بداية الأسبوع الماضي شارك الرئيس عبدالفتاح السيسي في القمة الثامنة عشرة لتجمع البريكس التي استضافتها الهند، وعلي هامش القمة عقد الرئيس عددا من اللقاءات الثنائية، حيث التقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما التقي بالأمين العام للأمم المتحدة وعقد جلسة مباحثات ثنائية مع رئيس جنوب إفريقيا ورئيس الوزراء الهندي والرئيس الإندونسي برابوو سوبيانتو، كما عقد الرئيس لقاء مع المستثمرين ورجال الأعمال في الهند.
كانت في صدارة الملفات التي حرص الرئيس علي عرضها أمام قادة التجمع، تطورات الأوضاع في المنطقة وأثر ذلك علي الأمن والسلم الدوليين، والتأكيد علي رؤية مصر حول حل تلك الأزمات من خلال المسار السياسي ووقف المواجهات العسكرية والالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية والتعاون من أجل التنمية.
قبل أن يعود الرئيس إلي أرض الوطن يوم الأحد ويستقبل يوم الإثنين في القاهرة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي وتعقد قمة مصرية سعودية تكتسب أهمية خاصة في ظل تطورات الأحداث وتسارع وتيرة التوتر في المنطقة بعد انتقال جزء من الصراع إلي باب المندب، في الوقت ذاته ترتفع حدة الأزمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة باغتصاب إسرائيل لمزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية علي جنوب لبنان وارتفاع حدة المواجهة بين ميليشيات الدعم السريع والجيش الوطني السوداني، وكذا استمرار عدم الاستقرار في كل من ليبيا والعراق وسوريا وكذا منطقة الخليج العربي.
أعقب ذلك لقاء الرئيس مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن وبحثا تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة والتأكيد علي أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ بشأن قطاع غزة وإحلال السلام.
وفي نهاية الأسبوع وبالتحديد الخميس الماضي وخلال حضور الرئيس احتفال تخرج الدفعة السادسة هيئات قضائية من الأكاديمية العسكرية وجه الرئيس رسالة مهمة إلي المصريين قائلا: "انتبهوا فما حدث في 2011 و2012 و2013 لم ينتهِ وإن خطته لم تتوقف، وإن الإلحاح لإسقاط الدولة ما زال موجودًا"، مؤكداً ضرورة أن يكون الشعب والأسر واعين ومنتبهين لذلك، وأن المسؤولية في هذا الصدد تقع علي الجميع، وليس فقط علي المسؤولين والمفكرين والإعلاميين.
(1) أعود إلي القمة المصرية السعودية التي جمعت الرئيس عبدالفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في القاهرة، والتي اكتسبت زخما كبيرا خاصة في ظل تصاعد حدة التوتر بالمنطقة.
فالبيان الصادر عقب القمة كشف خريطة واسعة من الملفات تم التباحث بشأنها: أمن السعودية ودول الخليج، حرية الملاحة في كل من مضيق هرمز وباب المندب والبحر
الأحمر، الأزمة اليمنية، القضية الفلسطينية، السودان، سيادة الدول العربية واستقرارها، إلي جانب التجارة والاستثمار بين البلدين.
وهذا التعدد في الملفات ليس تفصيلًا بروتوكوليا، وإنما يعكس، عند قراءته سياسيا، حقيقة أساسية، وهي أن أمن مصر و السعودية مرتبط بدرجة متزايدة بما يجري في المجال الإقليمي المحيط بهما.
وقد أكدت الرئاسة المصرية أن اللقاء شهد توافقا علي أن العلاقات بين القاهرة والرياض لا تقبل إلا أن تكون «مثلي في الإطار العربي»، مع تأكيد أن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، ورفض مصر لأي اعتداءات أو تهديدات تمس سيادة المملكة أو استقرارها أو سلامة أراضيها أو حرية الملاحة في البحر الأحمر.
ربما تكون العبارة الأكثر دلالة في البيان هي اعتبار أمن السعودية ودول الخليج جزءا من الأمن القومي المصري، وهذا أحد ثوابت الدولة المصرية.
هذه العبارة تستحق التوقف؛ لأنها تعبر عن رؤية للأمن تتجاوز الحدود الجغرافية المباشرة.
ف مصر ليست دولة خليجية، و السعودية ليست دولة متوسطية، لكن التطورات الأمنية في الخليج والبحر الأحمر تؤثر بصورة مباشرة في المصالح المصرية و السعودية معا.
