حلقات يكتبها: عاطف عبد الغنى

فى يوم 06-12-2007 الساعة 15:07 أرسل السفير فرنسيس ريتشاردونى لخارجية بلاده رسالة سرية، سربها موقع “ويكيليكس” فيما بعد كان موضوعها، التمويل الحكومى لمؤسسات الدبلوماسية الموازية التى تعمل فى مصر تحت ستار “المجتمع المدنى” وتنفذ أجندات التغيير، وهى 4 مؤسسات سوف يرد ذكرها، لاحقا، ورأى السفير لحكومته فى توزيع ميزانية هذا التمويل للعامين الماليين، 2007-2008، و2008-2009.

الرسالة

دعونا نقرأ مقتطفات من الرسالة، ونحاول أن نفهم ما بين سطورها.
تقول السفارة فى الملخص والمقدمة: ” بعد الكثير من المداولات التي شاركت فيها سفارة القاهرة بالكامل، وافقت الوكالة المشتركة على تخصيص 66.5 مليون دولار لبرامج الديمقراطية والحكم في مصر للسنة المالية 2008 و 75 مليون دولار للسنة المالية 2009. تمثل هذه الأرقام المجاميع السنوية لدعمنا للمجتمع المدني – المنظمات غير الحكومية الأمريكية والمصرية على حد سواء – وكذلك للبرامج التي تنفذ مع الحكومة المصرية في مجالات إقامة العدل وإصلاح وسائل الإعلام واللامركزية.
وبعد المقدمة يقول السفير رأيه ” ونحن نعتقد أن الاستجابة المصرية المحتملة لهذا المستوى من التمويل ستكون سلبية، ونعتقد أن المنظمات غير الحكومية الأمريكية والمصرية التى لن تملك القدرة على الإنفاق على المستوى المرجو لن تأتى بالنتائج المرجوة والمساءلة المطلوبة.
هذا غير الجدل المثار بشأن تخفيض المبلغ عند السنة المالية 2009 إلى 50 مليون دولار، مع القول إذا تغيرت الظروف ، أو أثبتت توقعاتنا أن الحكومة المصرية محافظة للغاية فى مسألة التغيير، يمكننا التفكير في إضافة أموال أخرى للتمويل اقتطاعا من مصادر أخرى في مصر.”
فى شهر نوفمبر من هذا العام 2007 (قبل هذه الرسالة بشهر تقريبا) زارت وزيرة التعاون الدولي فايزة أبو النجا واشنطن، وعرفت أن المساعدات الأمريكية المقررة منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل (المعونة الأمريكية) للسنة المالية 2009 سوف يتم تخفيض مبلغها ليصبح 200 مليون دولار بدلا من 415 مليون دولار للسنة المالية 2008 إلى 200 مليون دولار.
وفى هذا الشأن دارت نقاشات، وفي اجتماع عقد بالقاهرة مع نائب مساعد الوزير الأول للشؤون المالية الدولية، إليزابيث دابل، صدر فيه الجانب المصرى للمسئولة الأمريكية مشاعر الإحباط وخيبة الأمل والغضب والإنكار الشعبى، ودعونا نقول أن خفض المعونة الأمريكية وتوجيه مبلغ الخفض لما يسمى المجتمع المدنى، والدبلوماسية الموازية، كان بجهود تحريضية كبيرة قادها د. سعد لدين إبراهيم بالأساس، وعاونه فيها أصدقاء أمريكا فى القاهرة، والمترددين على واشنطن، أمثال هشام قاسم، نكاية فى النظام المصرى، ومن باب زيادة ممارسات الضغط لإسقاط نظام حسنى مبارك، والإسراع فى تنفيذ برنامج التغيير.

