الدكتور عادل عامر
وقد خاض المجتمع المصري أهم هذه التحوالت في القرن العشرين بعد سقوط الخالفة العثمانية
في 1924؛ فقد سعت مصر، كدولة وكشعب، إلى االستقالل وإنشاء دستور مستقل، وكان البد
في هذه اللحظة تحديد العالقة مع الدين؛ لذلك ظهرت عدة محاوالت كان أشهرها المشروع
التجديدي لإلمام محمد عبده، ومحاوالت رشيد رضا وحسن البنا.
وكان أكثر هذه المحاوالت تقدمية هي محاولة اإلمام محمد عبده، فقد كان ينادى بضرورة إنشاء
دولة مدنية ونفي السلطة الدينية عن الحاكم، وتحرير حرية الفكر والتعبير من القيود، واعتبار
الحريات المدنية والسياسية حقوق مقدسة. مع بناء الدولة الحديثة ظهر فاعلين جدد في إطار
األجهزة الجديدة، أولها: الجيش الحديث وثانيها: البيروقراطي ورجل الدولة، وثالثها: المثقف ابن
البعثات إلى أوروبا والتعليم المدني،
وذلك كأحد أهم بناتها، ومن هنا كانت عالقته بالدولة أحد أبرز خصوصيات نشأة المثقف
الحداثي – واألحرى شبه الحداثي- في عالقته بالسلطة والسياسة والدولة على خالف مسارات
تاريخية أخرى في العالم والمنطقة. ترتب على ذلك استعارة الهندسات القانونية واالجتماعية –
وبعض االجتماعية الحدثية – من المرجع التاريخي الالتيني – اإليطالي والفرنسي – ومن
خاللها نشأت وتكونت الجماعة القانونية ودورها القيادي التاريخي في بناء الدولة الحديثة
والنظام شبه الليبرالي، على نحو أدى إلى تراجع دور رجل الدين في السياسة والقانون وفي
دائرة الدولة إال بوصف األزهر أحد أجهزة هذه الدولة ويعتمد عليها في تمويل أنشطته الدينية.
ال شك أن عمليات التحديث السلطوي للقيم وأجهزة الدولة والقوانين والتعليم ساهمت في إحالل
المؤسسات الحديثة، واعتمادها على المرجع األوروبي الحديث والحداثوي المبتسر على نحو
أدى إلى بروزها في صدارة الدولة.
وتشكلت عبر عمليات البناء والهدم لبعض األبنية والقيم القديمة مما أدى إلى تكرس االزدواجية
في التعليم الديني والمدني إلى جانب التعليم العسكري، وإلى تطور التعليم الحديث ومناهجه
ومواده، بينما استمر التعليم الديني األزهري حول األزهر الشريف، يعاد إنتاج القديم والموروث
والنقلي الفقهي والكالمي والتفسيري واإلفتائي، كأحد قالع الدفاع عن المؤسسة ورجال الدين
ومكانتهم االجتماعية وتصوراتهم عن الهوية اإلسالمية، وعن القيم والثقافة اإلسالمية الموروثة.
من هنا كان الجمود والحفاظ على الموروث في بعض إدراك شاع لدى رجال الدين، هو دفاع
عن الدين والمقدس.
من هنا يبدو لي أن المقاربة التاريخية ألزمة العقل والفكر اإلسالمي هي المدخل – ضمن
مداخل أخرى – لفهم وتفسير حالة الجمود والمحافظة التي اعترت هذا العقل. إن وراء هذا
الجمود التاريخي عديد العوامل واألسباب يمكن لنا رصد بعضها فيما يلي:
تاريخيا تعود إلى ما اتفق عليه العلماء في منتصف القرن يبدو أن أحد آثار أزمة الفكر الديني
الرابع الهجري على سد باب االجتهاد وذلك بعد أن “د ب الضعف في جسم الدولة اإلسالمية،
وأخذت عوامل التفرقة واالنهيار تسري في كيان الدولة، فتفككت، وأصبحت دوال متفرقة داخل
دولة هرمت وهزلت والخلفاء وقعوا تحت سيطرة األتراك حينا ، وتحت سيطرة الديلم حينا ومن
بني بويه حينا آخر وأتت بعد ذلك غارة التتار فقضت على البقية الباقية. وتبع هذا االنحالل
تدريجيا االستقالل الفكري وركنوا إلى التقليد وبعدوا عن السياسي أن مات في نفوس الفقهاء
شيئا فشيئا حتى قفل باب االجتهاد وأصبح الفقيه يلزم مذهبا معينا بل أفتوا بمنع انتقال االجتهاد
المقلدين من مذهب إلى مذهب”. )انظر مؤلفه المدخل للفقه اإلسالمي، تاريخه ومصادره ط4
دار النهضة العربية بالقاهرة 1969.)
استهدف قفل باب االجتهاد مواجهة ظاهرة الوضع لألحاديث، ومحاولة الوقوف أمام آثارها
دعما السلبية والخطيرة، ومن ثم سعي بعضهم بالباطل ال يجاد سند في المصدر السنوي للشريعة
آلرائه ومصالحه.
