مساء الأربعاء الماضي، صدر بيان وزارة البترول والثروة المعدنية حول حادث نشوب حريق فى سفينة التغييز وسفينة التخزين المتواجدتين بـ ميناء دمياط ، البيان جاء فى 151 كلمة، لم يكن هو الأول فى النشر حول الحادث بل سبقه فى النشر خبر لوكالة "رويترز" للأنباء البريطانية بما يقارب الخمس وأربعين دقيقة، وبيان آخر صدر عن شركة أمبري للأمن البحري ثم بيان منفصل لشركة "إنشكيب" لخدمات الموانئ البريطانية.
ليتلقف الجميع نبأ الحادث، وتبدأ كل منصة إعلامية أو صحيفة أو وكالة أنباء العمل عليه، ليس وفق القواعد المهنية المعمول بها التي يتحدث عنها الجميع لكن وفق المسار والخط المحدد للسياسة التحريرية التي قد يُصيبها الشطط لتتوافق مع المتغير الأخطر على الساحة الإعلامية "التوجه" متجاهلة الموضوعية أو المهنية الواجب العمل بها، لتدفع بالحدث وفق مسار الحرب النفسية المحدد له لتدمير الشعوب.
حرب على العقول.
لم يكن حادث استهداف سفينة التغييز وسفينة التخزين بميناء دمياط هو الأول من نوعه فى المنطقة أو فى العالم، وهذا ليس للتقليل من خطورته، لكن لوضع الأمور فى موضعها الصحيح، فاستهداف سفن الطاقة ومراكز التخزين وسلاسل الإمداد يعد إحدى أدوات إدارة الحروب للضغط على الدول أو الشعوب.
ودعونا نتوقف عند عدة نقاط فى هذا الحادث لننطلق منه إلى مجموعة من المتغيرات والأحداث شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية وارتفعت وتيرتها خلال الأشهر الأخيرة بشكل واضح، حتى بات الأمر مكشوفًا بفجاجة لمن يدقق فى المشهد ويربط الخيوط والمسارات ويتابع التقاطعات.
أولاً: إن ما يدور هو أحد أخطر مراحل الحروب النفسية، المُعدة باحترافية شديدة والتي تستهدف الشعوب خلال أوقات الأزمات.
وبعيدًا عما قد يدفع به البعض برفضه نظرية المؤامرة أو قبولها، علينا أن ندرك أسلحة الحروب سواء التقليدية أو الحديثة، والتي تعتبر العمليات النفسية أحد أخطر أدواتها لما لها من تأثير على الروح المعنوية لدى المقاتلين على خطوط المواجهة الأمامية فى المعركة؛ أو الشعوب التي تقف فى الخطوط الخلفية داعمة لقواتها ومساندة لها بقوة مما يجعل تلك القوات قادرة على المواجهة والنصر.
ثانيًا: المنطقة تشهد متغيرًا يدفع به بقوة خلال الشهور الأخيرة وهو تصدير نموذج الدولة الفاشلة لخلق حالة من الإحباط لدى الشعوب، وتقوم على تلك العمليات مجموعات تحترف أساليب الحرب النفسية تساندها أدوات إعلامية هي بمثابة قنوات الاتصال بين واضعي تلك الخطط والجمهور أو الشعوب المستهدفة، وقد شهدت الفترة الأخيرة نشاطًا غير مسبوق لكتائب إلكترونية تابعة لتنظيم الإخوان الإرهابي وقنوات داعمة للتنظيم، ومراكز تدعى مراكز بحثية أو مراكز دراسات تتخذ من بريطانيا مقرًا لها، وصفحات على السوشيال ميديا تدّعي أنها تدقق المعلومات وتصححها وهي تزيف الحقائق، وجميع تلك الأدوات يمولها معين واحد.
فقد عمدت قنوات التنظيم الإرهابي فى الخارج ونشطاؤها على السوشيال ميديا إلى تصدير نموذج الدولة الفاشلة، وسقط فى فخ هؤلاء بعض ممن لا يدققون المعلومات سواء كانوا نخبًا أو غيرهم، وهو ما يتطلب منا الانتباه لذلك جيدًا.
