وائل نجم يكتب: الأحكام القضائية ضد نقيب المحامين هل تخضع لقوة القانون أم لقانون القوة؟! (1من2)

وائل نجم يكتب: الأحكام القضائية ضد نقيب المحامين هل تخضع لقوة القانون أم لقانون القوة؟! (1من2)وائل نجم يكتب: الأحكام القضائية ضد نقيب المحامين هل تخضع لقوة القانون أم لقانون القوة؟! (1من2)

*سلايد رئيسى16-12-2017 | 17:32

كلنا يعرف أن تطور الدول يقاس بمدى تطور القوانين في تلك الدول وتشريعاتها وتطبيقها التطبيق الصحيح ولايقاس التطور ( ببناء مبنى نقابة جديد).

حيث جميعا نلاحظ بأن الدول المتطورة مدنيا وحضاريا هي تلك الدول التي تشرع القوانين من أجل أن تحفظ حقوق الشعب والحريات والمهن بشكل يتلائم مع التطور الحاصل في المجتمعات والذي يعنينا كمحامين ومهنين ونقابين هو موضوع مشروع قانون المحاماة الجديد الذي تم تقديمه لمجلس النواب وتم ركنه ولو مؤقتا على الرفوف.

وإذا كانت الأحكام و القرارات القضائية تجسد عنوانا للحقيقة وترجمة لمظاهر العدالة والإنصاف، فأن حجيتها هي نوع من الحرمة و المصداقية التي تعكس تنزيل قواعد ومبادئ القضاء العادل.

و إذا كان النظام القانوني  في أي دولة من دول المعمورة سعيه الأمثل  في اقتفاء و سلوك  خريطة طريق لأجل تحقيق أمن قانوني مطلوبا ومؤكدا، فإن التعسف يجد ملاذه في التنفيذ، فالإخلال بمبدأ ضرورة احترام الأحكام يصير بمبدأ المشروعية إلى العدم .

 ذلك أنه لا يليق بحكومة في بلد تقوم ركائزه على صرح الديمقراطية و حقوق الإنسان أن تمتنع عن تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية بغير وجه قانوني لما يترتب على هذه المخالفة الخطيرة من إشاعة للفوضى و فقدان الثقة في سيادة القانون.

وإن من أبرز مظاهر دولة الحق و القانون أن يحتكم المتنازعون إلى القضاء سواء العادي أو الإداري. وإذا صدر الحكم وصارم شمولا بالنفاذ، تعين الامتثال لمضمونه من قبل الأفراد والهيئات.

فلا وجود لجهة او فرد مكانتها  فوق القانون وكل ملزم بالخضوع لأحكام القضاء.

 فدولة القانون تقاس بمدى تنفيذ و احترام القرارات القضائية وان إصلاح المنظومة القضائية وتكريس علوية المؤسسات يتجسد فعليا بضمان نفاذ الأحكام القضائية فاحترام القانون لا يقتصر على الإقرار بالحقوق وإنما يتجاوز أروقة المحاكم من خلال الحرص على إيصال تلك الحقوق إلى المتقاضين. ذلك أنه من المقرر فقها و قضاء أن حجية الأوامر و الأحكام و القرارات القضائية فيما قضت فيه و كما صورها المشرع تقوم على قرينة قانونية قاطعة.

وأن الأحكام التي حازت درجة من القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق و لا يجوز قبول دليل ينقض تلك القرينة. فالحكم او القرار متى فصل في خصومة كان لابد من الوقوف عنده ووضع حد لهذه الخصومة و المنازعة .

فلا يجوز للخصم المحكوم ضده أن يعيد طرح النزاع من جديد أو الامتناع عن تنفيذه .

فلو سمح القانون بذلك لما أمكن أن يقف عند حد .ولجاز لكل من الخصم الذي صدر القرار القضائي ضده أن يحصل على حكم يتعارض مع الذي قضي فيه سابقا الشيء الذي يجعل من المتعذر تنفيذ الأحكام القضائية.

و لا يمكن لنا الاقتصار في تحقيق متطلبات الأمن القانوني و القضائي فقط بضمان استقلالية وحرية القاضي في البت و إصدار القرار القضائي.

و إنما يمتد إلى  وجوب احترام الأحكام القضائية وضمان تنفيذها وفقا للمبدأ القانوني القاضي بحتمية تتقيد الأحكام و القرارات القضائية. فالقاعدة القانونية تولد جامدة وتضل كذلك إلى أن يحرك القضاء سكونها عبر آليات تنفيذها بموجب أحكام و قرارات صادرة عنه يستوجب الالتزام بها على قدر من المساواة أمام أحكام القانون .

يقول أستاذنا الدكتور عبد الرزاق السنهوري في هذا المعنى : أن من كان مظلوماً وكان خصمه قوياً كالإدارة، فلابد من ملاذ يلوذ به ويتقدم إليه بشكواه ولا شيء أكرم للإدارة وأحفظ لمكانتها من أن تنزل مع خصمها إلى ساحة القضاء تنصفه او تنتصف منه وذلك أدنى إلى الحق والعدل وأبقى للهيبة والاحترام.

وبما إن بحثنا يقتصر على دراسة القوة الإلزامية للأحكام القضائية الإدارية الصادرة في مواجهة الإدارة و مدى ترجمتها على أرضية الواقع .

ومن أجل إبراز مدى أهمية الالتزام بتنفيذ قوة الشيء المقضي فيه، لما فيه من إجلالا لحرمة و قداسة القضاء، وحماية للشرعية وسيادة القانون ، نتساءل هل فعلا تنزيل الأحكام و القرارات القضائية و تفنيدها في مواجهة الإدارة  العمومية يخضع لقوة القانون أم لقانون القوة؟!

الإجابة تأتى فى مبحثين:

المبحث الأول : تنفيذ الأحكام القضائية في ظل التشريع المغربي بين متطلبات الأمن القانوني و اكراهات الواقع

لا يمكن لنا الاقتصار في تحقيق متطلبات الأمن القانوني و القضائي فقط بضمان استقلالية وحرية القاضي في   البت و إصدار القرار القضائي. و إنما يمتد إلى  وجوب احترام الأحكام القضائية وضمان تنفيذها وفقا للمبدأ القانوني القاضي بحتمية تتقيد الأحكام و القرارات القضائية. فالقاعدة القانونية تولد جامدة وتضل كذلك إلى أن يحرك القضاء سكونها عبر آليات تنفيذها بموجب أحكام و قرارات صادرة عنه يستوجب الالتزام بها على قدر من المساواة أمام أحكام القانون .

المطلب الأول: النظام القانوني لتنفيذ الأحكام القضائية في التشريع المغربي

 شكل موضوع تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية ، الصادرة عن القضاء  و في كثير من المناسبات وعاء للنقاش الجاد خصوصا و في الآونة الأخيرة التي تزامنت و مشروع إصلاح منظومة العدالة في بلادنا ، و لا شك أن الخطاب الملكي بمناسبة ترؤسه لافتتاح أشغال دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم 15 دجنبر 1999 شكل منعطفا هاما في إحقاق الأمن القانوني و النجاعة القضائية حيث أكد أنه: "من البديهي أنه لن يحقق القضاء هذا المبتغى إلا إذا ضمنّا لهيئته الحرمة اللازمة والفعالية الضرورية بجعل أحكامه الصادرة باسمنا تستهدف الإنصاف وفورية البت والتنفيذ، وجريان مفعولها على من يعنيهم الأمر"

ومع الدستور الجديد أعطى المشرع المغربي مزيدا من الأهمية لمكانة القضاء و خصص لها بابا كاملا باعتبار المكانة التي يوليها صاحب الجلالة لضرورة بياء صرح دولة الحق و القانون وإحقاق العدل بين المواطنين جماعة كانوا او أفراد.

إلا أنه و بالرغم من جميع المحاولان و الجهود المبذولة في الارتقاء بالعمل القضائي و تجويد خدماته فانه مزال تشوبه مجموعة من النقائص التي تقف عقبة في التنزيل الصريح لمقتضيات الدستور في مجال حكامة القضاء ، و لعل أهم ما يعتريه من إشكاليات عملية وقائع عدم الاعتداد بإلزامية الأحكام و تنفيذها سواء بين الأشخاص في ما بينهم او تلك المتعلقة بمنازعات الأفراد قي مواجهة الإدارات العمومية .و لعل ما يبرر قولنا ذلك هو استياء جلالته و عدم رضاه فيما يخص التدبير العملياتي  للإدارة و القضاء معا .و هو ما عبر عنه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة بتاريخ 14 أكتوبر 2016  بقوله:

إن المواطن يشتكي بكثرة، من طول و تعقيد المساطر القضائية، ومن عدم تنفيذ الأحكام، وخاصة في مواجهة الإدارة.

