«المشروع» .. هكذا تمكنت الإرهابية من السيطرة على مؤسسات الثقافة

«المشروع» .. هكذا تمكنت الإرهابية من السيطرة على مؤسسات الثقافةسامح فايز
دار المعارف

واجهت الجماعات الدينية المتطرفة وفى صدارتها تنظيم الإخوان أزمات طاحنة فى بدايات تأسيسها، ما ساهم بشكل مباشر فى تغيير آليات عملها وإصرارها على التوغل والانتشار والسيطرة بشكل أكبر حتى لا تتعرض للإقصاء مرة أخرى كما حدث قبل ذلك، سواء فى أيام الملك فاروق، أو حكم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، أو حتى حكم مبارك، بعد اغتيال الزعيم أنور السادات.

وفى سبيل ذلك عملت جماعة الإخوان على الانتشار بشكل مختلف بعد خروج أتباعها من السجون منتصف السبعينيات؛ عن طريق وضع مشروع للسيطرة على مراكز القوى عالميًا ، عثرت عليه سلطات التحقيق الأوروبية بعد اقتحام فيلا وزير مالية الإخوان ومسئول العلاقات الخارجية فى الجماعة يوسف ندا، بعد استجوابات طالته عقب تفجيرات 11 سبتمبر.

المشروع وثيقة تحدد آلية عمل الجماعة وسعيها من أجل السيطرة على المنظومة العالمية من أجل توظيفها للسيطرة على الحكومات العربية، ومنع عودتهم إلى السجون مرة أخرى، ووافق تلك الرغبة اهتمام الغرب بدعم الجماعات الدينية فى الشرق، من أجل وقف زحف التيار الشيوعي الذي يهدد الرأسمالية العالمية وشركات رجال الأعمال.

يتكون المشروع من 12 بندًا، أهتم هنا بعرض البند الخامس منهما، لأنه فى محيط اختصاصي، باعتباري متخصصًا ومهتمًا بالشأن الثقافى.
يطالب التنظيم الدولي للإخوان فى البند الخامس من المشروع: "السعي إلى إقامة الدولة الإسلامية، والعمل التدريجي فى اتجاه السيطرة على مراكز القوى المحلية".

يعني هذا البند تأطير الفكر والتعليم والعمل من أجل ترسيخ قوة الإخوان والتأثير على مراكز القوى المحلية والعالمية لخدمة الجماعة (التي هي الإسلام فى وجهة نظرهم)".

وكمستلزمات إجرائية لتفعيل ذلك البند تقترح الجماعة إعداد دراسة علمية حول إمكانية إقامة حكم الله فى كل مكان فى العالم وفق الأولويات المقررة، ودراسة مراكز القوى المحلية والعالمية وإمكانيات التأثير عليها، وعمل خريطة بكل المؤثرين فى الدول للتأثير عليهم، وإجراء دراسة حديثة حول مفهوم دعم الدعوة الإسلامية.

وتقترح الوثيقة للوصول لتلك الغايات القيام بالمهام التالية: صياغة دستور إسلامي، وتدوين القوانين الإسلامية والمدنية وغيرها، واختيار مكان وجعله من أولويات الجماعة لتأسيس قوة إسلامية وتركيز جهودها فيه، وحث أعضاء الجماعة على العمل فى مختلف المؤسسات المؤثرة واستخدامها فى خدمة الجماعة، وتنسيـــــق العمل بين المؤسسات المتخصصة الإسلاميــــة والاقتصاديــــــة والاجتماعية وغيرها.

والمتابع لتحركات تنظيم الإخوان خلال العقود الأخيرة يدرك دون حاجة لقراءة بنود المشروع أن الجماعة استطاعت بالفعل توظيف الفكر فى معركتها من أجل الوصول إلى أستاذية العالم، حلم المؤسس الأول حسن البنا.