المنظمات العاملة فى مصر

يعنينا أيضا فى الرسالة المشار إليها، أنها ذكرت بالأسم المنظمات الأمريكية العاملة فى الداخل المصرى (دون ترخيص من الحكومة المصرية) وهى: معهدان تابعين للحزبين الرئيسيين فى أمريكا (الحزب الديموقراطى، والحزب الجمهورى NDI و IRI)، ، وكذلك المنظمة العالمية لأنظمة الانتخابات International Foundation for Electoral Systems، ويرمز لها بـ (IFES) و (بيت الحرية Freedom House) ، وكان موكل لهذه المؤسسات التى تتلقى تمويل مباشر من هيئة المعونة الأمريكية يو أس أيد USAID التابعة للخارجية الأمريكية، تنفيذ برامج محددة فى مصر، على سبيل المثال حصلت منظمة فريدوم هاوس على منحة قدرها 900،000 دولار في السنة المالية 2006 لدعم تطوير المجتمع المدني ومناصرة الإصلاح في مصر، وهذه المنظمة التى أسسها ورأسها يهودى تولت رفع التقارير السلبية عن مصر فى مجال حقوق الإنسان بشكل مريع مركزة على الأقباط لتشويه صورة الدولة المصرية لدى الإدارة الأمريكية والكونجرس، وانبثق منها مؤسسة أخرى هى “فريدوم كوست” كانت تنسق مع الإخوان وتتولى الإنفاق على قضاياهم بدعوى أنهم سجناء رأى وهم يمارسون نشاطات محظورة، ومأثمة بحكم القانون.
تكشف الرسالة أيضا أنه تم تقديم منح مباشرة لحوالي أربعين منظمة غير حكومية مصرية، ويؤكد السفير الأمريكى “نعتقد أننا نمول كل مؤسسة في مصر تقريبًا ترغب في العمل معنا وتفي بمعايير المنح المباشرة.”
وينتهى السفير الأمريكى فى رسالته إلى القول : “يمكن أن تتغير الظروف السياسية في مصر بشكل كبير ومفاجئ في أي وقت خلال السنوات القليلة المقبلة ، إذا توفي الرئيس مبارك أو أصبح عاجزًا قبل إكمال فترة ولايته في عام 2011. وحتى ذلك الحين ، فإن قيود الحكومة المصرية التي تؤثر على عمليات مجموعات المجتمع المدني هي من غير المحتمل أن تتحسن بشكل كبير أو سريع.”
والكلام لا يحتاج إلى شرح، كان المخطط قائما، مع الوضع فى الحسبان تاريخ محدد فاصل فيه هو عام 2011.

“نيد” المؤسسة الأخطر

لم تكن الحكومة الأمريكية فقط هى التى ترسل بالأموال للنشطاء فى مصر، فقد كانت هناك مؤسسة أخرى، صحيح أنها تعمل تحت مظلة ودعم الخارجية الأمريكية، لكن كانت لها قصة أخرى، خاصة بمسألة التمويل وضخ الدولارات لتنفيذ مخطط التغيير.
مؤسسة التمويل الرئيسية لنشاطات ونشطاء الربيع العربى، خرجت من الركام المتوارث للصراع ما بين الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتى (قبل انهياره) ومن أفكار الحرب الباردة ولدت “نيد” وبالإنجليزية : “NED” والحروف الثلاثة اختصار لمسمى:
“The National Endowment for Democracy”
وترجمتها: “الوقفية الوطنية للديموقراطية” وهو ثعبان ضخم أبتلع ثعابين كثيرة وخرج من فمه ثعابين أكثر فيما يخص مجال دعم النشاطات المتعلقة بما يسمى بـ “التحول الديموقراطى” وهو مسمى تجميلى يوجه للدول التى تستهدفها أمريكا والغرب بتغيير أنظمتها الحاكمة بعنف لإحداث عملية تغيير يتم من خلالها تدوال السلطة وتوصيل المؤمنين بالعولمة والليبرالية الجدية لسدة الحكم وكراسى السلطة، ليصبحوا تابعين أيدلوجيا وفكريا لمعسكر الليبرالية الجديدة، ومن ثم ينشر الأخيرون تلك القيم والأفكار بين الشعوب، لضمان تبعيتها وولائها السياسى، والتمهيد لتحكم مؤسسات العولمة الأممية على تلك الدول، والسيطرة على اقتصاديتها، من خلال ربطها بمنظومة الرأسمالية العالمية، وأهم من كل ما سبق نبذ الأديان السماوية لصالح معتقدات أسطورية مثل الماسونية التى تنتهى إلى الصهيونية، أو نشر الأرواحية، وعقائد الشرق الأقصى الأسطورية، المهم هدم المسيحية والإسلام، لأنهما عقبة أمام تمدد الصهيونية الدينية، والسياسية.
وهدم الدين يمهد له نشر الرزيلة، ومخالفة الفطرة الإلهية فى خلق الإنسان، بنشر الشذوذ، وتمريره بخبث شديد من خلال اعتماد ما يسمى “الجندر” ويتم من خلال نشر سياسات “الجندر” تغليب الدور الاجتماعى على الطبيعة التى خلق الله عليها الذكر والأنثى، بمعنى أن المرأة يمكن أن تقوم فى المجتمع بدور الرجل، والرجل كذلك، ويكون كلاهما فى هذه الحالة ليس بحاجة للآخر، ويمكن الاستغناء عنه لصالح نوعه، فيتزوج الرجل من الرجل، والأنثى من الأنثى، ومسألة الإنجاب مسألة أخرى يبحث لها عن حلول (!!).
وتاسيسا على ما سبق، وبالتوازى، تم ترسيخ مفاهيم النسوية “الفيمينزم”، والترويج فى محلات الملابسن والمكياج للنوع الواحد “اليونسيكس”، للعمل على نبذ الفروق البيلوجية بين الذكر والأنثى، لنشر رذيلة الشذوذ الجنسى كما أسلفنا، وكلها مفاهيم تهدم الأسرة الخلية الأولى التى جعلها الله أساسا للمجتمعات البشرية، وعمار الأرض.
وكان جزء مما سبق يتم تحويله إلى برامج، ويتم تمويل نشطاء فى مصر لتبنيه، والدفاع عنه، ونشره، وسوف ننشر لاحقا الأسماء والمبالغ التى تلقاها النشطاء، وكشفتها عنها “NED نيد” المؤسسة المانحة، وقد نشرت الأخيرة، فى عيدها لـ (25) على موقعها الرسمى رحلتها منذ النشأة، والهدف من وراء ذلك، ونشاطاتها إلى آخره.. فى تقرير وضعه نائب رئيس المؤسسة ديفيد لوى، استهله بالقول إنه تم إطلاق الوقفية الوطنية للديموقراطية “نيد” بداية الثمانينيات من القرن العشرين الماضى، بناء على فكرة مفادها أن “نشر لديموقراطية بديلا لتقديم المساعدات الأمريكية في دول العالم، شىء جيد لكلا من الولايات المتحدة من جهة، ومن يكافحون في جميع أنحاء العالم من أجل الحرية والحكم الذاتي.”
وأرادت أمريكا من إنشاء “نيد” تقديم نموذج لأوروبا والدول الحليفة (المانحة فيما بعد) لمنظمة غير حكومية تتلقى تمويلًا عامًا لتنفيذ مبادرات الديمقراطية، وأن تفكر بلدان أخرى فى إنشاء نماذج مثيلة لـ “نيد” لتشارك في هذه الحركة العالمية المهمة.

