على الشعوب أن تنتبه (2) الحرب النفسية الحديثة والنموذج الجديد لإعادة إنتاج الفوضى

قبل عشرين عاما من الآن وبالتحديد فى مارس 2006 أعلن عن إقامة ما يسمى ب أكاديمية التغيير فى لندن ، وعرّفت نفسها بأنها تهدف إلى تزويد المهتمين بأدوات التغيير الاجتماعي والسياسي، وأنها مبادرة شبابية مستقلة غير ربحية تعتمد على العمل التطوعي وعائد أنشطتها. كما ذكرت أنها أنشأت مكتبًا فى الدوحة عام 2009 (ثم جُمّد نشاطه فى 2010 وأُغلق فى 2012)، ومكتبًا فى فيينا عام 2010.

كانت أحداث المحلة فى ديسمبر 2006 هي بمثابة مشروع التخرج للمتدربين المصريين ممن انضموا إلى الأكاديمية فى ذلك الوقت خلال برامج "حروب اللاعنف"، وكانت أحداث إبريل 2008 هي النموذج المكتمل والمعد للتنفيذ بعد ذلك.

الأكاديمية التي قدمت نفسها على أنها مؤسسة بحثية كانت تعمل على تدريب بعض العناصر على كيفية استخدام الأسلحة فى مواجهة الأنظمة، وكيف يتم اختيار التوقيتات والأماكن لصناعة أزمات تربك النظام.

المشهد فى 2006 لم يلفت نظر الكثيرين بأن هناك عملا متواصلا لشبكات من قوى مختلفة وأجهزة استخبارات التقت جميعها فى ذلك الوقت على ضرورة تغيير الأنظمة فى الشرق الأوسط ولم يكن هذا هو الهدف الوحيد بل أيضا إعادة تقسيمه وفق خرائط تسهل السيطرة عليه بعد تقسيم الدول من جديد، ليلتقي ذلك مع الهدف الأمريكي المصدر خلال تلك الفترة "الفوضى الخلاقة".

المحلل للمشهد فى مدينة المحلة الكبرى فى ديسمبر 2006، والمدقق فى تفاصيله يدرك أنه لم يكن مجرد حالة غضب نتج عنها إضراب بل كانت بداية إعداد لمشهد اكتمل فى 6 و7 إبريل 2008 كمشروع تخرج مكتمل لحركة 6 إبريل فى ذلك الوقت، عندما قامت مجموعات بإحداث حالة من الفوضى نتج عنها تدمير عدد كبير من المنشآت العامة وارتكاب جرائم نهب وإشعال نيران واستعمال أسلحة نارية بحسب نص أمر الإحالة الصادر من المحامي العام لنيابة شرق طنطا الكلية فى ذلك الوقت للمتهمين فى الأحداث.

(1) أولا: خربوا عمدا مباني وأملاك عامة هي مباني مدرستي طه حسين وعبد الحي خليل ومكتب بريد الشون ونقطة إسعاف ومرور العلو ومكتب خدمة الجماهير بميدان الشون وقد ترتب على ذلك تعطيل أعمال تلك المصالح وجعل أعمال الناس وأمنهم فى خطر وحدوث ضرر مادي قيمته مبلغ 9526504.5 جنيه (تسعة ملايين وخمسمائة وستة وعشرون ألفا وخمسمائة وأربعة جنيهات وخمسون قرشا).

حيث أشعلوا النار عمدا فى مباني مدرسة طه حسين وعبد الحي خليل ونقطة مرور العلو، ذلك بأن ألقوا فيها الزجاجات الحارقة فامتدت النيران إلى محتوياتها وأحرقتها.

عرضوا وسائل النقل البرية للخطر وعطلوا سيرها وذلك بأن أشعلوا النيران فى إطارات الكوتشوك ووضعوها فى نهر الطريق وعلى خطوط السكك الحديدية، وقد نشأ عن ذلك إصابة أحمد حسين إسماعيل جمال الدين "سائق قطار " بالتقرير الطبي المرفق بالأوراق.

كما أتلفوا عمدا منشآت مخصصة لشبكات الاتصالات "كبائن تليفونات ميناتل والنيل والمصرية للاتصالات " والمرخص بإنشائها مصلحة عامة لمنفعة عامة، والمبينة وصفا وقيما بالتحقيقات وقد ترتب على ذلك انقطاع الاتصالات بها.

