اقتحم خط بارليف .. العبقرية المصرية أبهرت العالم بسلاح المهندسين

اقتحم خط بارليف .. العبقرية المصرية أبهرت العالم بسلاح المهندسينعبور القناة

حوارات وتحقيقات19-10-2021 | 23:43

د. نسرين مصطفى

لعب سلاح المهندسين دورا كبيرا باعتباره المسئول عن البنية التحتية لجميع أفرع القوات المسلحة خاصة بعدما تعرضت للتدمير بعد 5 يونيو 1967، وتركزت جهود سلاح المهندسين فى نقاط ثلاث هى ملاجئ الطائرات، وقواعد صواريخ الدفاع الجوى، وهدم خط بارليف.

تولى اللواء أركان حرب مهندس جمال الدين محمد على قيادة سلاح المهندسين فى 10 يونيو 1967 وترك السلاح فى 24 مارس 1974 على مدى سبع سنوات حمل على عاتقه عناء استمرار عمل سلاح المهندسين دون كلل ودون إجازات حتى تحقق انتصار أكتوبر العظيم.

المؤرخ العسكرى البريطانى إدجار ابولانس وصف عملية العبور «بأنها كانت معجزة عسكرية مكتملة الأركان»، وكان أهم عناصر المعجزة العقل المصرى الذى قرر وخطط وحدد الهدف فأبدع وأبهر العالم وتحدى المسلمات التى صدمت العدو قبل الصديق، فغير سلاح المهندسين فى حرب أكتوبر من الفكر العسكرى الحديث، وأصبحت عملية العبور مرجعاً للعلوم العسكرية الحديثة.


إعداد هندسي


بدأت ملحمة البناء والعمل مباشرة، فقام سلاح المهندسين بمضاعفة عدد المطارات وبناء دشم حصينة وملاجئ خرسانية لحماية الطائرات من ضربها على الأرض، فأصبحت عنصرا أساسيا فى المطارات العسكرية، ، وأدركت القيادة السياسية أهمية الصواريخ المضادة للطائرات وظهر ذلك الإنجاز أثناء حرب الاستنزاف، حيث سطر المقاتل المصرى سطورا مضيئة للتعبير عن حجم الإنجاز الذى تحقق ببناء حائط الصواريخ.


قام سلاح المهندسين بتجهيز مسرح العمليات ومواقع الدبابات والدفاع الجوى والمطارات وتمت أعمال تكلفت مائة مليون جنيه وتم حفر وردم 24مليون متر مكعب رمال ومليون ونصف متر مكعب خرسانة مسلحة ومليونى متر مكعب حجارة ومليون ونصف متر أسفلت و15 ألف طن صلب لبوابات دشم الطائرات.
وتم تنفيذ الخنادق بطول ألف كيلو متر وهى مسافة تعادل المسافة بين مصر وأسوان وألفى كيلو متر للمناورة وتمهيد طرق بين مواقع صواريخ الدفاع الجوى تعادل أربعة آلاف كيلو متر، بالإضافة إلى الساتر الترابى الموازى لخط بارليف.


بناة الحائط


كان لعمال التراحيل والبناء دور كبير فى عملية بناء حائط الصواريخ، حيث تساقط الكثير منهم نتيجة للهجوم الشرس للطيران الإسرائيلى فكان يقوم الباقون فور الغارة باستكمال عملهم خاصة فى بناء قواعد حائط الصواريخ مما هيأ الفرصة لعبور المقاتلين الدائم وأسر ضباط إسرائيليين ورفع العلم المصرى على بعض المواقع الإسرائيلية وحمايته بالمدفعية، ومهاجمة عمق العدو فى مواقعه العسكرية البعيدة ومطاراته وموانيه، وقاد سلاح المهندسين جميع شركات الإنشاء المدنية لتنفيذ القواعد الخرسانية لصواريخ الدفاع الجوى فى أربعين يوما والتى تمثل تلاحما رائعا لقوى الشعب مع الجيش.


