لا يطلبون المساعدة لكنهم يحتاجونها، مرضى أو مفقود أو تعرضوا لظروف قاسية، انتهت حياتهم بتواجدهم فى الشوارع «بلا مأوى»، التفكير فى إنقاذ تلك الفئة لم يكن أمرًا سهلاً، لكن «مصر» لا تترك أهلها بدون أي مساعدة، فنحن المصريين بداخلنا تعيش «الإنسانية والطيبة والجدعنة»، وهو ما فعله المهندس محمود وحيد، عندما وجد أحد المشردين يتألم ويحتاج إليه، وقد كان هذا «الرجل» سببًا فى التفكير فى إنشاء أول مؤسسة فى مصر تحصل على ترخيص من وزارة التضامن الاجتماعي من أجل مساعدة من لا مأوى لهم وهي مؤسسة «معًا لإنقاذ إنسان».
كيف تم إنشاء تلك المؤسسة؟! وما تفاصيل الحالات التي تم مساعدتها؟! وكثير من التفاصيل التي تعرفت عليها «أكتوبر- بوابة دار المعارف» فى حوار خاص مع «محمود وحيد» مدير مؤسسة «معًا لإنقاذ إنسان».. وإلى نص الحوار...
كيف جاءت إليك فكرة جمعية «معًا لإنقاذ إنسان»؟!
بدأت القصة عندما كنت فى طريق عودتي إلى المنزل بعد العمل، حيث شاهدت رجلا يتألم فى الشارع ويحتاج إلى المساعدة وبالفعل قمت أولا بتنظيفه واشتريت له جلبابًا نظيفًا ثم طلبت له الإسعاف لأنني كنت على علم أنهم سيرفضون أن يأخذوه لأنه «مشرد»، وفعلا رفضوا استلامه بسبب عدم استقبال أي مستشفى له وبعد محاولات معهم أخذوه وبالفعل رفض أكثر من مستشفى استقباله، واتصلت بطبيب كبير فى مستشفى أم المصريين وهو الدكتور محمد ندى الطبيب الإنسان ووصفت له الحالة منذ بداية تعاملى معها فطلب مني أن أحضر له الحالة إلى المستشفى، وبناء عليه حجزت له فى مستشفى أم المصريين وبعد الكشف تبين أنه من الضروري أن يعمل عملية جراحية وتحملت المسئولية الكاملة ووقعت على كل الأوراق الخاصة بحالة المريض وبعدها بدأت الحالة تتحسن تدريجيا، وكنت أتعامل معه بكل صبر وجلد لأنه أيضًا مصاب بالزهايمر.
وماذا فعلت بعد ذلك بالنسبة لهذه الحالة بعد تماثلها للشفاء؟!
فكرت أن أضعه فى دار للمسنين فبدأت أبحث عن دار تأخذه لكن جميعها كانت لها شروط معينة لأى حالة تتسلمها منها أن يكون من يسلم الحالة للدار قريبًا له من الدرجة الأولى، وبالإضافة إلى بعض الأوراق الرسمية وهنا واجهت التحدى وبدأت أفكر كيف أساعده وفى نهاية المطاف وبعد رحلة طويلة من البحث عن دار للمسنين تقبل الحالة لم أجد سوى دار استثمارية فى مدينة نصر تأخذ مقابلاً ماديًا كبيرًا شهريًا.
وماذا فعلت بعد أن أودعته الدار الاستثمارية للمسنين؟!
قلت فى نفسى الحمد لله لقد أديت مهمتى معه، لكن مازال أهالينا بلا مأوى كثيرون فى الشارع ولأنه منذ ذلك الحين لم تقع عيناى إلا عليهم فى الشوارع والميادين وكأن القدر يسوقنى إليهم وبالفعل بدأت الحالة تصبح اثنين وثلاثة وهكذا واستمرت هذه الحالة معى حتى اصطدمت بواقع آخر أشد مرارة عندما اتفقت مع بعض أصحابى على تدبير بعض الأموال لحالة صعبة وعندما جهزنا كل ما يحتاج إليه وهممت أن آخذه من الشارع وجدته للأسف قد فارق الحياة وشعرت بصدمة كبيرة بأن الإنسان ليس له قيمة للأسف، هذا الرجل لم أتركه وقمت بكل الإجراءات لدفنه وبعد ذلك قررت أن أقوم بتخصيص مكان لكل من لا مأوى له بالمجان بدون إجراءات وبدون روتين مكان يعيشون فيه حياة كريمة واستأجرت مكانًا فى السادس من أكتوبر وهو عبارة عن شقتين دور كامل وخصصت مكانًا للرجال ومكانًا للسيدات، وتوجهت إلى وزارة التضامن الاجتماعى من أجل الحصول على الترخيص، لكن للأسف لم يكن هناك أي تراخيص مخصصة للمشردين فكل التراخيص كانت للمسنين والأيتام وبعد أربع سنوات من هذا الجهد حدث تعديل لائحة وتعديل للقانون وأخذنا ترخيص رقم واحد فى مصر كأول مؤسسة أهلية لرعاية المشردين منذ عام ٢٠١٦.
بعد الحصول على الترخيص للمؤسسة هل قدمت لكم وزارة التضامن الاجتماعي دعمًا؟!
نعم دعمتنا الوزارة بثلاثة مبانٍ للمؤسسة ونحن نقوم بإتمام عمليات التوضيب والفراشة وإنهاء كل احتياجات المبانى.
أنتم المؤسسة رقم واحد فى مصر لرعاية من لا مأوى لهم «المشردين» هل هناك جمعيات أخرى أخذت نفس النهج بعد ذلك؟!