وزادت تحركات التنظيم الدولي فى النصف الثاني من الثمانينيات من القرن الماضي تحديدًا فى التوغل داخل المؤسسات الثقافية والتعليمية وتأسيس معاهد للفكر ومجلات وجرائد وتأسيس المئات من دور النشر داخل وخارج مصر ودعم وصول أفراد تنظيميين إلى رئاسة تلك المؤسسات أو على الأقل ضمان وصول أفراد تحت سيطرة الإخوان أو متأثرين بأفكارهم!

نعود إلى البند الخامس من وثيقة المشروع، والذي اقترح للوصول إلى تلك الغايات تأطير الفكر لتصبح المعرفة متأثرة بالنموذج الإخواني من خلال القيام بالمهام التالية: صياغة دستور إسلامي، وتدوين القوانين الإسلامية والمدنية وغيرها، واختيار مكان وجعله من أولويات الجماعة لتأسيس قوة إسلامية وتركيز جهودها فيه، وحث أعضاء الجماعة على العمل فى مختلف المؤسسات المؤثرة واستخدامها فى خدمة الجماعة، وتنسيق العمل بين المؤسسات المتخصصة الإسلامية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

وذلك ما قام به المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالفعل من دعم المئات من الرسائل العلمية التي ناقشت صياغة دستور إسلامي وتدوين القوانين الإسلامية والمدنية وغيرها، ومن أبرز مؤسسات النشر فى مصر التي تعهدت بطبع تلك الدراسات حتى وقت كتابة تلك السطور دار نشر (دار السلام) بمنطقة الأزهر، وهى أيضًا عضو اتحاد الناشرين المصريين!

وجود دار نشر عضو اتحاد الناشرين تعمل حتى وقت كتابة تلك السطور فى نشر دراسات تمرر أفكار الإسلام السياسي مسألة بديهية طبقا للبند الخامس من وثيقة المشروع.

أضيف إلى ذلك الجزئية الخاصة بدعوة أعضاء الجماعة على العمل فى مختلف المؤسسات المؤثرة واستخدامها فى خدمة الجماعة، وهو ما يفسر توغل تنظيم الإخوان فى جميع المؤسسات الثقافية، تحديدًا المتعلق منها بصناعة الكتاب والنشر، مثل أمين عام اتحاد الناشرين المصريين الحالي والذي ينتمي لعائلة إخوانية وشريك فى دار نشر تم التحفظ عليها عام 2018 بتهمة تمويل حسم ولواء الثورة، ورغم المزاعم التي يطلقها مرارا بعدم علاقته بالتنظيم إلا أن جميع المؤشرات المحيطة تخالف تلك المزاعم، من دعم تكتل الإخوان داخل الجمعية العمومية للاتحاد لنفس الناشر أمينا عاما للاتحاد، إلى جانب أنه أحد أهم الناشرين لكتب الإخواني الليبي علي الصلابي، مؤرخ الإخوان، والملقب بقرضاوي ليبيا والمسئول عن دعم المرتزقة ميليشيا طرابلس!

ومن المؤشرات على وجود تلك المؤسسات على مدار عقود مضت هو أن الناشر الأهم لكتب الإخوان قبل عام 2014 هى دار (الشروق) المصرية، واحدة من أكبر مؤسسات النشر فى مصر والعالم العربي، ناشرة كتب سيد قطب ويوسف القرضاوي ومحمد الغزالي ومحمد عمارة وراشد الغنوشي وطارق البشري، المنشورات التي استمرت متاحة فى الدار حتى اليوم الأول من معرض القاهرة الدولي للكتاب 2014، قبل أن ترفعها الدار من رفوف العرض فى اليوم الثاني من المعرض رغم عدم وجود أمر قضائي بذلك فى تلك الفترة، لكنه تصرف يشير إلى ذكاء من دار النشر فى إدراك تحولات المرحلة، لكن ما قامت به دار الشروق عجزت عنه دور نشر أخرى بالمئات مثل دار السلام ومكتبة وهبة وإبداع للنشر والتوزيع وابن الجوزي وابن حزم ودار الإمام أحمد والفاروق - المنصورة، ومكتبة الصفا، ودار التقوى، ومكتبة التقوى، ودار العلم والمعرفة، ومكتبة الفضيلة، ودار الفضيلة، ومكتبة الفنون والآداب، ومكتبة ابن شاهين ودار نشر روابط للنشر وتقنية المعلومات والرسالة ناشرون، إلخ!