بشهادة الأعداء


وصف خبير عسكرى أمريكى زار مواقع صواريخ سام بعد حرب أكتوبر المشهد بقوله: «إننا نعرف هذا الصاروخ وحصلنا عليه فى حرب فيتنام لكن ما أراه عندكم مختلف تماما»، وقالت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت: «إن مواقع الدفاع الجوى المصرى كعش الغراب المشئوم، كلما دمرنا أحدها نبت آخر بدلا منه».. وقد استطاع حائط الصواريخ بعد تحريكه أن يوفر شريطا بكامل طول قناة السويس وبعرض من 12 إلى 15 كيلو مترا شرق القناة موفرا بذلك الحماية الجوية اللازمة لعبور الأفراد والأسلحة الثقيلة.


عبقرية باقى


يعد اللواء باقى زكى يوسف أبرز العبقريات المصرية ، فهو صاحب فكرة استخدام ضغط المياه لإحداث ثغرات فى الساتر الترابى المعروف ب خط بارليف فى سبتمبر عام 1969 والتى تم تنفيذها فى حرب أكتوبر عام 1973، وأجرى سلاح المهندسين تجربة على تلك الفكرة وكانت النتائج مذهلة، وأثبتت جدارتها فى الحرب الفعلية، حيث استطاع سلاح المهندسين فتح 70 ثغرة فى الساتر الترابى بكل منها


1500 متر مكعب، وبعدها مباشرة قام سلاح المهندسين ببناء 10 كبارى ثقيلة لنقل وعبور الدبابات والمدافع والمعدات الثقيلة، و5 كبارى خفيفة حتى يمكنها أن تجتذب نيران العدو وكذلك 10 كبارى اقتحام لعبور المشاة، وتجهيز وتشغيل 35 معدية نقل عبر القناة، وتم كل هذا تحت قصف أسلحة العدو.
وقد بدأ عمل أول طلمبة ضخ مياه فى سباق مع الزمن لفتح ثغرات فى الساتر الترابى ل خط بارليف فى أقل زمن من 6 إلى 9ساعات وهى زمن تركيب كبارى العبور التى يتم فردها لتعبرها المعدات الثقيلة لأخذ مواقعها فى سيناء.


نماذج ميدانية


فى سنة 1969 تم تنفيذ نموذج ميدانى مماثل للتدريب عليه ونفذ على فرع فى النيل فى ظروف تماثل القناة وتم نقل كميات ضخمة من الرمال باستخدام طلمبات ضخ مياه النيل تندفع بها فى مواسير ضخمة إلى أحواض ترسيب تجف بحرارة شمس أسوان وتم الاستعانة بمعدات من السد العالى وتمت تجربتها ونجحت الفكرة فى تحويل معداتها الكبيرة إلى معدات خفيفة ثم تم العبور على طلمبات توربينية قوية وصغيرة الحجم فتم شراؤها ونقلها جوا فى بداية 1973 .


هدم أسطورة العدو


نجحت العبقرية الفذة للواء «باقى» فى هدم الساتر الترابى الذى يرتفع 20متر أى ما يعادل 7 أدوار وبعمق، 10 أمتار والذى قالت عنه المخابرات الأمريكية «إن فتح الثغرات لن يحدث قبل 72 ساعة»، وقال الخبراء الروس « إن خط بارليف يحتاج قنبلة ذرية لإزالته» فكان رد سلاح المهندسين الذى خيب آمال الأعداء هو اقتحام بارليف فى أقل من 9ساعات لترتب المدرعات المصرية أوضاعها قبل الهجوم الإسرائيلى صباح الثامن من أكتوبر.


تطوير السلاح


إن عبقرية الجندى المصرى تكمن فى قدرته على إنشاء كوبرى خلال 4ساعات فقط كما طور سلاح المهندسين من مهام الكوبرى، بحيث يكون كوبرى اقتحام وهو الأمر الذى يعد أهم تطوير فى معدات سلاح المهندسين وعرفت «بالكبارى العائمة» بالإضافة إلى تطوير الكثير من التحصينات، فكان العقل المصرى يفكر فى حل لكل مشكلة، فكانت لدينا كتائب طرق؛ كل كتيبة تساوى شركة طرق لديها القدرة على تطوير المعدات، فكانت المعدات تعمل ليل نهار دون توقف وكان ل سلاح المهندسين الفضل فى إنشاء طريق صلاح سالم فى الستينيات.


