ذكرياتى فى دمنهور «1»

ذكرياتى فى دمنهور «1»رجب البنا

الرأى19-11-2021 | 21:18

رجب البنا

ليس فى العالم مثقف لا يعرف جابريل جارثيا ماركيز، الروائى والصحفى الذى ولد وعاش معظم فترات حياته فى كولومبيا، ورواياته مترجمة إلى كل لغات العالم وتمثل تيارًا جديدًا فى الأدب، وبها حصل على جائرة نوبل عام 1982 وظل ملهمًا للكتّاب وتلاحقه الأضواء حتى مات عام 2014، ماركيز له عدة كتب مشهورة مثل «مائة عام من العزلة» و«الحب فى زمن الكوليرا» و«خريف البطريرك» وعشرات الروايات والمسرحيات والمقالات، ومنها كتاب بعنوان «نعيشها لنرويها»

قال فى مقدمته «ليست الحياة ما عاشه المرء، بل ما يتذكره لكى يرويه، أى أن حياة كل إنسان حين تتأملها تجدها قصة تستحق أن ترويها بما فيها من أحداث وحكايات وأيام سعادة وأيام ألم، ومن تجارب الأيام تتكون شخصية الإنسان، وتتكون تجربته الإنسانية، وكما أن لكل إنسان بصمة إبهام لم تتكرر منذ بدء الخليقة ولن تتكرر، كذلك فإن قصة حياة كل إنسان هى حالة خاصة جدا لا تتكرر، حتى شخصيات الأشقاء الذين يعيشون فى ظروف معيشية واحدة فإن لكل منهم شخصية لا تتطابق مع شخصيات بقية الإخوة الأشقاء.. وهذا ما جعل ماركيز يرى أن قصة كل إنسان فيها ما يستحق أن يرويها مهما كانت حياته عادية ليس فيها أحداث غريبة أو مثيرة، وليست قصصًا وحياة الزعماء والقادة وكبار الشخصيات وحدها التى تستحق أن تروى، ففى قصة حياة كل إنسان – حتى لو كان متسولاً أو مجرمًا– فيها تجربة كما أن فى حياة الجنود الأبطال وتجاربهم فى الحرب تستحق أن يروى كل منهم قصته.

قد تكون قصة حياة إنسان قصة مسلية، وقد يكون فيها دروس نتعلم منها، نتعلم من أخطائها، ومن فشلها، كما نتعلم من إنجازاتها ونجاحاتها، وقد تكون مماثلة فى بعض جوانبها لحياة من يقرأها أو يسمعها فيجد أنه ليس وحده الذى يخوض الحياة بما فيها من حلاوة ومرارة، فالبشر يتفقون فى أشياء ويختلفون فى أشياء أخرى أكثر، ومن ذلك تأتى المتعة والاستفادة، وتأتى قيمة المعرفة بتجارب الآخرين.

وكل إنسان يصل إلى مرحلة معينة من عمره – قرب النهاية – وتعود إليه ذاكرته تنشط فيستعيد ما بقى فيها مما لم يطمسه الزمن، وتعود إليه صور وأحداث حياته كأنها شريط فيديو قديم بعض أجزائه سليمة وبعضها أصابه التلف وربما تظهر فى وقت آخر، فأمر الذاكرة الإنسانية غريب، فقد تذكر أحداثًا صغيرة وتافهة وتنسى أحداثا مهمة كان لها أثر فى حياته، وقد تقع فى خداع اللاشعور فيخفى عنك ما يمكن أن يسوءك ولا تريد أن تتذكره، وسيطرة اللاشعور على أفكارنا ومشاعرنا وأحلامنا أكبر مما نتصور، وعموما ليس أمام الإنسان إلا أن يروى ما بقى حيًا فى ذاكرته، وهذا ما أحاول أن أفعله، فأقدم بعض ذكرياتى بقدر ما تسعفنى الذاكرة، وربما بدون ترتيب زمنى، وبأكبر قدر من الصراحة والصدق.