فمن غير المفهوم أن تسلب الإدارة للمواطن حقوقه، وهي التي يجب أن تصونها وتدافع عنها. وكيف لمسؤول أن يعرقل حصوله عليها وقد صدر بشأنها حكم قضائي نهائي؟

كما أنه من غير المعقول، أن لا تقوم الإدارة حتى بتسديد ما بذمتها من ديون للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بدل دعمها وتشجيعها ، اعتبارا لدورها الهام في التنمية والتشغيل.

كما أن المواطنين يشتكون أيضا من الشطط في استعمال السلطة والنفوذ ، على مستوى مختلف الإدارات ، ومن تعقيد المساطر ، وطول آجال منح بعض الوثائق الإدارية.

فمصلحة الأفراد والجماعات لا تكمن فقط في سن القوانين أو النصوص التنظيمية للقول بوجوب الانصياع لها وفرض تطبيقها بتبرير وجود دولة الحق والقانون، بل إن الأمر يتعدى ذلك ويتطلب بالإضافة إلى النصوص التشريعية والتنظيمية المحكمة والمستجيبة للمصالح الاجتماعية والاقتصادية تحقيق ما يسمى بالأمن القضائي .

هذا الأخير يتجلى في توفير الاطمئنان للمتقاضين لدى المؤسسة القضائية، وهذا لا يتأتى إلا بالرقي بمستوى الخدمات التي يؤديها من خلال جودة الأداء واستقرار الاجتهاد والعمل القضائيين بما يتوازن وروح التشريع وتحقيق العدل بين مكونات المجتمع، ولا يختلف لديه في ذلك الأفراد أو الجماعات والأشخاص المعنوية أو الإدارة والمؤسسات العمومية، إذ أن الأمن القضائي يعتبر حقيقة ملاذا للكل لدرء تعسف البعض وطغيانه.ذلك أن جودة و نجاعة القضاء مستوحاة من إرادة المشرع في تنزيلها فجودة الخدمات القضائية تنطلق من حاجة الفرد و الجماعات الضرورية و الملحة إلى الإحساس بحماية العدل و القضاء النزيه والمستقل الذي يؤمن معه على حقوقه و يطمئن لها .

كما أنه بتحقيق الجودة في القضاء و السهر على منظومة الأمن القانوني من شانه  الإسهام في الإقلاع الاقتصادي للدولة القانونية و المشاركة الفاعلة في ازدهار نظامها و نمو أفاقها نحو صرح مصاف الدول الديمقراطية . و التي لا يمكن أن نتصوره إلا بتحريك جمود القاعدة القانونية من حالة سكونها ببعث روح الحركية فيها الشيء الذي لن يتأتى إلا عبر ضمان تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية و ضمان صيرورتها والزاميتها على قدر من المساواة بين أفراد المجتمع أمام القانون . ذلك أنه من العبث التسليم بإلزامية التشريع و إنكاره على تنفيذ الإحكام و القرارات القضائية باعتبارها هي الأخرى مصدرا للتشريع بما يقره الاجتهاد القضائي في هذا الباب .

ولأجل ضمان ذلك عمل المشرع المغربي على ضمان استقلالية السلطة القضائية عن باقي السلط الأخرى بأن نم تولية ذلك الضمان لأعلى سلطة بالبلاد .

فجعل من الملك الضامن لاستقلا السلطة القضائية ، حرية القضاة في ممارسة أعمالهم دونما قيد او تأثير عليهم  حيث جعل من أمر عزلهم او نقلهم مستلزما بمقتضى القانون .و بغية تكريس الاستقلالية التامة لسلطة القضاء منع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، وعدم تلفي القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، وعدم خضوعه  لأي ضغط. من أي  جهة كانت . فالقاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، وجب عليه أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية..  كما يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة. كما لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون. ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون. ذلك أن  من مهام القضاة حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون.

ولما كان حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون. فكذلك. له الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول. فحقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم.  ويحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة.

إن أهمية تنفيذ الأحكام القضائية في مواجهة من صدرت ضدهم .مشمولة بحرمة الفصل 124 من الدستور المغربي الذي ينص على  انه تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون. فشرعية التنفيذ مستوحاة من القانون ويزكيها في ذلك ما جاء به الفصل 126 بتنصيصه على أن. الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع. و يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة، إذا صدر الأمر إليها بذلك، في إشارة منه لأهمية ضمان آلية تنفيذ الأحكام.