فالخليج يرتبط بأمن الطاقة والتجارة، ومضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات البحرية، بينما يرتبط باب المندب والبحر الأحمر بحركة التجارة القادمة إلي قناة السويس.
وبالتالي فإن أي اضطراب في هذه الدائرة الجغرافية الواسعة يمكن أن تكون له انعكاسات أمنية واقتصادية تتجاوز الدولة التي يبدأ فيها الاضطراب.
ولذلك فإن تأكيد القمة علي أمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر يحمل دلالة تتجاوز التضامن السياسي؛ فهو يربط بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر والممرات التجارية الدولية.
اللافت أيضا أن القمة لم تحصر العلاقة في إطار المصالح المصرية السعودية المباشرة.
فإلي جانب تطور العلاقات الثنائية وإزالة العقبات أمام زيادة حجم التجارة والاستثمارات، انتقلت المباحثات إلي ملفات عربية وإقليمية شديدة الحساسية.
خاصة في ظل تطابق الرؤي بين البلدين في العديد من ملفات المنطقة وكذا السياسة الرصينة التي تتمتع بها الدولتان في التعامل مع الازمات.
فالبيان تحدث عن «المزيد من التضامن والتنسيق»، وعن أن «مصلحة وأهداف البلدين واحدة» وفق صياغته، كما أكد استمرار التشاور والتنسيق المباشر خلال الفترة المقبلة.
وهذه النقطة تحديدا مهمة؛ لأن قيمة أي تفاهم سياسي لا تتحدد فقط بما يقال خلال القمة، وإنما بقدرته علي التحول إلي تنسيق مستمر وآليات عمل ومواقف متقاربة عند التعامل مع الأزمات.
ومن هنا تأتي أهمية ما اتفق عليه الرئيس السيسي وولي العهد السعودي بشأن وضع وتنفيذ إجراءات عملية لتطوير التعاون الثنائي وإزالة العقبات أمام التجارة والاستثمار.
فالعلاقة الاستراتيجية تحتاج إلي قاعدة اقتصادية توازي بعدها السياسي والأمني.
كما أن ملف الملاحة البحرية ربما يكون أحد أكثر الملفات تعبيرا عن طبيعة المصالح المشتركة بين البلدين.
كما أن القضية الفلسطينية احتلت موقعا واضحا في المباحثات، مع تأكيد تطابق الموقفين المصري والسعودي بشأن ضرورة التوصل إلي تسوية عادلة وشاملة تقوم علي حل الدولتين وفق حدود الرابع من يونيو 67 ومقررات الشرعية الدولية.
كما تناول البيان ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية إلي غزة ، ووقف الانتهاكات في غزة والضفة الغربية و القدس الشرقية.
وهنا تظهر نقطة مهمة في قراءة القمة: القضية الفلسطينية لم تُطرح باعتبارها ملفا منفصلًا عن الأمن الإقليمي.
فاستمرار الصراع، يمثل أحد مصادر عدم الاستقرار الممتدة في المنطقة، ولذلك فإن طرح التسوية السياسية إلي جانب الملفات الأمنية والاقتصادية يعكس محاولة لربط الاستقرار بمعالجة أسباب الأزمات، وليس فقط التعامل مع نتائجها.
كما أن تطابق المواقف المصرية و السعودية في هذا الملف يوفر مساحة واسعة للتنسيق الدبلوماسي بين دولتين لهما حضور مؤثر في النظام الإقليمي العربي.
أما السودان، فقد حضر في البيان من زاوية مختلفة: وحدة الدولة، وسلامة الأراضي، وحصرية المؤسسات الوطنية.
وهو ما تنادي به مصر دائما "ضرورة الحفاظ علي الدولة الوطنية ومؤسساتها".
وقد أكد الجانبان استمرار دعم أمن السودان واستقراره، ورفضا مساواة القوات المسلحة السودانية بأي ميليشيات أو كيانات موازية غير شرعية، معتبرين أن تهديد وحدة السودان وسلامة أراضيه يمثل خطرا علي الأمن الجماعي لدول المنطقة، بل إن استمرار الأزمة يفاقم من آثارها السلبية علي الشعوب.
ف السودان ليس مجرد أزمة داخلية بالنسبة إلي جواره؛ موقعه الجغرافي، وأمن البحر الأحمر، وارتباطاته بدول القرن الأفريقي، فضلا عن علاقاته المباشرة بمصر، تجعل استقراره قضية ذات أبعاد إقليمية.