كانت طفولتى فى مدينة دمنهور عاصمة محافظة البحيرة، طفولة هادئة، كان بيتنا هادئا يسير فيه كل شىء ببساطة رغم كثرة عددنا، فقد كنا تسعة أبناء، خمسة ذكور (بما فيهم أنا) وأربع إناث، وكنت أصغرهم، وفارق السن بين أولهم 25 سنة تقريبًا والفارق بينى وبين أقربهم عشر سنوات، ولذلك كان كل منهم يقوم معى بدور الأب أو الأم، وهكذا كان لى أربعة آباء وأربع أمهات بالإضافة إلى أبى وأمى، كان والدى تاجر أخشاب له «شادر» كبير فيه عمال يقطعون الأخشاب ويصنعون منها لوازم المزارعين.. الساقية، والنورج والمحراث، والشادوف، وغيرها من أدوات الزراعة التى اندثرت اليوم وحلت محلها الآلات.. ماكينة الرى، والمحرات الذى تجره سيارة، وآلات غرس البذور، وآلات قص الحشائش وماكينات درس الحبوب.. لكن فى زماننا كانت أدوات الزراعة من الخشب هى الأدوات الوحيدة، ولذلك مطلوبة دائما، وكانت تجارة أبى رائجة، كما أنه كان يشترى الأشجار التى لا تصلح للتصنيع ويتم تقطيعها وبيعها للمخابز والمطابخ والأفران، فلم يكن استخدام الكهرباء أو الغاز الطبيعى أو السولار معروفا، ولم يكن متوفرا.

وكان والدى معروفا باسم «الشيخ مرسى البنا» ويلبس عمامة وجلبابا من الصوف فى الشتاء ومن الكتان فى الصيف، وكنت أحب أن أراه وهو يلف «شال العمامة» باهتمام شديد، وقد تلقى تعليمه فى الكتّاب مثل بقية الأطفال فى زمنه، وذهب إلى المعهد الدينى وقضى فيه سنوات ولم يكمل دراسته لأن والده احتاج إليه ليساعده فى تجارة الأخشاب، وكان والدى يخصنى برعاية خاصة، لا أذكر أنه ضربنى أو عنفنى، لكن كان يتعامل معى وكأنى كبير، وربما لأنى كما كانت تقول أمى «آخر العنقود» أو ربما لأنه كان يرى أن «الولد ده وش الخير» كما كانت تقول أمى أيضا وتضيف أن يوم مولدى كان يوم الخميس، وكانت منهمكة فى شغل البيت مع الشغالة وأخوتى البنات وفاجأتها آلام الوضع، ووضعتنى قبل أن تصل «الداية»، وتضيف أن والدى جاء فى هذا اليوم مسرورًاومندهشًا، لأن أحد أصدقائه وكان عمدة قرية من دمنهور كان قد اقترض منه مبلغا كبيرا ليشترى عدة فدادين تجاور أرضه، ولم يسدد ما عليه، ومرت سنوات فقد فيها أبى الأمل فى استرداد ما له، وفوجئ فى هذا اليوم – يوم مولدى – بالعمدة يأتى إليه معتذرا ويسدد كل ما عليه ويقدم له هدية عبارة عن خروف وجوال أرز، وطيور.. فكان يومًا مليئا بالعطايا.. ولذلك احتفل والدى فى «السبوع» احتفالاًخاصًا، فتم ذبح الخروف، وجاء أكثر من عشرة من قراء القرآن يتبادلون القراءة إلى أن يختموا القرآن ولذلك كانوا يسمون تلك «ختمة»، وطبعا لم أحضر هذا السبوع، لكن والدى جعل أول شهر رمضان احتفالاً يذبح فيه خروفا ويدعو قراء القرآن، وينشغل البيت مع الشغالات فى إعداد اللحم المسلوق والفتة والرز بلبن، وظل هذا التقليد طول حياة والدى، وأذكر أن القراء كانوا هم دائما، لذلك اعتادوا على البيت، ولما كبرت كنت أجلس لأشاهدهم وهم يبدأون باللحم ويقول كبيرهم –وكان كفيفا – فلنبدأ بسيد الطعام، وأذكر يوما فى أول شهر رجب وفى حضور القراء جاء عم هنداوى، حلاق الصحة، لختان هذا الطفل الذى لم يكن يعرف ما سيحدث له، وبعدها بدأت أمى تتلقى التهانى من الأقارب الذين دعوا لحضور «الختمة» بهذه المناسبة، ولا أعرف لماذا كانوا يحتفلون بهذه المناسبة مع أنها كانت أكثر المناسبات إيلامًا!