ولم يقتصر المشرع المغربي في تقرير وجوبية تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية على المستوى الدستوري و إنما عمل على الحرص في تنزيلها في قوانين  وقرارات بالإضافة إلى مناشير و دوريات هي الأخرى تحث على التقيد بتنفيذ الأحكام و تنزيلها على ارض الواقع .

وفي هذا الصدد نشير إلى منشور رئيس الحكومة عدد 2015/12 الموجه إلى السادة الوزراء و المندوبين الساميين حول تنفيذ الأحكام القضائية ضد أشخاص القانون العام حيث جاء فيه انه ة بالرغم من صدور منشور الوزير الأول رقم 2008 بتاريخ 4 يناير 2008 المتعلق بإمكانية تنفيذ الأحكام القضائية و الأوامر القضائية بحجز ما للمدين لدى المحاسبين العموميين فقد لوحظ أن تنفيذ هذه الأحكام مازال يغرف العديد من الصعوبات التي تخول دون الإسراع في تنفيذها مما يتعين معه إيجاد الصيغ و الحلول الناجعة التي تضمن من جهة تنفيذ الأحكام القضائية صونا لحقوق المتقاضين وتكفل من جهة أخرى مصالح الدولة و حقوق المجتمع  برمته.

وعليه و تحقيقا للأهداف المنشودة وراء تيسير مساطر تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية أصبح لازما دعم أجهزة التفتيش العام بقصد الإشراف على تبليغ تلك الأحكام دون إغفال السعي إلى حل النزاعات المتعلقة بها بالتوافق مع أطراف النزاع بدل اللجوء إلى القضاء .

وفي إطار تكريس مبدأ السيادة القانون و صيانة حرمة القضاء و احتراما لحقوق المتقاضين و تعزيزا لمصداقية الإدارة لم تتردد  الحكومة في إعطاء توجيهاتها من اجل الإسراع في عملية تنفيذ الأحكام التي اكتسيت قوة الشيء المقضي به ، وفي هذا الصدد نذكر بما جاء منشور الوزير الأول عدد 98/37 بتاريخ 31 غشت 1998 موجه إلى السيد وزير الدولة و السادة الوزراء و كتاب الدولة حول تنفيذ الأحكام و القرارات النهائية. و مدى الصعوبات التي تعتري تنفيذها حيث جاء فيه ما يلي:

" وبعد .

 يرد على الوزير الأول يوميا عدد كبير من المراسلات يشتكي أصحابها عن امتناع بعض الوزارات إما أصليا او بحكم الوصاية و كذا بعض المكاتب الوطنية و الجماعات المحلية و الوكالات المستقلة  من تنفيذ الأحكام و الأوامر و القرارات القضائية رغم اكتسابها لقوة الشيء المقضي به.

فتنفيذ الأحكام القضائية النهائية يعتبر أسمى تعبير من كل الأطراف المعنية عن تمجيد القضاء و تكريم السلطة القضائية و في ذات الوقت اعترافا بحقوق المواطنين و تكريسا لحقوق الإنسان و إرساء معالم الشرعية و المشروعية حيث يسود الاطمئنان في نفوس المتقاضين.

إن أهمية التنفيذ و ضرورة حتمية تنفيذ الأحكام لم تقف إلى حين ذلك بل تلته العديد من المناشير اللاحقة كان من بين أهمها المنشور الوزاري عدد 2002/4 بتاريخ 2002 حول مقاضاة الوزارات و الجماعات الترابية و المؤسسات العمومية فيما بينها أمام المحاكم  و الذي يوصي إلى العمل قدر المستطاع على حل النزاعات عن طريق التفاوض و التوافق للوصول إلى حلول رضائية مما يصبح معه اللجوء إلى المحاكم غير ذي موضوع طالما أن الأحكام القضائية لا يحترم تنفيذها .

و مما لاشك فيه أن الارتباط بين مبدأ المشروعية وتنفيذ أحكام القضاء وثيق. وأن العلاقة قائمة بينها. فمبدأ المشروعية يلقى احتراما وتطبيقا كلما بادرت جهة الإدارة إلى تنفيذ أحكام القضاء والتزمت بمضمون هذه الأحكام ونفذتها بمختلف جزئياتها. فالإدارة شخص من أشخاص القانون وليس لها أن تتطاول عليه, أو تحاول التقليل من شأن الأحكام القضائية   و التعدي على قداسة القضاء  وحرمته.