ثانيا: وهم عصبة أتلفوا و نهبوا محتويات مدارس عبد الحي خليل و طه حسين و عمر زعفان و نقطة إسعاف العلو وبعض كبائن التليفونات الخاصة بشركة ميناتل و النيل و المصرية للاتصالات و نقطة إسعاف ومرور العلو وحوانيت سلفر للأحذية ، ورمسيس للتصوير و مطعم البغل بشارع البحر و فرع بنزايون و محل الزغبي ورموش و أولاد رسلان نصير زقزقوك صيدلية الشافعي و محل فاطمة إبراهيم خريصة ونصف الدنيا و استوديو تصوير أحمد محمد وحسن عبد المنعم لتأجير فساتين الزفاف وحلواني يسري الجزار و فيينا للتصوير وجواهرجي

عاطف إلياس وكان ذلك بقوة جبرية.

ثالثا: أتلفوا عمدا

1-المهمات والأدوات والأعمال الخاصة وجانبا من مصابيح الإضاءة والمنشآت المعدة للنفع العام فى الشوارع والميادين العمومية بمدينة المحلة الكبرى وقد ترتب على ذلك أضرار مادية قيمتها 60857.25 جنيه (ستون ألفا وثمانمائة وسبعة وخمسون جنيها وخمسة وعشرون قرشا).

2-عدد خمسين سيارة مملوكة لجهاز الشرطة والمحافظة.

3-عشرون سيارة واثنا عشر أتوبيسا مملوكين لمرفق النقل الداخلي لمدينة المحلة الكبرى.

4-وجهات بنوك الوطني للتنمية والإسكندرية ومصر فرع 23 يوليو والقاهرة فرع المحلة ومصر للمعاملات الإسلامية ومكينتي الصراف الآلي الخاصتين بالبنكين الآخرين وقد ترتب على ذلك أضرار مادية قيمتها 209538.28 جنيه (مائتين وتسعة آلاف وخمسمائة وثمانية وثلاثون جنيها وثمانية وعشرون قرشا) على النحو الثابت بالتحقيقات.

5-عدد ثمانية قطارات وبلوك المحلة الكبرى وذلك بان رشقوها بالحجارة فأحدثوا بها التلفيات المبينة بتقرير هندسة السكك الحديدية والتي ترتب عنها أضرار قيمتها 56540.08 جنيه (ستة وخمسون ألفا وخمسمائة وأربعون جنيها وثمانية قروش على النحو الثابت بالتحقيقات.

6_ وكذا إتلاف سيارتين لشركة غاز مصر وسيارة خاصة بأحد المواطنين.

رابعا: تعدوا على رجال الشرطة المبين أسماؤهم بالتحقيقات وقاوموهم بالقوة والعنف أثناء تأديتهم لوظائفهم وهي الحفاظ على النظام والأمن بأن أطلقوا تجاههم أعيرة نارية ورشقوهم بالحجارة والزجاجات الحارقة، فأحدثوا بهم الإصابات الموصوفة بالتقارير الطبية المرفقة.

خامسا: سرقوا جهاز اللاسلكي عهدة الضابط محمد أحمد قعود حال كون بعضهم حاملا لأسلحة، وكان ذلك بأحد الطرق العامة بداخل مدينة المحلة على النحو الثابت بالتحقيقات.

سادسا: حازوا وأحرزوا بغير ترخيص أسلحة نارية غير مششخنة "أربعة فرد خرطوش محلي الصنع".

كما حازوا وأحرزوا ذخائر مما تستخدم فى الأسلحة موضوع التهمة الثابتة على النحو الثابت فى التحقيقات.

(2) أحداث المحلة كانت صورة مصغرة لأحداث يناير2011 فقد حولت تلك العناصر الحراك الشعبي ضد النظام إلى حالة من الفوضى قادته عناصر تنظيم الإخوان الذين تدربوا على تلك العمليات وبعض العناصر المنتمية إلى أيديولوجيات أخرى؛ ففي الوقت الذي كانوا يهتفون بالسلمية كانت عناصرهم بمعاونة البلطجية والخارجين على القانون تستهدف المنشآت العامة والخاصة بالتخريب والتدمير والتركيز على الأجهزة الأمنية لتقويض الأمن الداخلي وإشعال الفوضى.

استعادتي لتسلسل المشهد خلال السطور السابقة ليس محاولة لاسترجاع الأحداث فقط بل محاولة لكشف مشهد بات يظهر فى الأفق من خلال حالة نشطة لجهات أجنبية تعمل خلال الفترة الماضية مستهدفة المنطقة تحت مزاعم فتح فرص للتدريب للشباب فى الخارج مدفوعة الأجر حول ملفات مثل حقوق الإنسان وحرية التعبير وغيرها من القضايا المجتمعية الأخرى.

