مافيا تزوير الكتب

مافيا تزوير الكتبالكاتب والناشر حسين عثمان

الرأى18-1-2022 | 15:54

حسين عثمان

القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ، هكذا كان حال صناعة النشر في الوطن العربي، قبل أن تعصف بالشرق الأوسط رياح الفوضى الخلاقة، ولكن فيما يزيد على عشر سنوات ماضية، استطاعت مصر أن تتصدر المشهد في مجموعه، عدد دور النشر المصرية الأعضاء في اتحاد الناشرين المصريين يقارب الآن 1300 ناشر، يعملون في سوق حجمه الإجمالي يدور في الأعوام الأخيرة حول مليار جنيه سنويًا، وينشرون حوالي 20 ألف عنوان في العام، والأرقام تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن معدلات القراءة زادت إلى حدٍ كبير، وهو ما يؤكده انتشار مجموعات القراءة على السوشيال ميديا، وتزايد عدد أعضاء كلٍ منها وتواصل وتنوع أنشطتها.

ومع ذلك فإن صناعة النشر في مجموعها مهددة، والتهديد الأكبر يأتي من السوق الموازي، تجار الكتب القائم نشاطهم في الأساس على تزوير الكتب، وتوزيعها وطرحها بأسعار لا تزيد على 40% من أسعارها الأصلية، هذه النسخ المزورة المشوهة شكلًا ومضمونًا، تراها منتشرة على أرصفة الشوارع الرئيسية والميادين العامة، ناهيك عن سور الأزبكية على مدار السنة في مقره بالدراسة، وأيضًا داخل معارض الكتب حين يُسْمَح لتجاره بالمشاركة، والقاريء يجد لنفسه دائمًا العذر في اشباع نهمه المعرفي من خلال هؤلاء المزورين، فتجد الكتاب المزور يبيع أضعاف الكتاب الأصلي، خاصة في ظل تردي أوضاع اقتصادية، تجعل دخل قاعدة المجتمع العريضة، يكفي بالكاد حاجاتها الأساسية.

أضف إلى هذا أن دور النشر عانت طوال السنوات الخمس الماضية، من تحرير سعر صرف الجنيه المصري في مواجهة العملات الأجنبية، مستلزمات الطباعة من ورق وأحبار تشكل أكثر من 60% من عناصر إنتاج الكتاب وكلها مستوردة من الخارج، أسعارها زادت حوالي 80% عما كانت عليه قبل تعويم الجنيه، كما عانت دور النشر من موجة أخرى لارتفاع أسعار مستلزمات الطباعة في العامين الأخيرين، تحت تأثير انكماش حركة الاقتصاد عالميًا، نتيجة انتشار فيروس كورونا بموجاته المتلاحقة، هذا كله أجبر دور النشر على زيادة أسعار الكتب بمعدلات تسمح لها فقط بالاستمرار، لكنها كانت مؤثرة على حركة بيع الكتب الأصلية هي الأخرى دون شك.

انعكاس الوضع المأزوم بالكامل تراه واضحًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب المقبل، 35% من دور النشر خرجت بالفعل من السوق، كما تراجعت معدلات النشر إلى حدٍ كبير، حتى أن هذه الدورة لا يشارك بها من الناشرين المصريين المهتمين بالنشر العام سوى 292 دار نشر، ومعها 298 ناشرًا عربيًا، بينما اكتفت 95 دار نشر مصرية، ومعها 45 دار نشر عربية، اكتفت جميعها بعمل توكيلات لبيع إصداراتها من خلال دور النشر المشاركة، بعيدًا عن مجازفة التواجد بأجنحة مستقلة بما تمثله من تكاليف قد لا تعود إلا بخسائر قاتلة، وفي المقابل يبلغ عدد المكتبات المشاركة في سور الأزبكية بالمعرض هذا العام 49 مكتبة!.

دور النشر تجاهد من أجل البقاء على قيد الحياة، وهي بكل أسف تحارب معركتها الشرسة وحيدة، فالملف برمته لا يزال مهملًا من الجميع، فلا أجهزة الدولة المعنية تقدم يد العون من خلال الدعم أو الإعفاء من بعض الرسوم، ولا أجهزة الرقابة على المصنفات تؤدي دورها في مكافحة المزورين، وعقوبة المزور في القانون لا تتجاوز 500ج غرامة، فلنجعل من معرض القاهرة الدولي للكتاب مناسبة لفتح الملف بجرأة على كافة المستويات، ولنتكتل جميعًا في مواجهة مافيا تضم مطابع وبائعين وصفحات سوشيال ميديا ومندوبي توصيل، المعرض هذا العام يرفع شعار "هوية مصر.. الثقافة وسؤال المستقبل" وتزوير الكتب حتمًا يضرب هذه الهوية في مقتل.

أضف تعليق