وأهم إنجازات سلاح المهندسين التحصينات والمخابئ بالخرسانة المسلحة التى تم إنشاؤها للمعدات العسكرية سواء الجوية متمثلة فى تصميم وتنفيذ قواعد الدفاع الجوى وشلاتر الطائرات بحيث تتحمل قنبلة 2000رطل وكذلك إنشاء تحصينات خرسانية فى عمق الدولة كمطار المنصورة ومطار قويسنا حتى اقتربنا من القناة حتى أصبح الدفاع الجوى يطلق صواريخه لتغطية 30كم فأصبحت الطائرة الإسرائيلية تخشى الاقتراب من القناة أو البرية بإنشاء حائط الصواريخ أو البحرية فى الإسكندرية وسفاجا والسويس.


ثبات مقاتل


كانت البطولة فى حرب تحرير سيناء بطولة جماعية فلم تحدث أى عملية لهروب جندى من المعركة رغم أن أمر هروب الجنود كان متاحا إلا أن الجميع ثبت فى مكانه، خاصة عندما نعلم أن الجندى كان يعمل أكثر من طاقته، فعلى مدار اليوم كان يتم تفكيك الكبارى وإنشاؤها وهو أمر شاق.


تطوير فى كل الأسلحة


وأبدع العقل المصرى فى تذليل العقبات، فقد واجهت القوات مشكلة نقل القوات والمعدات والأسلحة عبر خليج السويس، فكان لابد من حل يوفر سرعة الحركة والمناورة وتأمين سرية تحركات الوحدات حتى لا تكتشف وجودها دوريات العدو البحرية بالمنطقة التى تستخدم وحدات بحرية سريعة ومسلحة تسليحا جيدا.
فى البداية، اجتمع اللواء محمد صادق مدير المخابرات الحربية بقيادة القوات البحرية لمناقشة توفير وسيلة نقل بحرية تتوافر فيها هذه المواصفات وعندما نوقشت فكرة استخدام القوارب المطاطية بمحرك خارجى فى البحار المفتوحة كانت وجهة نظر القادة البحريين أن مثل هذه القوارب لا تستخدم إلا داخل الموانئ المغلقة وفى حالة هدوء البحر، إلا أن النقيب بحرى إسلام توفيق أكد للواء صادق إمكانية ذلك، فأمر بشراء عدة قوارب زودياك فرنسية الصنع من طراز مارك -3 المزودة بمحرك قوته 40حصانا وسعة خزان الوقود 20 لترا وكان الهدف استخدام قوارب مزودة بمحركى قوة، كل منهما 100حصان بالإضافة إلى المساعدات الملاحية ومن أهمها وجود بوصلة بحرية وعدادات لقياس المسافة والسرعة بالإضافة إلى الاستغناء عن تلك المحركات التى تدار يدويا واستخدام محركات تدور بالكهرباء.


وطلبت المجموعة 39 قتال من مصانع «زودياك» العمل على تصنيع خزان وقود سعته 200لتر بنزين بشرط أن يكون مكانه فى الماء تحت سطح القارب لتأمين الوقود وفى مرحلة تالية طلبت المجموعة تسليح القوارب بقواعد للرشاشات الثقيلة لتطوير العمليات فى منطقة الساحل الشرقى لخليج السويس ولمواجهة العدو وأجرت المجموعة عددا من التجارب لتحميل عربة جيب ومنصة لإطلاق الصواريخ.


مفاجآت «39 قتال»


تمكنت المجموعة بالفعل من إنجاز هذا التطوير، علاوة على استخدام الألغام البحرية وقد وفرت لهم عربات جيب خاصة قادرة على السير فى مناطق الرمال الناعمة قادرة على الحركة السريعة والمناورة للوصول إلى أهداف مختلفة فى عمق سيناء، أما منصات إطلاق الصواريخ المحملة على القوارب بالمقطورة الخاصة بها، فقد وفرت للمهاجمين قوة نيران عالية لضرب الأهداف البحرية والبرية الموجودة على الساحل وفى العمق فى أثناء السير فى البحر.