فما يُعرف بـ"حروب اللاعنف" التي ظهرت فى تسعينيات القرن العشرين اعتمدت فى التمهيد لها على تصدير نموذج الدولة الفاشلة والنيل من صورة القائد، وتشويه القدوة، لتصبح الشعوب فى حالة من عدم الثقة فيسهل السيطرة عليها والدفع بها فى الاتجاه المحدد لها، سواء كانت الفوضى؛ أو تدمير الدول من الداخل بالانقسامات والصراعات.
إن عودة مثل تلك المسارات إلى المشهد وظهورها بشكلٍ واضحٍ خلال الفترة الأخيرة وعملها بمنهجية مرتّبة يجعلنا أمام محاولة إعادة إنتاج لمشهد الفوضى من جديد، وهو ما دعاني إلى تحليل المشهد علّنا نتعرف على مَن يقف خلف السيناريو الجديد للفوضى.
(1) قبل أن أقف على تفاصيل ما حدث (الأربعاء الماضي) يوم 29 يوليو، دعوني أشير إلى ما قد يسقط فيه بعض الكتاب المتخصصين وأظنه عن غير عمد، من تشكيك فى معلومات أو بيانات قدمها أو عرضها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح القيادة الاستراتيجية من أن أحداث 2011 كلفت الدولة المصرية خسائر بلغت 450 مليار دولار.
فقد قام الأستاذ أحمد السيد النجار بنشر مقال الأحد الماضي 26 يوليو بأحد المواقع خلال الحلقة الأولى، حاول من خلاله استعراض البيانات الخاصة بالناتج المحلي الإجمالي للدولة المصرية خلال الفترة من 2008 وحتى 2014 ليبرهن على وجهة نظره بأن الرقم قد لا يكون دقيقًا.
وهنا يجب أن ندرك الفارق بين ما عرض لتبرير وجهة النظر الخاصة بالأستاذ النجار، وبين الحقيقة التي لم يتعرض لها والمتسببة فى الرقم الذي عرضه الرئيس.
فخلال عام 2011 ومع الأحداث التي ضربت المنطقة ومنها مصر، وتعرضنا لها تفصيلاً من قبل على صفحات مجلة "أكتوبر" وفي مقالات عدة تعرضت الدولة المصرية لهزات اقتصادية عنيفة على أثرها انخفض حجم الاحتياطي النقدي من العملة الأجنبية من 36 مليار دولار فى بداية العام ليصل إلى 18.1 مليار دولار نهاية 2011 أي انخفض حجم الاحتياطي النقدي بنسبة 50% وواصل انخفاضه حتى نهاية 2014 ليصل إلى 15.3 مليار دولار أي بفارق بلغ 21 مليار دولار تقريبًا.
لم يكن هذا فقط بل إن مصر عندما أرادت إعادة بناء ما تم هدمه وحرقه من ممتلكات عامة ومؤسسات دولة (محاكم، ونيابات، ومراكز، وأقسام شرطة، ومراكز احتجاز) تم حرقها خلال أحداث 2011، بالإضافة إلى 3141 مركبة شرطة وفقد وإتلاف 16157 قطعة سلاح التي كانت فى بؤرة استهداف التنظيم الإرهابي، ومرافق أخرى، وهنا سأذكر جزءًا من هذه الخسائر التي تكلف استعادة بنائها مبالغ مضاعفة، بالإضافة إلى الحرب المستعرة التي مورست على النقد الأجنبي لإضعاف العُملة المحلية، والجميع يعلم مَن كان يدير السوق الموازية وكيف استطاعت عناصر التنظيم الدولي العمل على هذا الملف فكانت العُملة الأجنبية لدى المصريين بالخارج يتم استبدالها بالعُملة المصرية خارج المسار الرسمي لزيادة الفارق بين سعر صرف العُملة فى البنوك وسعرها فى السوق الموازية، ولعلنا لا ننسى ما كانت تشيعه تلك التنظيمات وتجار الأزمات من أن سعر صرف الجنيه قد يصل بالعُملة المحلية إلى 100 جنيه مقابل الدولار.
وعلينا ألا ننسى تدمير نحو 100 برج كهرباء وأكثر من 150 كشكًا ومحولاً، كم تكلفت إعادة إصلاح تلك المرافق وآثارها الاقتصادية على القطاع بالإضافة إلى الحرب على الإرهاب التي استمرت 10 سنوات وتكلفة تلك الحرب ؟!
كل تلك المتغيرات لم تكن موجودة قبل 2011 وكذا آثارها الاقتصادية التي تعد جزءًا من الأزمة، أدت إلى خفض قيمة العُملة مقابل الدولار وأيضًا استنزفت جزءًا كبيرًا فى الإنفاق، فلم تدخل مصر حربًا استمرت على مدى 10 سنوات على كل الاتجاهات الاستراتيجية من قبل بلغت تكلفتها 120 مليارًا وحدها.
ثم علينا أن ننظر إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة التي أصابتها أحداث 2011 بالكثير من الأضرار وما تحملته من أعباء نتيجة حالة السيولة التي ضربت الدولة.
إن محاولة تقديم الصورة بشكلٍ منقوص يستوجب المراجعة فى ظل حرب شرسة تستهدف تشويه صورة الدولة.
(2) أعود إلى ما حدث الأربعاء الماضي والمنزلق الذي سقطت فيه بعض وسائل الإعلام مندفعة خلف السوشيال ميديا والشائعات، ثم استكملت المشهد يوم الخميس لتسقط فى فخ سبق أن سقط فيه البعض من قبل فى عام 2015 خلال الحرب على الإرهاب فى سيناء ، وكيف أن البعض اندفع خلف معلومات غير مدققة ولم يعبأ بالمعلومات الرسمية التي عرضها المتحدث العسكري فى ذلك اليوم حول سير العمليات فى مواجهة الإرهاب.
ليأتي البيان نهاية اليوم فى السابعة مساءً كاشفًا وموضحًا لتفاصيل المعركة التي دارت بين أبطال القوات المسلحة والعناصر التكفيرية؛ وكيف أسقط أبطال القوات المسلحة حلم قوى الشر فى سيناء.
لقد قادت السوشيال ميديا المشهد فى هذا اليوم العصيب للتأثير على الحالة النفسية للشعب المصري، وانجرت خلفها العديد من المواقع غير مُدركة أنه خلال العمليات العسكرية لا يمكن حصر النتائج بشكل دقيق.
وفى حادث سفينة التغييز بـ دمياط دعونا نتوقف عند بيان وزارة البترول الصادر الأربعاء عقب الحادث بقليل الذى حمل بعض التفاصيل، وهو أمر طبيعي فى عملية إدارة الأزمة والتي تستوجب أن يكون التركيز على إدارة الأزمة ذاتها من قِبل الخلية المسئولة عنها، مع الحرص على التواصل مع الإعلام بشفافية وهو ما حملته كلمات البيان، حيث ذكر وقوع حريق على سفينة التغييز وسفينة التخزين المتواجدتين بميناء دمياط، وأنه يجرى التعامل مع الموقف على الفور وفقًا لخطط الطوارئ والاستجابة السريعة المعتمدة، من خلال الجهات المختصة وفرق الإطفاء والتأمين بالموقع.
كما أشار إلى انتقل المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، إلى موقع الحادث لمتابعة الموقف ميدانيًا، والاطمئنان على سير أعمال السيطرة والتأمين، والتأكد من تنفيذ جميع إجراءات السلامة والتنسيق الكامل بين مختلف الجهات المعنية حتى الانتهاء من التعامل مع الموقف بصورة آمنة.
وكذا التأكيد أن الحادث لم يسفر عن أي إصابات أو خسائر بشرية، وأن فرق الطوارئ تواصل مع الجهات الفنية المختصة استكمال الأعمال واتخاذ الإجراءات اللازمة وفقًا للمعايير المعتمدة.
واختتم بأنه جارٍ اتخاذ الإجراءات اللازمة للوقوف على تداعيات الموقف.
مؤكدًا استمرار المتابعة اللحظية للموقف، والإعلان عن أي مستجدات.
وهنا لم ينفِ البيان الأول سبب الحادث كما زعمت أبواق الإرهابية للتشكيك فى مصداقية الدولة المصرية ممثلة فى وزارة البترول ، فهو قد ترك الأمر لجهات التحقيق عقب السيطرة على الحريق، ثم جاء البيان الثاني صباح اليوم التالي ليؤكد "بعد السيطرة على الحريق الذي تعرضت له سفينتان فى ميناء دمياط يوم 29 يوليو 2026، وبإجراء الجهات المعنية التحقيقات الأولية حول الحادث، تبين أنه ناتج عن طائرة مسيرة، ولم تعلن أي جهة مسئوليتها عن الواقعة، وتواصل الجهات المعنية استكمال التحقيقات للوقوف على ملابسات الحادث، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي".
كما حرص رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحفي للحكومة على إيضاح تفاصيل ما حدث فى إطار الشفافية مع الرأي العام المحلي والدولي والتواصل المباشر مع وسائل الإعلام.
حيث أكد أن إدارة الأزمة تمت باحترافية من الدرجة الأولى لمنع حدوث الكارثة.
فجرى فصل السفينتين عن بعضهما فور اندلاع الحــريق للحد من انتشار النيران، خاصة أن إحدى السفن المحترقة على مصنع كامل شديد الخطــورة.
كانت الأولوية السيطرة على الأزمة وحماية الأرواح ومنع حدوث كارثة الانفجار، كما تم العمل على تأمين شحنات السفن بالميناء وسرعة تحرك جميع الجهات.
التعامل مع الحادث كان بالغ الصعوبة نظرًا لوجود غاز مضغوط تحت ضغط عالٍ، وهو ما كان يهدد بوقوع انفجار فى أي لحظة الأمر الذي استدعى اتخاذ إجراءات استثنائية.
ففرق الحماية المدنية وأجهزة الدولة واصلت جهودها فى إخماد الحريق لمدة 12 ساعة بدأت من 4 عصرًا حتى الرابعة فجرًا حتى السيطرة على النيران قبل حدوث الانفجار.
هذا المسار الذي اتخذته خلية إدارة الأزمة فى التعامل مع الموقف إعلاميًا هو المسار الصحيح معتمدًا على الشفافية والمعلومات الواقعية وليس على مجرد معلومات قد تكون صحيحة وقد تكون مغلوطة، فخلال مثل تلك الأزمات يظل البيان الصادر من الجهات الرسمية هو الأكثر دقة فى ظل، وكما ذكرت فى البداية، حروب شرسة تستهدف نشر الشائعات والدفع بالشعوب نحو الفوضى وفقد الثقة فى الدولة الوطنية.
إن محاولة الدفع بمصر فى اتجاه يستهدف توسيع دائرة الصراع من قِبل أبواق إعلامية فى ظل حرب تتسع فى كل لحظة، لا يمكن أن يحدث، فالدولة المصرية لا تُدفع إلى الأزمات بل تدرك متى تتخذ قرارها بنفسها، وفق مقتضيات الحفاظ على أمنها القومي، وهذا أحد أهم الثوابت لدى القيادة المصرية.
إن حادثة ميناء دمياط تعد نموذجًا يستوجب الاصطفاف الوطني خلف القيادة المصرية، ويكشف حجم الحرب التي تدار من عناصر نشر الشائعات وتصدير الإحباط وإعادة إنتاج وترويج نموذج الدولة الفاشلة لإشعال الفوضى من جديد.
لكن يبقى وعى المصريين وإدراكهم لتلك الحرب الشرسة وإيمانهم بوطنهم وثقتهم فى قيادتهم هو حجر العثرة التي تتحطم عليه أحلام قوى الشر.