عاطف عبد الغنى

مضى شهر رمضان الكريم، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، فى تجارته مع الله، لكن ليست كل تجارة الناس فى رمضان كانت مع الله، فقد كانت هناك تجارات أخرى، أو كما يحب أصحاب اللسان (الملتوى) أن يقلبوها إلى «بيزنس»، وأعلى وأهم «بيزنس» فى رأيي خلال شهر رمضان في السنوات الأخيرة هو «بيزنس» الدراما، ومثلما حدث فى السنوات الأخيرة، داهمنا هذا العام عدد هائل من المسلسلات أصبحنا وأمسينا على متابعتها، نهرول من فضائية إلى أخرى، ونتابع أبطال الأساطير الدرامية المصرية الجديدة الذين صاروا يطيرون فى الهواء ويمشون على الماء، ويخترقون الجدران، وينتهكون الأعراض، ويسحقون البشر أسهل من سحق الذباب، حتى صارت الدراما المصرية لا تحاكى فقط فى مظهرها مثيلتها الهوليودية (نسبة إلى هوليوود) بل صارت تحاكيها أيضًا فى موضوعاتها وتسير على دربها لتؤكد فرضية أننا دائمًا نأخذ من الثقافة والقيم الغربية أسوأ ما فيها ونحاكيه.

(1)

على سبيل المثال لا تعرف ثقافتنا ولا قيمنا «الأب بالتبنى، أو «الأب الروحى» لكننا استجلبناه معلبًا وصنعنا منه دراما مشوشة فى جزءين، كل جزء 30 حلقة، دراما تدور أحداثها فى الظلام، وقوامها عصابات لا تعرف لها أولًا من آخر، والقتل العمد فيها أسهل من «شكة الدبوس» وأبسط من اصطياد صراصير الحمامات، والقتلى الذين سقطوا فى المسلسل عددهم أكبر من ضحايا زلزال بدرجة 6 ريختر فى دولة من دول العالم الثالث، حتى صار أمر حصر الضحايا عصيًّا على المشاهد، وذكرنى المسلسل بفيلم أمريكى عنوانه «وُلدوا ليقتلوا» وكان قبل عدة سنوات يمثل ذروة أفلام السادِية والعنف غير المبرر، وبعد المشاهدة لابد أن تسأل: هل يمكن أن يحدث هذا فى مصر؟!.. طيب: والبوليس فين وسايبهم ليه ؟!

مسلسل آخر عرض فى رمضان، ملىء بأعمال العنف والدم والخيانات، وكل ،أو النسبة العظمى، من أبطاله مصابون بالتشوه الأخلاقى، وأعتقد أنهم يحتاجون للتبرع لعلاجهم نفسيًا، أكثر من حالات السرطان.. لأن وجودهم الدرامى فى حد ذاته سرطان أخلاقى يمكن أن يصيب الكثيرين فى نفوسهم، وأرواحهم.

ومسلسل ثان، وثالث، ورابع، لكن بصراحة أكثر ما أصابنى بالأذى فى هذه الجرعة المكثفة من الدراما ليست مشاهد العنف ولكن النماذج المتفسخة، المبتذلة، لعلاقات الآباء بالأبناء، والأبناء بالآباء، والتى تم تقديمها بالطبع على أنها تعكس الواقع وتحاكيه، أو تعكس التربية الحديثة وتحاكيها.

وفى الساعات القليلة التى كانت تجمعنى بأولادى، قبل وأثناء، وبعد الإفطار، والسحور، أمام شاشة التليفزيون، التسلية الباقية للأسرة المصرية المتوسطة، كنت أشاهد هذه السجالات والحوارات، بل قل المعارك المخزية التى تدور بين الآباء والأبناء على الشاشة، وأشعر بالخزى والعار، وأنا أتصور أن ابنى يمكن أن يتحدث معى بهذه الوقاحة التى يتحدث فيها الابن فى المسلسل مع أبيه، أو العكس، وأرى الآباء والأمهات ضعافًا أمام أبنائهم، وضعافًا أمام أنفسهم لأنهم دائمًا مدانون، متهمون دائمًا، ومجرمون، ولصوص، وقتلة، وأقول لنفسى لماذا يركز كُتّاب الدراما على هذا التشوه بهذه الكثافة؟! ولماذا هذه الظاهرة .. ظاهرة جدًا فى دراما هذا العام الرمضانية؟!

