في انتظار فيلم كبير عن الحرب العظيمة

في انتظار فيلم كبير عن الحرب العظيمةمحمود عبد الشكور

الرأى5-10-2021 | 17:30

محمود عبد الشكور

عندما اندلعت حرب أكتوبر 1973، كنت فى سن الثامنة، ولكنى ما زلت أتذكر تفصيلات كاملة عن تلك الأيام: ما زلت أتذكر برامج الراديو، وأغنيات جميلة، وبرنامج «صوت المعركة» بعد فترة من الحرب، ما زلت أتذكر ناقلات جنود تمر فى الشوارع، وكلمة «يا دفعة» التى كنا نرلسها كتحية لهم، وما زلت أتذكر مشهد الأسير عساف ياجوري، واستجوابه التليفزيونى القصير، وخطاب الرئيس السادات التاريخى يوم 16 أكتوبر، وبهجة أبى وتصفيقه، وأغنية «أم البطل» تغنيها شريفة فاضل لابنها الشهيد، وما زلت أتذكر يوم إبلاغنا بعد الحرب بخبر استشهاد زوج عمتى المقاتل اسماعيل، الذى ما زال مدفونا فى إحدى مقابر الجيش بالإسماعيلية.


هذه الحرب، حتى ونحن فى هذه السن الصغيرة، حفرت عميقا فى قلوبنا وعقولنا، صارت جزءا من ذكرياتنا وذاكرتنا، حتى اكتشاف السينما ارتبط لدينا بأفلام حرب أكتوبر وإعلاناتها التليفزيونية، وخصوصا فيلم «الرصاصة لا تزال فى جيبي» و فيلم «أبناء الصمت»، بل إن الكتب الأولى فى حياتنا، كان فى قلبها الإصدارات المبكرة عن حرب أكتوبر، مثل «أسرار حرب أكتوبر» للكاتب الراحل حسام حازم.


لذلك تأتى ذكرى حرب أكتوبر فى كل عام مصحوبة بسعادة غامرة، ولكنها ممتزجة أيضا بأسف حقيقي، لأننا ما زلنا فى انتظار فيلم كبير عن هذه الحرب وبطولاتها، وما أكثر الأفكار، التى يمكن أن تصنع دراما حربية جيدة ومشوقة، فمنذ أيام فقدنا المشير محمد حسين طنطاوى بطل معركة المزرعة الصينية فى حرب أكتوبر، وفقدنا البطل النوبى الذى كان صاحب فكرة شفرة الحرب باللغة النوبية، وفى تفاصيل معركة المزرعة الصينية الشرسة، وفى حكاية الشفرة النوبية، ما يمكن أن يصنع أعمالا درامية ممتازة وناجحة.


ذكرت من قبل فى مقال عن أفلام المعركة أن ساعة الصفر فاجأت الجميع، ومشاهد العبور الحقيقية لم تصور سينمائيا، أما السينما الروائية فقد كانت وقتها تعد فيلما عن حرب الاستنزاف بعنوان «أبناء الصمت» عن قصة بنفس الاسم للكاتب مجيد طوبيا، ومن إخراج محمد راضى، فأضيفت مشاهد العبور إلى نهاية الفيلم، ليكون لدينا أفضل فيلم تقريبا عن مقدمات الحرب، مع أنه فى الحقيقة عن حرب الاستنزاف، تماما مثل فيلم «أغنية على الممر» الذى صور وعرض قبل حرب أكتوبر، أما فيلم «الرصاصة لا تزال فى جيبى» عن قصة لإحسان عبد القدوس، ومن إخراج حسام الدين مصطفى، فهو أيضا فى معظمه عن فترة ما بعد 67، واستعانوا فيه بمخرج أجنبى قام بتنفيذ معاركه، وكذلك مشاهد العبور، وحكى لى مدير التصوير الكبير سعيد شيمى، وكان وقتها مصورا صغيرا، أنهم استخدموا ذخيرة حية فى القصف، مما جعله على وشك أن يفقد حياته فى أحد المشاهد، ثم جاء فيلم «بدور» الساذج برموزه الواضحة، وبقصته الميلودرامية، ليختزل الحرب فى عدة مشاهد هزيلة، وهو نفس الأمرالذى حدث فى فيلم «حتى آخر العمر» من إخراج أشرف فهمى، و فيلم «الوفاء العظيم» من إخراج حلمى رفلة، ورغم أن مشاهد العبور فى نهاية فيلم «العمر لحظة» من إخراج محمد راضى أطول وأفضل نسبيا، إلا أن ال فيلم نفسه عن سنوات حرب الاستنزاف، وكان التناقض بين صمود الأبطال على الجبهة، وبين مجتمع الهزيمة فى القاهرة، والرواية التى كتبها يوسف السباعى نشرت أصلا قبل حرب أكتوبر، وحتى فيلم «حائط البطولات» الهزيل من إخراج محمد راضى، كان أيضا عن فترة حرب الاستنزاف، وليس عن حرب أكتوبر، وتحديدا عن إنشاء حائط الصواريخ.


اللافت أيضا أن الأفلام التيلفزيونية الشهيرة مثل «الطريق الى إيلات» من إخراج إنعام محمد على، و«حرب الكرامة» من إخراج على عبد الخالق»، تتناول وقائع حربية بعد 1967، ولا علاقة لها بحرب أكتوبر، وإذا كان فيلم تليفزيونى آخر مثل «حكايات الغريب» من إخراج إنعام محمد على يتحدث عن شخصية عاصرت الحرب، إلا أنه دراما اجتماعية بالأساس تشكل الحرب خلفية لها، هذا فى الوقت الذى تعثرت فيه مشاريع أفلام روائية كثيرة عن حرب أكتوبر، منها مثلا فيلم كان سيكتبه الراحل أسامة أنور عكاشة، ومنها فكرة قدمها مدير التصوير سعيد شيمى عن ملحمة موقع كبريت، ومنها فيلم كتبه الراحل فايز غالى، مؤلف «الطريق الى إيلات» ، عن وقائع يوم 8 أكتوبر.. وياله من تعثر غريب وعجيب ومريب.


معنى كل ذلك أننا لا نبالغ إذا قلنا إن ال فيلم الكبير والأهم عن الحرب لم يتحقق بعد، ولكن الأمل الآن أكبر، والفرصة ممكنة أكثر من اى وقت مضى، لكى يظهر هذا الفيلم، لأنه توجد هناك إرادة ترجمتها أعمال ضخمة الإنتاج فى السينما والتليفزيون، أتحدث مثلا عن فيلم «الممر» إخراج شريف عرفة، والذى أثبت نجاحه، رغم بعض الملاحظات الفنية، كما أثبت هذا النجاح أن تلك النوعية لها متفرجها الذى يمكن أن يتابعها، ومثل مسلسل «الاختيار» بجزءية، وقد حقق أيضا نجاحا كبيرا على مستوى المشاهدة، والتميز الفني، وفى الطريق فيلم كبير قادم بعنوان «السرب» للمخرج أحمد نادر جلال، وبطولة أحمد السقا.


دعونا نأمل أن يتحقق ذلك قريبا.

أضف تعليق