ومن ثم فإن الموقف المشترك الذي ظهر في القمة يضع استقرار الدولة السودانية ووحدة مؤسساتها ضمن منظومة أوسع للأمن الإقليمي.
كما لا يمكن فصل الحديث عن الملاحة البحرية عن الأزمة اليمنية.
فاليمن يحتل موقعا استراتيجيا عند مدخل البحر الأحمر، وأي اضطراب طويل الأمد في هذه المنطقة يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة علي حركة الملاحة والتجارة.
ولهذا جاء التأكيد المصري علي دعم الإجراءات السعودية لحماية أمنها واستقرارها، إلي جانب دعم التوصل إلي حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.
وهنا نجد مرة أخري أن الملفات الأربعة ــ الخليج، اليمن، البحر الأحمر، الملاحة ــ ليست منفصلة، وإنما تتقاطع جغرافيًا واستراتيجيًا.
(2) وسط هذا التركيز علي الملفات الأمنية والسياسية، لم تغب المصالح الاقتصادية.
فالبيان أكد ضرورة وضع إجراءات عملية لتطوير التعاون الثنائي وإزالة العقبات التي تحول دون زيادة حجم التبادل التجاري والاستثماري.
وهذا البعد بالغ الأهمية؛ لأن العلاقات السياسية مهما بلغت قوتها تحتاج إلي مصالح اقتصادية متنامية تحافظ علي استدامتها.
كما أن الاستثمار والتجارة يمكن أن يتحولا إلي أدوات لتعميق الترابط بين البلدين، وليس مجرد نتائج للعلاقات السياسية.
وبالتالي، فإن المعادلة التي تبدو من البيان تقوم علي ثلاثة مسارات متوازية:
تنسيق سياسي.. تعاون أمني.. شراكة اقتصادية.
السؤال الأهم ربما لا يتعلق بما جري بين مصر و السعودية فقط، وإنما بما يمكن أن يعنيه هذا التفاهم والتعاون والتطابق في الرؤي بالنسبة إلي النظام العربي.
البيان تعرض إلي مجموعة من القضايا تم بحثها خلال القمة "الخليج، فلسطين ، السودان، اليمن، البحر الأحمر، الملاحة، وسيادة الدول العربية".
وهذا يعكس، أن الأزمات العربية والإقليمية أصبحت متداخلة إلي درجة يصعب معها التعامل معها بصورة منفردة.
فأمن الخليج يرتبط بالملاحة، والملاحة ترتبط بالبحر الأحمر، والبحر الأحمر يرتبط باليمن والسودان، بينما تبقي القضية الفلسطينية واحدة من أكثر ملفات المنطقة تأثيرًا في الاستقرار السياسي.
من هنا تأتي أهمية التنسيق بين القاهرة والرياض في ظل علاقة أخوية قوية وراسخة لم تؤثر فيها محاولات قوي الشر سلبا بل زادت من قوتها ومتانتها.
وإذا كان عنوان المرحلة هو «الأمن»، فإن عنوانها الآخر هو التنسيق.
ففي منطقة تتقاطع فيها الأزمات والحدود والممرات البحرية والمصالح الاقتصادية، يصبح الحفاظ علي الأمن والاستقرار العربي مرتبطا بقدرة الدول العربية علي بناء تفاهمات عملية، لا بمجرد تبادل المواقف.
وهنا تحديدا يمكن فهم دلالة القمة المصرية السعودية، فالقاهرة والرياض لا تناقشان فقط علاقاتهما الثنائية، فهي علاقة استراتيجية قوية وراسخة بل تتباحثان في بيئة إقليمية أصبح أمنها مترابطًا، وفي ملفات تمس بصورة مباشرة مستقبل الاستقرار العربي.
(3) كما جاءت القمة المصرية الفلسطينية ولقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس لتؤكد أن القاهرة لا تزال تنظر إلي القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد ملف من ملفات الأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط.
فالرسالة المصرية التي خرجت من اللقاء بدت واضحة في ثوابتها ومساراتها «لا سلام دائم من دون تسوية عادلة للقضية الفلسطينية؛ ولا استقرار حقيقي في المنطقة من دون حصول الشعب الفلسطيني علي حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة علي حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية».