(2)

التعليم يتم بالمحاكاة، والدراما حاضرة فى بيوتنا أكثر من حضورنا نحن الآباء، والأمهات، وأبطال الدراما عندما تكون محبوكة الصنعة تقدم شخصيات حية تمشى وتأكل وتتصرف أمام الأطفال والنشء، شخصيات لها صفات جسدية ونفسية، وأفكار تتسلط عليها، وأوهام وهلاوس، ومخاوف، وسجايا وتفكير، وأحكام على الأشياء، وأذواق.

انظروا حولكم فى الأيام القادمة وراقبوا الشباب الذى سوف يقلد فى مظهره لحية «رحيم» وتسريحة شعره، أو شنب سليم الأنصارى فى (كلبش 2) وتذكروا كم من العشوائيين الذين تقمصوا شخصية (عبده موتة)، وكم من المعارك نشبت فى الحارات المظلمة الرطبة لإعلان انحراف أخلاقى مبكر يحسبونه رجولة، وكم شخص ردد مقولة الممثل سيىء الذكر : «البيت اللى مفيهوش صايع حقه ضايع»، الآن يحق للآباء أن يربوا أولادهم على «الصياعة» حتى لا تضيع الحقوق (!!)

(3)

لم يكن آباؤنا على هذه الشاكلة ولم نكن نحن أبناء نكران وجحود، فنحن أولاد حلال، هكذا كانت الأعراف تتنقل من جيل إلى جيل، وهكذا كانت منابر المساجد والكنائس توصى الآباء والأبناء بالتراحم والمحبة، وتحذر من عقوق الوالدين.

(4)

فى شهور ثورة 25 يناير 2011 الأولى جذبتنى بشدة ظاهرة كان يراد تمريرها بين أبنائنا واخترقوا بها أول ما اخترقوا أطفال وشباب «الأولتراس»، وكتبت مقالا ربما كان الأول فى مصر بهذا المعنى وحذرت فيه من «الأناركية» أو «الفوضوية» وقيمها المدمرة، التى يبثونها عبر شبكة المعلومات فى أولادنا، ونظريتها الهدامة تتلخص فى كلمتين: «إسقاط الكبير»، والكبير هذا ليس الشخص أو الفرد فقط، ولكنها السلطة بكل مفاهيمها، بداية من سلطة الدين ممثلة فى قيمه الإيجابية، وسلطة الدولة فى حفظ الحقوق والنظام، وقد أوهموا الصغار أنه يمكن الاستغناء عن سلطة الدولة بالذات، ونقلها إلى جماعات أصغر، أو إلى الفرد ذاته، دفعا للفوضى (أنت حُر من كل القيود افعل ما تشاء)، وقس على ما سبق، التخلص من كل سلطة بعد ذلك من الأب والأم الفعليين، إلى رجل الشرطة والمدرس.

لكن الأناركية أو «الفوضوية» أبقت على سلطة واحدة كان شباب الأولتراس يكتبوها ويرسموها بالجرافيت على الحيطان: «البرازرهود» Brotherhood وهو مصطلح «ماسونى» صِرف.. ومعناه أخوة الدم، ودفعوا الصغار إلى أتون المعارك فى الشوارع، ليسقط منهم واحد فتشتعل الحمية بينهم ويندفعوا فى مزيد من العنف ثأرا لأخوة الدم!!

كانوا يتسللون إلى شبابنا من شاشات الإنترنت فى الغرف المظلمة، وصدقهم أبناؤنا الأبرياء خضر العيدان، بيض القلوب والعقول، تسللوا إليهم من مساحات الفراغ التى تركتها الأسرة، الأم والأب والأشقاء الكبار إن وجدوا، ولكن الله سلم ومرت الأمور بسلام، والآن تأتى قوة الفن المصرى التى نصنفها «القوة الناعمة» لتستأنف تشويه أجمل وأبقى وأقوى علاقة.. علاقة الأب والأم بالأبناء.. والعكس فانتبهوا يا أولى الألباب.

SHARE

اترك تعليق