كان شقيقى الأكبر (محمد) متزوجا ولديه طفلان توأم فى مثل سنى، قالت أمى إنها كانت ترضعهما معى فهما إخوتى فى الرضاعة بالإضافة إلى أنى عمهما، وكنا نحب أخى محمد لأنه طيب القلب ولا يتدخل فى شئون غيره وحين ينصحنى يقول النصيحة باختصار ثم ينتهى الأمر، وأخى الثانى (السيد) مهندس زراعى فى دائرة الأمير عمر طوسون يتنقل بين طلخا، ودميرة، وأخيرا استقر فى الإسكندرية يشرف على مزارع الفاكهة فى دائرة الأمير، ويرأس عددًا من الموظفين والعمال، وبحكم عمله كان يسكن فى بيت كبير، له حديقة واسعة مزروعة بالخضراوات للبيت، وفيها عشش البط والدجاج وبرج الحمام وجاموسة كانت تسلينى أن أتابع عمليات الحلب وعمل الجبن والزبدة والقشدة، وكان يصر على أن أقضى عنده شهور الصيف مع أبنائه الذين يصغروننى، وكانت هذه أسعد أيامى ولى فيها ذكريات قد أعود إليها.. كنا ننام مبكرا بعد عشاء دسم وأحاديث السمر فى المضيفة مع زوار أخى، وكانت تدور بينهم أحاديث وأخبار ويتبادلون النكت والضحكات، ثم يتم إطفاء «الفانوس» حيث لم تكن الكهرباء قد دخلت فى الجانب الآخر من ترعة المحمودية فكان سكان هذه المنطقة يعيشون فى شبه قرية، والإسكندرية بأضوائها ليست بعيدة، نركب «المعدية» فنصل إلى الضفة الأخرى ونذهب للفسحة أو للسياحة فى حراسة الكبار من العاملين مع أخى على شواطئ الشاطبى وكامب شيزار والإبراهيمية وهى الأقرب إلينا، وفى المساء نذهب إلى محطة الرمل وإلى المنشية للتسوق أو للفرجة، ثم نعود آخر اليوم أنا وأبناء أخى لنتناول العشاء، وأنزل أنا إلى جلسة السمر إلى أن يأتينى النوم.. حياة هادئة، خصوصا أن أخى السيد كان عاطفيا، ويحرص حين أعود إلى بيتنا بعد الإجازة أن يكون وزنى قد زاد زيادة كبيرة ليطمئن أبى وأمى إلى أنه كان يحسن الاهتمام بى، وكان له حصان يركبه للمرور على المزرعة فكان يأخذنى معه أحيانا وتلك كانت متعة أخرى، بالإضافة إلى متعة اللعب فى مزارع الفاكهة ومنها أنواع لم نكن نعرفها مثل القشدة الخضراء والنبق.

وكان أخى الثانى (عبد الوهاب) يعمل مع أبى فى تجارة الأخشاب، وكان يستمتع بشبابه فيلبس ملابس غالية الثمن، ويهوى تربية الخيول وعنده (إسطبل) حارسه (نونو) فيه فرسة بيضاء جميلة جدا كنت أحبها وحصانين متميزين، وكانت عنده (كارتة) يركبها فى العصر ويعلق فيها الفرسة، يقضى ساعة العصر فى الطريق خارج المدينة وكثيرا ما كان يأخذنى إلى جانبه، وأحيانا كان يركب الفرسة وينطلق بها وحده أو يأخذنى أمامه.. كنت تقريبا ملازما له، وأخى الثالث (أحمد) كان فى المرحلة الثانوية وله فى البيت شبه معمل للكيمياء كنت أتفرج عليه وهو يخلط المحاليل ويصنع كريمات للشعر وللبشرة لأخواتى البنات، كما كان يقرأ كثيرا ويقتنى الكتب، وكان هو معلمى الأول ومرشدى إلى الثقافة، كان يتحدث معى على أننا أصدقاء على الرغم من أن فارق السن عشر سنوات، ويصحبنى فى رحلاته مع أصدقائه، وعندما كبرت قليلاً كان يصحبنى يوميا فى شهور الإجازة الصيفية إلى بيت جدى (الحاج إسماعيل عبد اللاه) نلتقى بجدى وأخوالى ثم نقضى وقتنا فى «المندرة» فى الدور الأرضى، وكانت هذه المندرة خاصة بخالى (على) الذى يدرس فى الأزهر وفيها كتب كثيرة فتحت عينى على الجاحظ وابن العميد والطبرى وابن كثير والمتنبى وطه حسين، وطبعا لم أكن فى سن تسمح لى باستيعاب ما أسمع وأقرأ ولكنى بعد ذلك.. حين وصلت إلى المرحلة الثانوية كنت أنا الوارث الوحيد لهذه المكتبة مساء ندوة يحضرها عدد من زملاء خالى وتدور فيها الأحاديث حول قضايا دينية أو ثقافية، وتعودت على سماع أسماء العقاد وأحمد لطفى السيد ومحمد حسن الزيات وزكى مبارك ومحمد عبده، وكان الفضول يدفعنى إلى أن أفتح كتابا من المكتبة وأقرأه فأفهم بعض ما أقرأه ولا أفهم البعض الآخر فأسأل خالى على أو أخى أحمد أو أقرب أصدقائهما أحمد المرلى الذى كان هو الآخر يدرس فى الأزهر ومهتما بالثقافة والفكر، كنت أحب أن أجلس إلى الكبار وأتعلم منهم وأجد منهم الرعاية دائما.

