«نزوح».. مغامرة أفسدها الارتباك والتشوّش

«نزوح».. مغامرة أفسدها الارتباك والتشوّشمحمود عبد الشكور

الرأى4-7-2023 | 15:43

رغم طموح تقديم صورة إنسانية مختلفة وحيّة للشخصية السورية وسط أهوال الحرب والدمار، إلا أنني لا أعتبر أن تجربة المخرجة والكاتبة سؤدد كعدان في فيلم "نزوح" متكاملة أو ناضجة، فقد ظهرت مشاكل الفيلم، الذي حصل على جائزة الجمهور في مهرجان فينيسيا 2022، في الجزء الثاني من الأحداث، وبدا كما لو أن ارتباكا وتشوشا قد أصاب المعالجة الدرامية، وانعكس ذلك حتى على أسلوب سؤدد، وعلى إيقاع الفيلم، حيث تغلب على الجزء الأول معالجة شاعرية ممتزجة بالخيال، بينما يتابع الجزء الثاني رحلة هروب الأم وابنتها من جحيم المعارك، بصورة عادية وركيكة

بدا أيضا أن الفيلم حائر فى دمج حكاية حب جميلة بين ابنة أسرة سورية، وابن جيران هذه الأسرة، بحيث اعتقدنا فى النصف الأول من الفيلم أن الحكاية عن جيل الفتاة والفتى، ولكن تحولات الجزء الثاني أخذتنا إلى عالم مختلف.

التشوش كذلك أصاب الرؤية، حيث يبدو الفيلم حائرا ومعلّقا فى حبل، مثل ذلك الحبل، الذي كانت تتعلق به الفتاة لمقابلة جارها، والحيرة هنا ما بين فكرة البقاء، والتمسك بالوطن، وبالمنزل، حتى لو كان مهدما، وبين فكرة النزوح والهرب، وقبول اللجوء، والحصول على لقب "لاجئ"، فالنصف الأول يتبنى وجهة نظر الزوج، الذي يريد البقاء، والثاني يميل نهائيا إلى وجهة نظر الزوجة، التي سيؤيدها الزوج أخيرا.

الجزء الأول بأكمله عن "البقاء" وليس النزوح، وهو يعطينا انطباعا بأنه متعاطف مع آلاف السوريين، الذين رفضوا مغادرة سوريا، والذين يقومون بترويض الحياة، وبترويض ظروفهم القاسية، يوما بيوم، وساعة بساعة، ويمتلكون روحا مرحة متفائلة، إنها ببساطة قوة الاحتفال بإرادة الحياة، فى مواجهة طوفان الموت والدمار.

كانت هناك مشكلة أخرى أوضح، عندما أرادت المخرجة كاتبة الفيلم أن تغيّر صورة الأب من رجل بسيط متعاطف، إلى سلطة ذكورية متحكمة، وهو أمر لا تحتمله الشخصية المأزومة أصلا، والمحبة لأسرتها، وكان غريبا فعلا أن تحاول الابنة التخلص من سلطة والدها، مع أنه الحماية الوحيدة الممكنة والمتاحة فى ظروف الحرب والقصف.

معتز (سامر المصري) ميكانيكي تمسك بالبقاء فى بيته الذي وضع فيه كل جهده، وهو أب لطيف وحنون جدا مع زوجته هالة (كندة علوش)، ومع ابنته زينة (هالة زين)، وهي الابنة الوحيدة التي لم تتزوج، بعد أن هاجرت أخت لها مع أسرتها إلى أوروبا، واختفت أخت ثالثة، وانقطعت أخبارها هي وأسرتها.

الآن على معتز وعائلته المتبقية التعامل مع سقوط سقف البيت، ووجود فتحات واسعة فى الجدران بسبب القصف، ولكن فتحة السقف ستكون نافذة زينة للقاء جارها الشاب الصغير عامر، الذي يهوى تصوير المواد الإخبارية، والذي يعرض لزينة أفلاما صورها للبحر.

مشاهد لقاءات الاثنين على السطح ليلا ونهارا، وتخيلات زينة عن صيد السمك، وحكاياتها عن الحمام، من أفضل مشاهد الفيلم، وتأخذنا إلى آفاق شاعرية فى الصورة، رغم سذاجة بعض المواقف، وسذاجة الحوار، ولكنها سذاجة تليق على أي حال بفتاة وفتى فى مرحلة المراهقة.