فالامتناع عن تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضد الإدارات قد أدى إلى الإضرار ليس فقط بمصلحة و حقوق المتقاضين وإنما أيضا بممتلكاتها و قدراتها المادية نتيجة لتراكم المبالغ المحكوم بها ولصدور أحكام تتضمن غرامات تهديديه او أوامر بالحجز على أموالها و ممتلكاتها ،وهذا ما شارت إليه دوري وزير الداخلية رقم 21 /ق ت م /م بتاريخ 7 مارس 2006 حول ضبط المنازعات القضائية للجماعات المحلية و هيئاتها.

فإذا كان هذا الامتناع يجد مبرره في غالب الأحيان في مبدأ عدم جوار الحجز على الأموال العمومية فيجدر التنبيه إلى أن المحاكم المغربية لم تعد تأخذ بهذا المبدأ على إطلاقه ،إذ ذهبت في كثير من الحالات إلى إجازة الحجز على أموال الجماعة في حالة امتناعها بدون مبرر قانوني عن تنفيذ حكم قضائي نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به .

المطلب الثاني: تنفيذ الأحكام القضائية بين متطلبات الآمن القانوني و اكراهات الواقع

حظي موضوع إصلاح قطاع العدل بأهمية بالغة لدى المهتمين بقضايا العدل ، وهي الأهمية التي جسدتها خطب عديدة لجلالته في مناسبات كثيرة، وتم تضمينها في التصريح الحكومي، وتجسيدها في برنامج عمل الحكومة.

تلك الأهمية تستتبع بالضرورة تحولا جوهريا في دور القضاء حتى يرقى إلى الحماية القانونية الفعلية لحقوق الإنسان، وإحكام الرقابة على الالتزامات والمعاملات في جميع المجالات، وتصريف القضايا بالسرعة المطلوبة والفاعلية المنشودة لإشاعة العدل بين الناس بما فيها ضمانة تنفيذ الأحكام القضائية في مواجهة المحكوم عليهم..

حيث أصبح البث في القضايا المعروضة على المحاكم داخل أجال معقولة شرط أساسي من شروط المحاكمة العادلة باعتبار ما تم التنصيص عليه في الفصل 120 من الدستور فلكل شخص الحق في محاكمة عادلة ، و في حكم يصدر داخل اجل معقول مشمول بجميع ضمانات التنفيذ باعتبارها المعايير التي تقاس بها نجاعة الأنظمة القضائية .لذلك كان لازما على كل المحاكم اتخاذ كافة التدابير للعمل على احترام اجل البت في الملفات ومعدل الجلسات لكل نوع من أنواع الملفات و المدد الفاصلة بين الجلسات ومدد طبع الأحكام لأهمية ذلك في تحقيق مزيدا من النجاعة و الأمن القضائي و القانوني لجميع المتقاضين .

وهذا ما تمت الإشارة إليه مؤخرا بموجب أحكام المراسلة  الوزارية لوزير العدل عدد 22 س بتاريخ 23 فبراير 2017 حول البت في القضايا القديمة .ونلك المتعلقة بمعدل الجلسات اللازمة للبث في القضايا و عدد التأخيرات و مدة طبع الأحكام تحت رقم س1 بتاريخ 5 يناير 2017. الساعية إلى تحقيق مزيدا من الأمن القضائي و القانوني فتحقق الأمن القضائي رهبن بتوفير آليات تضْمن حسن سير القضاء، كاستقلاليته وجودة أحكامه وسهولة الولوج إليه ونجاعة إدارته، وهذه كلها مقومات تبعث الثقة في المؤسسة القضائية، وتضمن بالتالي ترسيخ الأمن القضائي، وذلك بترسيخ الثقة في المؤسسة القضائية والاطمئنان إلى ما ينتج عنها أو ما تجتهد بشأنه من نوازل.

ولا شك أن أهمية تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية في تحقيق متطلبات الأمن القانوني و القضائي معا هي الأخرى مشروط بتفعيل مضامين الوثيقة الدستورية، التي ارتقت بالقضاء إلى سلطة مستقلة بضمانات وآليات متعددة مفلسفة جديدة تُلزِم القضاة بالتدخل الايجابي للدفاع عن استقلالهم وضمان حقوق المتقاضين.