فى فترة الطفولة لم يكن مسموح لى باللعب فى الشارع مع الأطفال، لكن كان مسموحًا أن يأتى الأطفال الجيران ليلعبوا معى على سطح البيت أو فى البلكونة أو فى حجرة الجلوس حسب الأحوال، وكان هؤلاء الأطفال معتادين على البيت وكأنهم من أفراده، يتناولون الغداء معنا، وتقدم لهم أمى أطباق المهلبية والرز باللبن، وفى رمضان تقدم لهم الكنافة والخشاف والبندق، وفى العيد تقدم لهم الكعك والبسكويت، وكان هذا ما ألقاه عندما أذهب للعب معهم فى بيوتهم، كانت أمهاتهم هى أمهاتنا، وأخوتهم هم أخواتنا، ولذلك استمرت علاقتى بهم طول العمر ولم تفرق بيننا المسافات، لم يفرق بيننا إلا الموت، الحقيقة إن الصداقة هى أهم مصادر السعادة فى حياتنا، وأصدقاء الطفولة لهم مكانة خاصة تسبق الأصدقاء الذين أسعدنا الحظ بهم فى مراحل حياتنا المختلفة، وقد تعلمت أن أحتفظ بصداقة الصديق الوفى الذى يستمع إليك حين يضيق صدرك، ويحكى لك همومه وأفراحه، ويحفظ سرك، ولا يطعنك من الخلف، ولا يكون كما يقول المثل «فى الوش مراية وفى القفا سلاية»، وقد جربت فى حياتى أصدقاء هم بحق أصدقاء، وجربت من اقتربوا منى لكى يسيئوا إلىّ ويشوهوا صورتى ويعطلوا مسيرتى، لكنى كنت كما أقول لزملائى وتلاميذى فى كلية الإعلام، «كن كالحمار» وكانوا يضحكون من الدهشة، فأقول لهم إن صاحب الحمار يضع غمامة على جانبى رأس الحمار لكى لا يلتفت يمينا ولا يسارا، ولا يشغله شىء عن مواصلة السير إلى الأمام إلى أن يصل إلى غايته، فكن أنت كذلك مثلى لا تلتفت إلى ما يقال عنك، ولا ما يدبر لك من المكائد فى الخفاء، طبعا لك أعداء كما أن لك محبين، والأنبياء كلهم دون استثناء كان لهم أعداء بأمر الله.

«وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ»، «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ..» (الأنعام - 112)، فإذا كان لكل نبى عدو، فكيف لا يكون لكل إنسان عدو أو أعداء.. السؤال: هل تترك عدوك يتمكن منك ويعطل مسيرتك؟ الإجابة التى تعلمتها: «إن الله يدافع عن الذين آمنوا» (الحج – 38)،
وكفى بالله ناصرًا.

- حياة كل إنسان حين تتأملها تجدها قصة تستحق أن ترويها بما فيها من أحداث وحكايات وأيام سعادة وأيام ألم

- كانت طفولتى فى مدينة دمنهور عاصمة محافظة البحيرة طفولة هادئة كان بيتنا هادئا يسير فيه كل شىء ببساطة رغم كثرة عددنا

- فى فترة الطفولة لم يكن مسموح لى باللعب فى الشارع مع الأطفال لكن كان مسموحًا أن يأتى الأطفال الجيران ليلعبوا معى على سطح البيت أو فى البلكونة أو فى حجرة الجلوس حسب الأحوال وكان هؤلاء الأطفال معتادين على البيت وكأنهم من أفراده

- كل إنسان يصل إلى مرحلة معينة من عمره – قرب النهاية – وتعود إليه ذاكرته تنشط فيستعيد ما بقى فيها مما لم يطمسه الزمن وتعود إليه صور وأحداث حياته كأنها شريط فيديو قديم بعض أجزائه سليمة وبعضها أصابه التلف وربما تظهر فى وقت آخر

أضف تعليق