تطوير معدات بحرية


تم استخدام المدافع الصاروخية من عيار 57 ملليمترا ضد أهداف برية وبحرية بنجاح وعندما نوقشت عملية أو فكرة الهجوم على ميناء الطور تبين لقادة المجموعة أن العملية تتطلب استخدام الألغام البحرية كبيرة الحجم وثقيلة الوزن وبما أن القوارب الزودياك غير معدة لنقل مثل هذه الألغام بدأ التفكير فى وسائل تساعد على نقل هذه الألغام إلى نقطة الهدف وتوصل العنصر البحرى بالمجموعة إلى فكرة استخدام مقطورة عائمة تحمل عليها الألغام وعند الوصول إلى منطقة الهدف يمكن للمهاجمين إنزالها بسهولة.


وكان من الضرورى أن تتوافر بهذه المقطورات بعض المواصفات الفنية التى تساعد على التحميل بأمان وإنزال الألغام بسهولة ويسر فى الأماكن المحددة وهذه الفكرة تم تطبيقها بعد نجاحها خلال حرب أكتوبر 1973 وقد أسهمت فى إغراق قطعة بحرية إسرائيلية فى ميناء الطور.


تتميز «الزودياك» بصغر حجمها والارتفاع المحدود لجسم القارب فوق سطح الماء مما يحول دون اكتشاف وجوده نهائيا لا بواسطة الرادارات أو الأجهزة المختلفة المخصصة لاكتشاف الوحدات البحرية، كما أن لون القوارب الأسود والسرعة العالية التى يتمتع بها توفر له القدرة على الاقتراب من مواقع وأهداف العدو إلى أقل مسافة ممكنة فى سرية تامة بما يساعد على تحقيق المفاجأة والانسحاب من المكان بسرعة عالية بعد الانتهاء من المهمة مع توافر قوة نيران مناسبة للموقف، وقد استفاد العدو من تجربة المجموعة 39 قتال فى استخدام القوارب المطاطية فقام بإنشاء وحدات بحرية تستخدم هذا النوع من القوارب المطاطية.
وكانت قيادة المجموعة 39 قتال حريصة على تطوير أسلحتها ومعداتها باستمرار لتلائم تطور العمليات وتلبية احتياجات المهام المتنوعة، وشمل التطوير استخدام أنواع أفضل من القوارب وإدخال التحسينات عليها ومن التحسينات التى أدخلها أفراد المجموعة على القوارب استخدام خزانات وقود سعة 200 لتر بدلا من الخزانات سعة 20 لترا ومراعاة تثبيت هذه الخزانات أسفل قاع القارب تحت خط المياه لتجنب خطر إشعالها وأسهم ذلك فى زيادة مدى القارب بشكل كبير، بالإضافة إلى أنه تم ابتكار قواعد للرشاشات الثقيلة يمكن تثبيتها بالقوارب لتوفير قوة نيران كبيرة للمجموعة وإتاحة فرصة أكبر للمناورة بالنيران.


تحطيم سام


فى أثناء المعركة الكبرى التى جرت يوم 25 ديسمبر 1969 كانت الصواريخ تنطلق فى الوقت المناسب وتوجه بدقة ومع ذلك لم تكن تصيب طائرات الفانتوم وبعد المعركة مباشرة عكف المسئولون على دراسة تفاصيل التجهيزات الإلكترونية لهذه الطائرات فتبينوا وجود منظومة التحذير، وكانت هذه المرة الأولى التى تجهز فيها الطائرات بمعدات تحذير.


وتمكن عدد من الضباط من ابتكار أسلوب لخداع هذا الجهاز الجديد وفى أول اشتباك جرى بعد ذلك تم إسقاط أول طائرة فانتوم وعند استجواب الطيار الأسير قال: «لقد نفذت ما أمر به الكمبيوتر بدقة ولكننى فوجئت بالصاروخ يتجه نحو الطائرة مما اضطرنى إلى القفز بالمظلة»، وهو ما يؤكد نجاح رجالنا فى إسكات الأغنية سام وهو ما أدى بعد ذلك إلى ما سمى بـ «أسبوع سقوط الفانتوم».

أضف تعليق