إنها محاولة جديدة لاستغلال الأزمات التي تضرب منطقتنا لإعادة إنتاج نموذج جديد من الفوضى تتحرك فيها الشعوب لتدمير الأوطان من الداخل دون أن تدرك بعد ممارسة حرب نفسية احترافية تقودها مجموعات عالية التدريب تعمل ليل نهار على تطبيق النموذج الجديد من الحروب النفسية والذي تطور خلال العقد الأخير بشكل كبير.

ف الحرب النفسية الحديثة والأكثر تأثيرًا اليوم لا تسعى بالضرورة إلى إقناعك باعتناق فكرة أو تبني موقف معين، وهنا يكمن جانبها الأكثر إثارة للقلق. فهي لا تهدف إلى أن تؤمن بروايتها بقدر ما تسعى إلى استنزافك ذهنيًا، حتى تصل فى النهاية إلى مرحلة تصبح فيها مرهقًا إلى الحد الذي يفقدك القدرة على تكوين رأي تجاه أي قضية. وبهذا يتحول الهدف من التأثير فيما تفكر فيه إلى التأثير فى قدرتك على التفكير بوضوح من الأساس.

وإذا كانت العمليات النفسية التقليدية تركز على إقناع الجمهور برسالة محددة، فإن نسختها الحديثة تتجه إلى هدف مختلف تمامًا؛ يتمثل فى استنزاف الانتباه، وإضعاف القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، بما يجعل حالة التشويش والارتباك هي النتيجة المقصودة فى حد ذاتها.

لقد كانت العمليات النفسية التقليدية تعتمد على رسالة محددة. فحواها بسيط مباشر: استسلم، لأن الهزيمة حتمية، أو تمرّد على حكومتك، لأنها تخدعك.

رسالة واحدة تُبث على أوسع نطاق ممكن، على أمل أن يتبناها الجمهور المستهدف ويغيّر سلوكه بناءً عليها.

غير أن هذا المنطق تغيّر إلى حد كبير فى السنوات الأخيرة.

فما زالت الأدوات التقليدية قائمة، لكنها لم تعد الوسيلة الأكثر فاعلية. فقد حلت محلها أساليب أكثر كفاءة وأقل تكلفة، أعادت صياغة مفهوم العمليات النفسية فى العصر الرقمي. ولتفسير هذا التحول، لا بد من التوقف عند أبرز التغيرات التي شهدها العالم خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، وهي تحولات متتابعة شكّلت البيئة الجديدة التي تعمل فيها العمليات النفسية الحديثة.

يكمن التحول فى حجم الرسائل وسرعة تدفقها؛ ففي عام 2016، قدّم الباحثان كريستوفر بول وميريام ماثيوز من مؤسسة راند (RAND Corporation) نموذجًا للدعاية أطلقا عليه اسم "خرطوم الأكاذيب" (Firehose of Falsehood). ويعتمد هذا النموذج على تدفق هائل وسريع للمعلومات، عبر قنوات متعددة فى الوقت نفسه، مع تكرار لا ينقطع للرسائل، ومن دون أي التزام بالاتساق أو حتى بالحقيقة نفسها.

فى الماضي، كانت الدعاية التقليدية مضطرة إلى الحفاظ على قدر من المصداقية؛ إذ إن انكشاف كذبة واحدة كان كفيلًا بإضعاف الرواية بأكملها. أما نموذج "خرطوم الأكاذيب" فلا يواجه هذه المعضلة. فهو قد يخبرك صباحًا بعدم وجود جنود فى منطقة ما، ثم يؤكد بعد الظهر أنهم مجرد متطوعين، وفى المساء يزعم أن وجودهم هناك حق مشروع. ولا يُعد هذا التناقض خللًا فى المنظومة، بل هو جزء أساسي من آلية عملها. فالرهان الحقيقي هو أن العقل البشري لن يستطيع الاستمرار فى التحقق من كل رواية إلى ما لا نهاية.

وقد كشفت دراسة أجرتها Lisa Fazio (ليزا فازيو) وزملاؤها عام 2015 أن حتى الأشخاص الذين يعرفون الإجابة الصحيحة قد يقعون فى فخ المعلومات المضللة إذا تكررت أمامهم مرات كافية. فالمعرفة المسبقة ليست دائمًا درعًا واقيًا، لأن قوة التكرار كثيرًا ما تتغلب على الحقائق المخزنة فى الذاكرة.