نعم يوجد عدة مؤسسات تابعة لوزارة التضامن حوالى أربع مؤسسات لكن مؤسساتنا تتميز بأنها أكبر صرح فى مصر لهذه الفئة من أهالينا بلا مأوى وتقدم خدمات كثيرة ومتنوعة، وهناك بعض الحالات ترسلها لنا وزارة التضامن الاجتماعي.
ما قصة الحاجة فريدة «أشهر مشردة»؟!

من القصص التى لا يصدقها أي عقل سيدة عمرها خمسة وثمانون عاما عاشت عمرها كله فى الشارع بعد أن طلقها زوجها وهى فى العشرينيات وأخذ منها ابنتها وطردها إلى الشارع ولم يكن لها أهل.
الحاجة فريدة تعتبر أشهر مشردة وعندها كسر فى الحوض ولا تستطيع الحركة كان وضعها صعبًا جدا وتموت ببطء نزلنا إليها وقلنا لها فى محاولة أخيرة منا بعد أن عرفنا منها أنها تبحث عن ابنتها، كذبنا عليها وقلنا لها إننا نعرف مكان ابنتك تعالى معنا وكنا مجهزين كيف سنتعامل معها ونحاول مساعدتها فى إيجاد ابنتها ونتعرف منها على تفاصيل أكثر دقة وبالفعل جاءت معنا وقمنا بعمل اللازم لها من تنظيف وعلاج وبدأت تسألنا عن ابنتها ونحن نتحجج لها بحجج واهية حتى قالت لنا فى يوم من الأيام أنتم كذبتم على فأنتم لا تعرفوا مكانها وقلنا لها الحقيقة إنك كنت مريضة وتحتاجى إلى رعاية لذلك كذبنا عليك حتى نتمكن من علاجك وأصرت أن ترجع إلى الشارع لاعتقادها أن ابنتها ستأتي لمكانها فى الشارع.
وأخذت تصرخ صراخا هستيريا وبالفعل أحضرنا لها طبيبا نفسيا وأعطى لها بعض المهدئات وبدأنا نعرف قصتها تدريجيا وقد توصلنا إلى أنها كانت متزوجة فى العباسية وعندما طلقها زوجها أخذ منها ابنتها وطردها إلى الشارع وهى تتذكر كل شىء يتعلق بابنتها اسمها وسنها وقد أجرينا عدة أبحاث لمعرفة مكان ابنتها فى العباسية وسألنا بعض الجيران ولا أحد يعرف شيئًا وقد فكرنا فى كبار السن والأمهات هم الذين من الممكن أن يدلونا على أي شىء..
وقد وفقنا الله إلى سيدة مسنة وسألنا عن فلان وفلانة ابنته وزوجته وعرفنا منها أنهم انتقلوا إلى غمرة بعد أن توفى طليقها ولم نيأس وبحثنا عن الابنة وقد قابلنا فى بحثنا رجلا محترما ووضعه الاجتماعى رفيع المستوى وصاحب مصنع وسألناه عن ابنة فلان اهتم كثيرا بالتفاصيل وبعد ذلك علمنا أنه زوج الابنة التى نبحث عنها وقد شعر بصدمة لأنه يعلم أن حماته ماتت منهم ومع كثير من المحاولات بين الجانبين، حيث إن القصة لا أحد يصدقها ومع ذكر الأم والأحداث والأشخاص لابنتها تذكرت الابنة وعادت الأم بعد كل هذه السنوات إلى حضن ابنتها وقد اختزلت عمرها كله فى هذه السنوات الأربع الأخيرة التى عاشتها بجانب ابنتها، ثم فارقت الحياة بعد أن عوضها الله وأكرمها بلقاء حبيبتها.
كيف يتم إيجاد أهالى الحالات الموجودة بالمؤسسة؟!
بعد أن تأتى الحالات إلى المؤسسة نبدأ بعمليات نشر لها على صفحات التواصل الاجتماعي أو من خلال بحث ميدانى وهكذا نستطيع أن نصل إلى الأهالى، وهناك حالات كثيرة جدا تم عمل لها دمج مجتمعى وترتب على هذا الدمج زواج بعض الحالات لأحد النزلاء وذلك بعد أن حل مشاكلهم سواء الصحية أو أي مشاكل اجتماعية كما نقوم بتوفير فرص للعمل سواء داخل المؤسسة أو خارجها وبعد أن يصبح مسئولا ولديه مصدر للدخل نقوم بزواجه واحدة من سيدات المؤسسة بعد أن تكون استعادت عافيتها ودمجها فى المجتمع وأصبحت تعمل فى المؤسسة .
كيف تصل إليكم هذه الحالات هل يتم تبليغكم بها أو وزارة التضامن ترسل لكم بعض هذه الحالات؟!
الحالات ثلاثة أنواع أطفال ورجال وسيدات بالنسبة للأطفال نأخذهم بطريق قانونى عن طريق إبلاغ النيابة لتصرح لنا لأخذهم أو عن طريق وزارة التضامن وبالنسبة للكبار من الجنسين لدينا فريق إنقاذ يبحث عنهم طالما لدينا أماكن فارغة ولدينا الإمكانيات لها وبعد أن نقوم بإنقاذ الحالة نقوم بعمل الإجراءات الرسمية والتى نخطر بها وزارة التضامن ووزارة الداخلية.
كم يبلغ عدد فريق الإنقاذ لديكم؟!
لدينا فريق من المتطوعين وقد تخطينا المليون متطوع على مستوى الجمهورية من الإسكندرية إلى أسوان وهؤلاء جميعهم متطوعون وليسوا موظفين وموظفات لدينا ومن خلال غرفة العمليات فى المؤسسة نتعامل مع أي حالة فى أي مكان ونوجه المتطوع بكيفية التعامل مع هذه الحالات.