هناك أيضا لحظات فكاهية طريفة وموفقة، بالذات فى مواقف الزوج معتز، ومحاولته حماية أسرته من نظرات الجيران، وفى إصلاح مولد الكهرباء، ولكن اكتشاف الزوجة أن نفقا للهروب قد صار معدا للعمل، ورفضها أن تتزوج ابنتها من مقاتل فى الحرب، سيجعلها تصر على الهروب مع ابنتها، ليبدأ الجزء الأقل بريقا فى كل شيء، وخصوصا مع ظهور عامر مع هالة وزينة، بل وظهور الزوج معتز طالبا السماح، وموافقا على أن ينضم لأسرته فى نهاية مضطربة، ويبدو أن عقاب معتز على سيطرته المفترضة كان الهاجس الأهم، مع أنه رجل يفيض بالرقة والحنان، ولا يمكن أن يكون مصدر سيطرة فى زمن الفوضى والموت، بل لعله السند والحماية، ومسألة زواج ابنته كان يمكن حلها، أو التفاوض بشأنها.

لا يمكن القول إن الفيلم مع من اختار البقاء، ومع من اختار النزوح أو الفرار فى نفس الوقت، لأن النهاية تنحاز إلى اللجوء، وإلى البحر والسفر، وترى تحقيق الحلم، واستكمال الدراسة خارج سوريا، وليس مفهوما فى الفيلم تفاصيل حصار المنطقة التي تسكنها عائلة معتز، فهناك جماعات مسلحة مجهولة الهوية تظهر وتختفي، وتتحكم فى نفق الهروب، وتطمئن السكان، بينما المخاوف كلها من قدوم الجيش السوري، ولا نعرف بالتحديد ما تشكله استعادة الجيش للمنطقة من خطر على الأهالي، مما يضيف تشوشا جديدا فى المعالجة، ويبدو أن الفيلم يعتقد أن المتفرج متابع أصلا لتشابكات الموقف السوري المعقد، وسيفهم تفاصيل الصراع الدقيقة.

إضافة إلى هذه الملاحظات، فإن تباينا واضحا ظهر فى أداء الممثلين، فبينما تبدو كندة وسامر أفضل نسبيا، فإن الوجهين الشابين نزار العاني فى دور عامر، و هالة زين فى دور زينة، لا يمتلكان حضورا، ولا قدرة على الأداء، وفى مشاهد من الجزء الثاني كان صوت نزار أقل وضوحا مما ينبغي، لقد كان نزار وهالة فى حاجة إلى مزيد من التدريب، مع أن قصتهما تمثل بطولة خاصة داخل الحكاية، ولعلها البطولة الأصلية للحكاية، ولعلهما أيضا الجديران بالهرب معا.

سؤدد كعدان مخرجة فاهمة، لديها قدرة على اكتشاف إمكانيات المكان، وتوظيفها دراميا، ومعها مدير تصوير ممتاز، ولكنها تبدو تائهة فى الجزء الثاني من الفيلم، على العكس من مشاهد ممتازة فى الحي المهدم، وفى داخل الشقة ذات السقف المفتوح على السطح.

ربما استخدمت بعض اللقطات التقليدية، مثل استخدام الحركة البطيئة فى مشهد قصف المنزل، وسقوط السقف، ولكن هذا الجزء عموما متماسك، وفيه كثير من حيوية الأداء، وكأننا بالفعل وسط أسرة بسيطة، تتصرف بحرية وتلقائية، كما أن اللحظات المرحة، وتفاصيل التعامل اليومي فى البحث عن الطعام والمياه، وتأثر معتز وبكائه، وإنكاره فى كل مرة أنه يبكي، ومحاولته الفاشلة لإطلاق الرصاص من مسدسه، كل ذلك منح هذا الجزء بريقا مستحقا لم يستمر حتى نهاية الفيلم.

غلبت الصنعة بعد ذلك، وبدأت رحلة نزوح، ولم تخفف منها لحظات مرح الأم وابنتها، ولا ملابسهما الجديدة، التي رافقتهما فى رحلة الهروب، فقد بدا كما لو أننا نبدأ حكاية، ولا نكملها، أو كأننا عدنا إلى عمل تقليدي عن الحرب، ولسنا أمام مغامرة تحكي عن حياة البشر، وأحلام البسطاء وسط الحرب.

لقد حدثت ثغرة واسعة فى الدراما، بحجم تلك الثغرة التي تركها القصف فى سقف المنزل، والتي لم تتم تغطيتها أبدًا.

أضف تعليق