المهمة

ويدعى الأمريكان أن هذه الأفكار الخاصة بنشر أفكارهم الديموقراطية حول العالم ولدت مع تأسيس بلادهم، ولكنها فى الحقيقة ولدت مع التفكير الإمبراطورى الاستعمارى لوريثة الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، ونشطت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية ونشوب الحرب الباردة بين قطبى العالم الجديدين، أمريكا، والاتحاد السوفيتى.
وفى أوج استعار هذه الحرب، ودعما للنشاطات الاستخباراتية الأمريكية فى المعسكر الشيوعى، بادر عضو الكونجرس عن فلوريدا دانتي فاسيل، بتقديم مشروع قانون في أبريل 1967 لإنشاء معهد للشؤون الدولية، ومن شأن القانون حال إقراره أن يسمح بتمويل علني لبرامج تعزيز القيم الديمقراطية فى البلاد التى تستهدفها أمريكا، ولم تتم الموافقة على مشروع القانون، إلا أنه فتح باب المناقشات داخل الإدارة الأمريكية وفي البرلمان “الكونجرس” وأثار الأسئلة بشأن كيفية تطوير مناهج جديدة لمحاربة الشيوعية، بدعوى نشر ثقافة حقوق الإنسان، والديموقراطية.
نقلة أخرى مهمة فى هذا الصدد جاءت مع تولى الرئيس جيمى كارتر الحكم أواخر سبعينيات القرن العشرين، وجعله من نشر ثقافة حقوق الإنسان، والديموقراطية، عنصرا أساسيا في السياسة الخارجية الأمريكية، وعاد عام 1978 عضو الكونجرس فاسيل الذى انضم إليه دونالد فريزر، يقدمان للكونجرس مشروع قانون بإنشاء منظمة غير حكومية مستقلة بذاتها:
(quasi-autonomous non-governmental organization)
تكون مهمتها النهوض بحقوق الإنسان، وكان مشروع القانون هذا مقدمة لإنشاء معهدًا لحقوق الإنسان والحرية يقدم المساعدة الفنية والمالية للمنظمات غير الحكومية التي تعزز حقوق الإنسان في الخارج.
وفى ألمانيا أواخر السبعينيات تم إنشاء نموذجا آخر، موجود بالفعل عدد من المؤسسات أنشأها الحزب الاتحادي الألماني، بعد الحرب العالمية الثانية للمساعدة في إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية في ألمانيا التي دمرت قبل جيل من النازيين.
عرفت هذه المؤسسات باسم “Stiftungen”، وعددها 4 توافقت كل منها مع أحد الأحزاب السياسية الألمانية الأربعة، وتلقت تمويلًا من خزانة ألمانيا الغربية، وفي الستينيات من القرن الماضي، بدأت فى مساعدة نظرائها الأيديولوجيين في الخارج، وبحلول منتصف سبعينيات القرن العشرين كانت هذه المؤسسات المانحة تلعب دورًا مهمًا في التحولات الديمقراطية في شبه الجزيرة الأيبيرية.
القصة طويلة، ولمن يريد العودة إليها فى نصها الأصلى نحيله إلى هذا الرابط: ” https://www.ned.org/about/history/”

انتظرونا فى الحلقة القادمة.

SHARE

اترك تعليق