تركيا والسياسة المزاجية

تركيا والسياسة المزاجيةالدكتور أحمد الشحات

الرأى5-5-2022 | 14:40

تتسم ملامح السياسة الخارجية التركية مؤخراَ بالأداء المزاجى والخيارات المتعجلة والتباين في المواقف فتارة تتبنى مواقف متشددة ضد دول بعينها في المنطقة وتارة أخرى تحاول إتخاذ إجراءات للتقارب مع نفس الدول دون مبرر واضح . ولكن ذلك بالطبع يأتي في ضوء أهداف واضحة للسياسة الخارجية التركية ترتبط بحماية مصالحها على المستوى العالمي والإقليمي وسعى لإنعكاسها على الوضع الداخلى .

أصبحت أنقرة مؤخرًا أكثر انخراطًا ونشاطًا في الشرق الأوسط. ويعتقد أن هذا التغيير يعني انسحاب مستتر لتركيا من الغرب ولو بشكل مؤقت،كون تحقيق مخططاتها في المنطقة يتعارض مع اندماجها الغربي. ومع ذلك،يعتقد البعض أن مزيجًا من الأمن والتنبؤ بالطاقة والاعتبارات العقلانية والمصالح الوطنية أجبر تركيا على دفع سياستها الخارجية تجاه الشرق الأوسط مرة أخرى.

في ذات السياق نلاحظ قيام الرئيس التركي " أردوغان" مؤخراً بزيارة المملكة العربية السعودية،والتي تعد الأولى منذ نحو خمس سنوات،بعد توتر ساد علاقات البلدين نتيجة تعدد القضايا الخلافية بينهما،أبرزها مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول،واتهام الرياض أنقرة باحتضان قيادات من جماعة الإخوان المسلمين.

تأتي مساعي أردوغان لطي صفحة الخلاف مع السعودية،ضمن إطار جهود إقليمية واسعة دشنها في الفترة الأخيرة لتحسين علاقة بلاده مع عدد من الدول في المنطقة،على رأسها مصر والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل،في مواجهة عزلة دبلوماسية متزايدة أدت إلى تراجع كبير في الاستثمارات الأجنبية وأثرت سلبا على الاقتصاد المحلي.

ولا شك أن سياسة أردوغان التصادمية جعلته يدخل في مشاكل متعددة مع دول المنطقة على سبيل المثال سوريا،التي كانت أقرب الدول العربية إلى تركيا جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا وكانت العلاقات سابقاً شاملة وتأخذ الطابع الإستراتيجى،وصلت للتدخل العسكرى وإلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين وتداعيات أخرى.

وقد سيطر الطابع الإقتصادى على إطار التحركات التركية الأخيرة سواء زيارته السايقة لدولة الإمارات ولاحقاً توجهة للسعودية وبين الحين والأخر تسريب نوايا للتقارب مع مصر،فالإقتصاد التركي لا يستطيع الاستغناء عن العالم سواء على المستوى الإقليمى أو الدولى،على العكس من الاقتصاد الروسي،الذي لديه المقومات من مواد خام ومدخلات تصنيع وغيرها،وكذلك الصين التي تستطيع التصنيع وتسويق منتجاتها محليا نظرا للحجم الهائل من السكان،فالصين لا تحتاج إلى أسواق خارجية على العكس من روسيا حال تعرضت لأزمة مثل الذي حدث معها بعد الحرب في أوكرانيا. كما أن النفط والغاز والاستثمارات والتكنولوجيا جميعها من الخارج،إضافة إلى أنه يحتاج إلى الأسواق الخارجية من أجل تسويق منتجاته.

ختاماَ : يُمكن التنبؤ بأن العصر الجديد في العلاقات العربية التركية وخاصة الخليجية منها سيتطور خلال المرحلة المقبلة،مدفوعاً بشكل رئيسي برغبة كافة الأطراف في التعاون الإقليمي للمصالح المشتركة وإحتواء النفوذ الإيراني الذي يُتوقع أن يكتسب زخماً أكبر مع اتجاه إدارة بايدن إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي مع طهران ورغبتها في دفع حلفائها في المنطقة إلى تشكيل تكتل لتولي مسؤوليات أكبر في إدارة الوضع الإقليمي في المستقبل. ولكن كل ذلك يرتبط بحسن النوايا التركية والبعد عن السياسات المزاجية ونزع مسببات الخلاف،وفرض رؤى توافقية في ضوء عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية.

أضف تعليق

الأكاديمية العسكرية ومنظومة بناء الإنسان

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان