على الرغم من حضوره المدمر فى العالم العربى لم يثر غيابه ما يستحق من اهتمام إعلامى، والإهمال هنا ليس عن قصد بقدر ما هو عن جهل – كما أظن – بدور هذا اليهودى الذى رحل منذ أيام قليلة مصحوبًا بلعنات كل الضحايا من المسلمين والعرب، وكان هو سببًا من أسباب سقوطهم أو ضياعهم وتخريب بلدانهم وتشتيت شملهم على مدار العقود التى اقتنع فيها المسئولون عن القرار فى الغرب وإسرائيل بنظرياته الداعية لمعاداة المسلمين، وتقسيم بلدانهم، وكل أفعال الإبادة المبطنة والظاهرة التى روج لها بكل أشكالها وأنواعها.
لم يهتم الإعلام العربى للأسف بشرح وتوضيح مناسبين لفكر عرّاب الخراب الذى غيبه الموت برنارد لويس، هذا الذى اشتهر بأنه أستاذ تاريخ ومستشرق وتلميذ نجيب لأساتذة الاستشراق الذين سبقوه ومنهم مكسيم رودنسون وكلود كاهين ولويس جاردييه.
(1)
وربط مؤرخون عن عمد حركة الاستشراق، بالدراسات العلمية، وضيَّقوا معناها فى دراسة الشرق، وبما توحى الكلمة وتصرف ذهن متلقيها إلى الجانب العلمى فى المسألة، دون التطرق مثلا، إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا النشاط الاستشراقى يتم تصريفه لجمع المعلومات لتوجيهها إلى الأغراض الاستخباراتية، وتوظيفها سياسيا وعسكريا.
وللاستشراق تاريخ طويل يرجعه البعض إلى العهود الأولى للفتوحات الإسلامية، والتى وصلت فى حدها إلى عبور المتوسط وفتح الأندلس وكادت تتوغل فى ربوع أوروبا لولا أن أوقفت جبال البرانس وموانع أخرى، زحف خيول المسلمين لفتح كامل أوروبا، بينما جعل بعض المؤرخين البداية المنظمة للعمل الاستشراقى بظهور أول ترجمة لاتينية للمصحف، وقد أنجزها راهب يدعى بطرس المبجل (سنة 1143م) بعد أن زار الأندلس التى حكمها المسلمون فى هذا التاريخ، وانبهر بعظمتها ومجدها فأراد أن يتعرف على هذا الدين الإسلامى وأصحابه، ومن بعده تولى رجال الدين المسيحى فى الغرب الأوروبى المهمة الأولى فى تعريف الغرب بالإسلام والمسلمين، ثم بدأت بعثات المستشرقين لبلاد الإسلام يحركها عدد من الدوافع منها ما هو دينى تبشيرى، ومنها ما هو حضارى، أو اقتصادى، أو علمى، أو ثقافى، لكن الخطوة الأهم والأخطر جاءت مع تسخير الاستشراق لخدمة الاستعمار، وفى هذا الصدد يقول المفكر الراحل إدوارد سعيد فى تعريفه للاستشراق إنه:
«نمط من الإسقاط الغربى على الشرق وإرادة السيطرة عليه».
هذه هى الحقيقة التى يخجل الغرب منها ويحاول أن يجمِّلها بتحويل الاستشراق إلى شىء يستسيغه العقل ويخفى حقيقة مهماته المشينة التى يدخل فيها التجسس واختراق الشعوب، والتمهيد للعسكريين والسياسيين والرأسماليين من خلال دراسات السيطرة والغزو منذ عهد الحملات الصليبية وإلى ظهور الغاز والبترول فى أرض العرب.
(2)
واليهودى الذى مات كان بحق ابن عصره، وقد شب على تحول الصهيونية من فكرة مقدسة عند كل اليهود، إلى برنامج عملى لاغتصاب فلسطين، فقد ولد برنارد لويس فى عام (1916) فى لندن لأبوين يهود، وفى شبابه حارب فى صفوف الجيش البريطانى فى الحرب العالمية الثانية ولما حطت الحرب أوزارها عاد إلى ما يستهويه من دراسة اللغات ومنها (العربية)، والتاريخ وخاصة تاريخ الشرق الإسلامى، والعثمانيين الذين مثلوا النموذج الاختزالى للعدو الإسلامى التقليدى للغرب منذ فتح القسطنطينية (عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية).
وعمل لويس فى وزارة الخارجية البريطانية، ثم اتجه إلى العمل الأكاديمى أستاذًا فى مدرسة «سوس بجامعة لندن»، وتسلم دائرة الشرق الأوسط فيها، وكانت بحوثه وكتبه عن الشرق والإسلام هى جواز السفر الذى قدمه لتيار «المحافظون الجدد»، الذى بدأ يتحكم بقوة فى توجيه السياسة الخارجية الأمريكية منذ السبعينيات من القرن الماضى، وقد أرسل القدر لهم ببرنارد لويس، لينتقل إلى العاصمة الأمريكية، هروبا من لندن بعد تطليقه لزوجته لأسباب عاطفية، وانفضاض النخبة الثقافية اليهودية عنه إثر ذلك، وحصل على الجنسية الأمريكية سنة 1982 وعمل بالتدريس فى أهم جامعاتها، ونال العديد من الجوائز من قبل مؤسساتها على كتبه ومقالاته، وأهم من كل ما سبق أنه ارتبط بالمحافظين الجدد وصار ينظّر لصقور السياسة فى واشنطن، ويخدّم بقوة على المصالح السياسية الغربية تجاه الشرق الأوسط.
(3)
ولم نلتفت إلى هذا اليهودى - نحن العرب - إلا على استحياء، وبعد الكشف عن أخطر مخطط لتفتيت الشرق الأوسط فى القرن العشرين، كانت قد نشرته دورية «وول ستريت جورنال»، ودعا فيه لويس إدارة الرئيس الأسبق كارتر إلى اعتماد استراتيجية طويلة الأمد لتقطيع أواصل العالم الإسلامى، وكل الجغرافيا العربية وإعادة تركيبها على أساس الملل والنحل والأعراق، وعلى النحو الذى عرفناه من هذا المشروع الذى صار «مانفستو» للسياسة الأمريكية فى المنطقة العربية، ودخل حيز التنفيذ مع إدارة الرئيس الأمريكى جورج بوش الابن وإطلاق مشروع «الفوضى الخلاقة».
ومن المقولات التى تفضح وحشية هذا اليهودى مقولة معروفة عنه اشتهرت بـ «مبدأ لويس» يقول فيها للغزاة الغربيين: «كن قاسيًا أو اخرج» وينصحهم باعتماد علاج الصدمة القاتلة، بالطبع ضد الشعوب الإسلامية المستهدفة، ويتسق ذلك مع طرحه لنظرية «صدام الحضارات» التى سبق فيها «صموئيل هنتنجتون»، وهى النظرية دائمة الحضور فى نقاشات اليمين الغربى الليبرالى عن علاقة الشرق بالغرب.
وبعد الحرب العربية الإسرائيلية فى 1967 كتب لويس أول مقال له حول الصراع العربى - الإسرائيلى وجاء فيه: « إن الإنسان الذى يتمتع بإرادة طيبة من الصعب أن يكون معادياً لإسرائيل من دون أن يكون ضد العرب».
وفى مرحلة هبات ما سمى بـ «الربيع العربى» نصح أصحاب القرار فى الغرب بالإقرار بالإسلاميين إثر وصولهم إلى السلطة، لأن ذلك برأيه يسمح بتحييد الإسلام الراديكالى، ويدفع أتباعه إلى الاعتراف بإسرائيل أو على الأقل عدم المساس باتفاقيات السلام الموقعة منها مع العرب.
(4)
أما سر اهتمامى بهذا اليهودى الذى مات فينطلق من وجوب دراسة هذا النموذج بشدة، وهو نموذج انتشر فى أمريكا وأوروبا خلال العقود الأخيرة، ووصل الآن إلى مرحلة التمكين، والسيطرة بقوة على الفكر النخبوى فى الأوساط الغربية، وبالذات النخب السياسية، وهو الذى يرعى القادة السياسيين مع بداية دخولهم المجال ويعمل على تربيتهم فكريا وتصعيدهم، وهو الذى يرسم السياسات المهمة والخطيرة التى تتعلق بنا ويدفع بها لمراكز اتخاذ القرار، لتصدر بعد ذلك عن الكونجرس، أو الاتحاد الأوروبى، و حلف الأطلنطى، ومقر الحكومات الأوروبية، والرؤساء الأمريكان الأغبياء.