فلقد أصبح هذا التحول في طبيعة المهام القضائية في حاجة ملحة إلى ثقافة قضائية جديدة تستوعب كل القيم، وتعطي للأحكام الفاصلة في النزاعات المعروضة على المحاكم أبعادها المستمدة من مصدرين أساسيين، هما:

أولا:  الإطار الدستوري للمملكة الذي كرس مبدأ فصل السلط واستقلال القضاء، وحدد المرجعية التشريعية والأرضية القانونية التي نعمل جاهدين على تطويرها حتى تنخرط بلادنا في منظومة أرقى التشريعات المقارنة

وثانيا: الإرادة الملكية السامية لإصلاح منظومة العدالة المضمنة في الخطب السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس أيده الله أبرزها

إن عدم تنفيذ الأحكام القضائية من أي جهة او سلطة في الدولة يمثل إخلال جسيما لمبدأ فصل السلط و استقلالية القضاء و ضرب للأمن القانوني و القضائي .و هي مسؤولية تقع على رئيس الحكومة إذ يتوجب عليه بمقتضى الوثيقة الدستورية اتخاذ جميع الإجراءات الضامنة لتنفيذ الأحكام بما فيها الحرص على تتبع عمل الوزارات باعتباره حكما بين السلطات .له أن يأمر بتنفيذ الأحكام و لا يجوز له إن يتنصل من المسؤولية التي جملها على عاتقه  المشرع الدستوري آيا كانت المبررات .فواجبه يقتضي رعاية الحدود بين السلطات.. ذلك أن من بين أهم الإشكالات التي تحيط بظاهرة عدم تنفيذ الأحكام القضائية ضعف الرقابة الذاتية داخل الجهاز الإداري نفسه .بالإضافة إلى غياب الرقابة القبلية على صحة و مشروعية هذه الأحكام و القرارات القضائية .

فحجية الأمر المقضي فيه كما صورها المشرع تقوم على قرينة قانونية قاطعة مفادها أن الأحكام الني حازت على درجة قطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق و لا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة فالحكم متى فصل في خصومة كان و لا بد من الوقوف عنده ووضع حد لهذه الخصومة و المنازعات فلا يجوز للخصم المحكوم ضده أن  يعيد طرح النزاع من جديد. و لو سمح القانون بذلك، لما كان أن يقف عند حد ولجاز لكل من الخصوم أن يحصل على حكم يتعارض مع الحكم الذي حصل عليه الخصم الأخر  فهذا التعارض يجعل من المتعذر تنفيذ الأحكام القضائية . فحجية الشيء المقضي فيه تسمو  على قواعد النظام العام .

فالأمن القضائي ليس  الغاية منه إشعار العامة من الناس بالحماية المعنوية لحقوقهم فقط ،بل يجد ملاذه في تفعيل آلياته غبر ضمانة التنفيذ للأحكام القضائية ، ذلك أن القضاء الحائز لقوة الشيء المقضي فيه لا يجوز إثارته مرة أخرى فالأحكام التي تقرها العدالة كشفا او تقريرا صادرة عن قضاء تنظمه الدولة ولها ولايتها عليه ،فالأحكام تولد حائزة قوة الشيء المقضي مناط لزوميتها يستوحي من مبادئ العدالة الحقة . وقواعد القوانين الكونية و الطبيعية المتعارف عليها دوليا .

فالإدارة وهي بصدد تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية ،إنما تنفذ تلك الأحكام بموجب الالتزام الذي يقع على عاتقها وإذا كان هذا الالتزام يعتمد على حسن نية الإدارة في تطبيق الأحكام القضائية و تنفيذها ،فان هناك أساسا نظاميا يحتم على الإدارة الالتزام بتنفيذها و هذا الالتزام عام ،مضمونه احترام الإدارة لحرمة و قداسة القضاء .

فإذا كانت الإدارة ملزمة باحترام القوانين فان التزامها بتنفيذ الأحكام الصادرة ضدها أولى، لان الإدارة يجب أن تكون المنصف لنفسه و أن تحقق العدل و تتحراه و لو كان ضدها فالأحكام القضائية عنوان للحقيقة القانونية الملزمة ومتى أصبح الحكم نهائيا فانه حينئذ يعد قاعدة واجبة الإتباع فتنفيذ الأحكام يمثل التزاما بتنفيذ القانون ذاته وعدم التنفيذ للأحكام هو عدم تنفيذ القانون أيضا.

(وللحديث بقية)

أضف تعليق

وكلاء الخراب

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
تسوق مع جوميا

الاكثر قراءة

إعلان آراك 2