ولذلك فإن لقاء الرئيس السيسي وأبو مازن يمكن قراءته باعتباره تأكيدًا علي وضع القضية الفلسطينية في إطارها الأشمل، بعيدا عن اختزالها في الجانب الإنساني أو العسكري وحده.
ف مصر تحرص علي أن تجمع بين مسارات عدة في وقت واحد" العمل علي تثبيت وقف الحرب في غزة، ضمان تدفق المساعدات الإنسانية، تهيئة الظروف للتعافي المبكر وإعادة الإعمار" وفي الوقت نفسه الحفاظ علي المسار السياسي الذي يقود في النهاية إلي تسوية شاملة.
وهذه المقاربة تعني أن وقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، لا يمثل وحده نهاية الأزمة، وإنما ينبغي أن يكون مدخلًا إلي معالجة جذور الصراع.
من أكثر الرسائل السياسية للقمة وضوحًا هو تجديد الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين أو محاولة تصفية القضية الفلسطينية. وهذه النقطة لا تبدو منفصلة عن بقية عناصر الموقف المصري، وإنما تأتي باعتبارها جزءًا من رؤية متكاملة للحفاظ علي الوجود الفلسطيني وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
فالتهجير، من المنظور الذي تعكسه المواقف المصرية المعلنة، لا يمثل مجرد تغيير جغرافي للسكان، وإنما ستكون له تداعيات مباشرة علي مستقبل التسوية السياسية وعلي إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ومن هنا يأتي الربط بين رفض التهجير والتمسك بحل الدولتين، باعتبار أن الحفاظ علي الأرض والسكان يمثلان أساسا لأي عملية سياسية مستقبلية.
كما أن القمة أشارت بوضوح إلي الأوضاع في الضفة الغربية، وهو أمر يحمل دلالة سياسية مهمة. فالقضية الفلسطينية، في الرؤية المصرية المعلنة، لا يمكن تجزئتها بين غزة والضفة والقدس، وإنما تظل قضية شعب وأرض وحقوق سياسية.
ولهذا فإن الإشارة إلي التطورات في الضفة الغربية تعكس إدراكا بأن أي ترتيبات مستقبلية في غزة لن تكون كافية وحدها لإنتاج تسوية شاملة، ما لم تتصل بمسار سياسي أوسع يشمل الضفة الغربية و القدس الشرقية، ويضع في النهاية أساسا لحل الدولتين.
وهنا تكمن أهمية التحرك المصري؛ إذ إن التعامل مع تداعيات الحرب يحتاج إلي مسار متدرج، يبدأ بتثبيت الهدوء، ويمر عبر معالجة الوضع الإنساني وإعادة الإعمار، وصولًا إلي خلق ظروف سياسية تسمح باستئناف عملية التسوية. وهذا ما يفسر أيضًا تأكيد القاهرة دعمها للسلطة الوطنية الفلسطينية ولجهود تحقيق التوافق بين مختلف القوي الفلسطينية، باعتبار أن وحدة الموقف الفلسطيني تمثل عنصرًا مهمًا في أي مسار سياسي مقبل.
(4) خلال حضور الرئيس عبدالفتاح السيسي حفل تخرج الدورة رقم (٦) للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية، وجه الرئيس عدة رسائل في مداخلة له، بعضها جاء للخريجين والبعض الآخر للمسؤولين في الحكومة، أما أهم الرسائل التي توقفت عندها هي رسالة الرئيس للمصريين قائلا: "إنه يتعين علي الجميع التنبه إلي أن ما حدث في الفترة من ٢٠١١ - ٢٠١٣ لم ينتهِ، وأن خطته لم تتوقف، وأن الإلحاح لإسقاط الدولة ما زال موجودًا، مؤكداً علي ضرورة أن يكون الشعب والأسر واعين ومنتبهين لذلك، وأن المسؤولية في هذا الصدد تقع علي الجميع، وليس فقط علي المسؤولين والمفكرين والاعلاميين".
إنها رسالة غاية في الأهمية في ظل استنفار قوي الشر لإعادة سيناريو الفوضي من جديد بالمنطقة لتنفيذ خريطة التقسيم وتفكيك الدول والقضاء علي الدولة الوطنية.
إن رسالة الرئيس تستوجب من الجميع أن يدرك أهمية الحفاظ علي الدولة الوطنية، في ظل التحديات والتهديدات التي تضرب المنطقة بالكامل.