت أن الجيش المصرى جيش الشعب، لحماية الشعب، وتحقيق مصالح الشعب، وأنه الرجل الذى اختاره الله لإنقاذ الشعب..

هو عند الله فى المكان الكريم الذى يستحقه.

أضف تعليق