بعض األثر السلبي تمثل في تمدد الجمود الفقهي، وإعادة إنتاج الموروث واألخطر شيوع
النزعة النقلية على النزعة العقلية في التعامل مع تاريخ وإنتاج المذاهب الفقهية السنية، على نحو
أدى إلى ظاهرة تبجيل اآلباء / الفقهاء العظام المؤسسين للمذاهب والتابعين وتابعي التابعين لهم،
ووصل التقدير لهذا اإلبداع الفقهي في زمانه وأمكنته وأسئلته إلى درجة ما من درجات االحترام
وعلما وتكوينا إلى الممسوس بالقداسة، والذي حجب لدى بعض رجال الدين ممن هم أقل درجة
االنصياع النسبي إلى هذا الميراث،
وعدم مساءلته لديهم في ضوء تغيرات الزمان والمكان والبشر وثقافتهم وقيمهم الوضعية
المتغيرة، ومشكالتهم. يبدو أننا في مسارات تاريخنا الفقهي والمذهبي تناسى بعض أجدادنا
وأسالفنا في مصر – وبقية البلدان العربية واإلسالمية – أن اإلسالم دين بال واسطة، بين
اإلنسان المسلم وبين هللا سبحانه وتعالى
الطغيان يولد القمع المادي والفكري والفقهي ويؤدي إلى تماهي بعض الفقه واإلفتاء والمفتيين
مع السلطان، ويميل معه حيث يميل أيا كانت وجهته أو تناقضه.
إن بعض رجال الدين يتناسى هذا البُعد الهام في تدهور اإلنتاج الفقهي وجموده بادعاء أن قفل
باب االجتهاد، كان أكذوبة تاريخية، وأن المجامع الفقهية الحديثة حاولت أن تجتهد في إبداء
اآلراء حول قضايا معاصرة.
هذا الرأي يخلط بين األثر التاريخي السلبي على العقل الفقهي وعملياته الذهنية وإنتاجه، والفجوة
الكبرى بين حيوية العمليات االجتهادية، وبين الجمود والركود التاريخي، وأثره العقلي وعدم
مواكبة أسئلة ومشكالت المسلمين ومجتمعاتهم بعد إغالق هذا الباب الرحب. من ناحية أخرى،
ال يزال إنتاج هذه المجامع الفقهية دون المطلوب.
من ناحية أخرى لم يستطع هذا اإلنتاج األفتائي للمجامع الفقهية، أن يواجه فقه القاعدة
الراديكالي، وال أيديولوجيا التوحش والتطرف.
وقد ظهر تأثير المحاوالت التقدمية التي قدمها محمد عبده وتالميذه، في دستور 1930؛ فبعدما
نص دستور 1923 على أن ”اإلسالم دين الدولة“، تم إلغاء هذا النص في الدستور الجديد في
1930 ،وأكتفى على النص بأن ”المصريون متساوون في الحقوق والواجبات وال تمييز بينهم
بسبب األصل، أو اللغة، أو الدين ”، ولكن ألن الفترة لم تكن كافية لترسيخ قيم الدولة المدنية،
وخاصة بعد ظهور جماعة االخوان المسلمين كقوة اجتماعية ودينية؛ لها نظرة رجعية فيما
يخص عالقة الدين بالدولة، حيث أن فكرة الخالفة اإلسالمية وضرورة تحول الدول العربية إلى
دول إسالمية أو على االقل دول مدنية بمرجعية إسالمية على رأس أولوياتهم.
وعلى أثر توغل جماعة االخوان في المجتمع المصري، أصبحت ألفكار الجماعة صدى ليس
فقط في األوساط الريفية بل في القاهرة أي ضا وباقي المدن الكبرى، ولذلك أعاد النظام الناصري
نص المادة التي تنص على أن االسالم دين الدولة، مرة أخرى في دستور 1964 .وبمرور
الوقت ومع حدوث عدة تغييرات في نسيج المجتمع المصري، وخاصة بعد نكسة 1967
والشعور العام بأن” الهزيمة سببها البعد عن الدين”
من هنا نستطيع وضع مفهوم ومطلب تجديد الخطاب الديني اإلسالمي تحديدا بوصفه رد فعل
على األعمال اإلرهابية والوحشية التي تمارس تحت مظلة السند الديني الفقهي والتأويلى
“المتشدد والمتطرف”، وأحد مداخل الحل والمواجهة السلطوية لهذه الجماعات وذلك بهدف
تجفيف المنابع اإليديولوجية التي يستمد منها أيديولوجيو ومنظرو هذه الجماعات مئونتهم
وعدتهم الفقهية، التي تبرر هذا العنف الوحشي المفتوح في المنطقة والعالم بكل اآلثار السلبية
على صورة اإلسالم العظيم الديانة والعقيدة والثقافة والقيم الفضلى السمحاء. عنف وحشي إعادة
إنتاج الصور التاريخية القرو وسطية واالستشراقية السلبية عن اإلسالم والمسلمين.
وأن الدين البد أن يحظى بمكانة أكبر ومع نمو تيارات اإلسالم السياسي، حدث تطور نوعى
في العالقة بين الدين والدولة، فقد ظهرت مصطلحات مثل “ الرئيس المؤمن“ على الرئيس أنور
السادات، كما نص دستور 1971 وألول مرة ليس فقط بأن الدين اإلسالمي هو دين الدولة، بل
بأن الشريعة االسالمية هي المصدر الرئيس للتشريع، وبذلك تحولت الدولة من مجرد ، أن لها
دين يمثل دين االغلبية إلى دولة متدينة ولها دين مفضل
SHARE

اترك تعليق