ولهذا، فإن نموذج "خرطوم الأكاذيب" لا يحتاج إلى إقناع الجمهور بحجج قوية أو أدلة دامغة، بل يكفيه أن يعرض الرسالة نفسها مرارًا وتكرارًا، وبصيغ مختلفة ومن زوايا متعددة، حتى تصبح مألوفة. وما يألفه العقل، يميل تدريجيًا إلى اعتباره حقيقة.

وهو ما تقوم به أدوات إعلام تنظيم الإخوان الإرهابي ووسائل إعلامية دولية مدعومة من أجهزة استخبارات تستهدف إعادة إنتاج الفوضى بشكل جديد.

فإن العمليات النفسية الحديثة لا تسعى إلى تغيير قناعاتك من الصفر، بل إلى التعرف عليك بدقة، ثم مخاطبة ما هو موجود بالفعل فى داخلك. فأنت لا تُستهدف لإقناعك، بل لأن النظام قد تعرّف مسبقًا إلى الطريقة الأكثر فاعلية للتأثير فيك.

ويمثل التحول الثاني فى الحرب النفسية هو دقة الاستهداف. فالدعاية التقليدية كانت أشبه بمكبر صوت يوجه الرسالة نفسها إلى الجميع، أما اليوم فقد أصبحت أقرب إلى قناص يختار هدفه بعناية، فيقدم لكل فرد الرسالة المصممة خصيصًا لتلامس مخاوفه أو هويته أو مشاعر الغضب لديه. لم يعد الخطاب موجهًا إلى المجتمع بأسره، بل إلى شرائح دقيقة، بل وإلى أفراد بعينهم، لكل منهم روايته الخاصة.

ومن هنا جاءت إحدى أهم سمات العمليات النفسية الحديثة؛ فهي مصممة لاستهداف الشعوب والسيطرة عليها وعدم منحها فرصة التدخل والتحليل. ولهذا السبب تعتمد هذه العمليات على إثارة المشاعر أكثر من اعتمادها على الحجج والبراهين، لأن الجدل المنطقي يحتاج إلى ذلك النظام البطيء الذي يزن الأدلة ويفحصها.

وتحديدًا، ترتكز الرسائل الأكثر انتشارًا على العاطفتين الأكثر قدرة على دفع الناس إلى التفاعل والمشاركة: الغضب والخوف. فعندما يثير محتوى ما غضبك أو خوفك، فإن احتمالات مشاركته أو إعادة نشره تزداد بشكل كبير قبل أن تتوقف للتحقق من صحته أو دقته. وهذه ليست نتيجة عرضية، بل هي جزء أساسي من التصميم الذي تقوم عليه تلك الرسائل فى الحروب النفسية الحالية.

فالعمليات النفسية الحديثة الأكثر فاعلية لا تسعى إلى تسويق كذبة أو إقناعك برواية معينة، بل تهدف إلى زرع الشك. إنها لا تريد منك أن تصدق روايتها، وإنما أن تصل إلى مرحلة لا تعود فيها تثق بأي رواية على الإطلاق.

وعندما تصبح جميع الحقائق والادعاءات متساوية فى نظر الجمهور من حيث انعدام المصداقية، فإن الطرف الذي يمتلك النفوذ والقوة أصلًا يكون هو الرابح تلقائيًا.

وهو ما تقوم عليه العديد من المنصات والصفحات المدعومة من التنظيم الإرهابي مثل صحيح مصر ومتصدقش وغيرهما أو منصات مراكز يطلق عليها مسمى مراكز بحثية.

ورغم أن هذه الصورة قد تبدو قاتمة، فإن ثمة جانبًا يمنح قدرًا من التفاؤل. فكلما تمكنت من فهم آليات التأثير وتسميتها والتعرف إليها، أصبحت أقل عرضة للوقوع فى شراكها.

إن الوعي بآليات التأثير الإعلامي والنفسي لم يعد مجرد معرفة أكاديمية، بل أصبح أحد أشكال الدفاع عن الذات فى عصر تتنافس فيه المعلومات، كما تتنافس الروايات، على كسب العقول قبل أي شيء آخر.

لكن ما الذي يدعونا للحديث عن تأهيل العناصر و الحرب النفسية الحديثة حاليا؛ خاصة أن الدولة المصرية تتمتع باستقرار يجعلها أفضل بكثير من دول محيطها الإقليمي.

هذا ما سنعرضه فى العدد القادم. خاصة في ظل تنامي دعوات مؤسسات دولية غير حكومية للشباب لدورات ظاهرها التأهيل والتثقيف وحقيقتها بناء وتأهيل الكوادر لمشروع الفوضى الجديد.

أضف تعليق

اعلان