من المؤشرات اللافتة فى نفس وثيقة المشروع ما ورد فى البند الأول منها، والذي كشف حرص الجماعة وعناصــــرها علــــــى محاولة اختراق مراكز البحث والتفكير أو على نشر المخرجات الفكرية التي ترغب فى الترويج لها، والمؤشرات على ذلك كثيرة خصوصًا ما حدث بعد ثورة
30 يونيو 2013، والحديث متعلق باتحاد الناشرين المصريين أيضًا، تحديدًا عن الناشر المسئول عن لجنة حقوق الملكية الفكرية فى الاتحاد، الناشر أسامة شتات، والذي قدم نفسه خصما شرسا للإخوان منذ انتخابات عام 2010، ثم هاجم دور نشر الإخوان بضراوة عام 2015، مما تسبب فى إحالته إلى لجنة القيد والتأديب فى الاتحاد والتي أسقطت بدورها عضويته من مجلس الإدارة بعد محاكمته فى الاتحاد تنفيذا لنص المادة 12 من قانون الاتحاد رقم 25 لسنة 1965، والمادة 54 للائحة الداخلية، وقررت اللجنة بجلسة 15 أغسطس 2016 أنه قد استقر بيقينها وعقيدتها أن المشكو فى حقه قد ارتكب
ما يمس كرامة المهنة وشرف التعامل، وأنه قد صدر ضده أحكام قضائية نهائية وباتة بارتكاب عدة جنح واعتدائه على حقوق الملكية الفكرية، لكن وعلى الرغم من ذلك عاد شتات مرة أخرى إلى الاتحاد عام 2018، واختير شتات أيضا رئيسا للجنة حقوق الملكية الفكرية حتى وقت كتابة تلك السطور، دون توضيح للموقف من وجود أحكام قضائية باتة ضده لم يحصل فيها الناشر على رد اعتبار!

لكن بعض المؤشرات ربما توضح سبب عودة الناشر لموقعه فى الاتحاد مرة أخرى عندما نلاحظ أنه ساهم بشكل كبير فى إنهاء أزمة متعلقة بدار الإمام أحمد، عضو اتحاد الناشرين المصريين قبل شهور، بعد أن تحفظت السلطات المصرية على شحنة كتب مملوكة للدار بميناء الإسكندرية بعد العثور على كتب تكفيرية تدعم التطرف، وأبدى شتات دعمًا كبيرًا لدار النشر بصفته محاميًا وأيضا كرئيس لجنة حقوق الملكية الفكرية فى الاتحاد، إلى جانب أنه محسوب على جبهة أمين عام اتحاد الناشرين المصريين محمد السقا!

تلك التحولات تؤكد خطورة ما تواجهه الدولة المصرية من محاولات تأطير الفكر والتعليم حتى يصبح على هوى الإخوان، فالمسألة تجاوزت أعضاء الجماعة المعروفين للجميع، حتى وصلت إلى أعداء الجماعة نفسها، والذين أصبحوا داعمين لها بشكل صريح مؤخرًا، ربما لأن التنظيم أدرك مناطق ضعفهم واستغلها، مثل وجود أحكام قضائية باتة تم التغاضي عنها حتى يصبح الناشر أسامة شتات، رئيسًا للجنة حقوق الملكية الفكرية، علمًا بأنه محكوم عليه فى قضايا متعلقة بانتهاك حقوق الملكية الفكرية!

أضف تعليق