يرتكز الأمن القومي على تأمين الدولة من المخاطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية المنظورة وغير المنظورة، وفي عالم الذكاء الإصطناعي لم نعد أمام رفاهية الإختيار من عدمه، وإنما أصبحنا أمام تهديدات بعضها منظور، وبعضها غير منظور، فالفوائد أضحت مقترنة بالمخاطر، في هذا السياق جاء إهتمام مؤسسة دار المعارف برفع الوعي الجمعي حول تلك القضية.
فصدر عن المؤسسة كتاب في أبريل الماضي بعنوان: الدولة وأمنها القومي في عالم الذكاء الإصطناعي وتشابكاته، للكاتبة الدكتورة هبة جمال الدين أستاذ الدراسات المستقبلية بمعهد التخطيط القومي وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، والحاصلة على جائزة الدولة التشجيعية العام الماضي في مجال علم الاجتماع إضافة لخمس جوائز بحثية عربية.
يتناول الكتاب تأثير تكنولوجيا الذكاء الإصطناعي والأمن السيبراني والسياسة البيولوجية على الأمن القومي، وأركان الدولة كأحد روافد الثورة الصناعية الرابعة، فقد أضحى الذكاء الإصطناعي حقيقة واقعة معاشة يوميًا عبر برامج حاسوبية قادرة على محاكاة القدرات الذهنية، وأنماط عملها في ظل قدرتها على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج عليها الآلة، وإنما تكتسبها من الإحتكاك بالعالم البشري، فأصبح فاعلاً في الحياة اليومية نؤثر فيه ونتأثر به، وبالتبعية كجزء من الثورة الصناعية الرابعة، التي صاحبها ثورة البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء وتعلم الآلة وسلاسل الكتل.
ومع هذا الزخم يقف العالم أمام إشكالية مهمة يطرحها الكتاب، ألا وهي العلاقة بين هذه الثورة العلمية والأمن القومي وتأثيرها على أركان الدولة.
فلم تعد الدول المحتكر الوحيد للقوة والعنف وسلطة الإكراه في المجتمع، فأصبحنا أمام كيانات من غير الدول تستخدم القوة والعنف والأسلحة وسلطة الإكراه تزاحم الأخيرة في سلطتها وقدراتها كالأفراد الاعتياديين و الجماعات الإرهابية وقوى الطبيعة ذاتها والسيبورغ والروبوتات، بل وأصحبت الدول العظمى تُهزم في ساحات الحروب السيرانية كالهجمات المتكررة ضد الولايات المتحدة الأمريكية عدة مرات خلال العام الماضي، بل وظهرت قوات سيبرانية كونية global cyber troops تغزو العالم خلفها الفضاء السيبراني، وأصبحت تقف جنباً إلى جنب مع القوات العسكرية التي نجاحها وفاعلية دورها يتوقف على التعاون بين القوتين لتعظيم التأثير والمردود، ولكنها قوات غير نظامية تمثل تنافساً، بل وتهديداً للأمن القومي للدول.
وتناول الكتاب لأسلحة جيدة تمثل تهديداً خطيراً للأمن القومي للدول، كالحشرات الروبوتينية وتجنيد الروبوتات عن بعد، والفيروسات الجينية، والأسلحة البيولوجية، ومخاطر القضاء على الجنس البشري أو إصابة شعوب دون أخرى خاصة في ظل ظهور تقنيات التحرير الجيني وتقنية كرسبر وما تطرحه من إشكالية التغير الجيني وما بعد تحديد تتابع الجينات، الأمر الذي يمثل إشكالية خطيرة على الأمن القومي للدول والبشر، فعلى سبيل المثال ظهور تقنية التعرف على الوجه تيسر عمليات الاغتيالات والجرائم الإرهابية، مما يزيد من الأعباء على كاهل الدول.
وتعرض الكتاب لعدد من الإشكاليات حاول التصدي لبعضها وإثارة بعضها للنقاش العام، من أبرزها طبيعة دور التكنولوجيا الحديثة في تدعيم قوة الدول مقابل أضعافها، في ظل ظهور مفاهيم جديدة كالسيادة الإلكترونية أو السيادة على البيانات أو ما يسمى بالسيادة الرقمية وتشكيل مناطق ذات سيادة سيبرانية في الفضاء السيراني، وماهية الأهداف الوطنية التي تطلع بها الدول لحماية أمنها السيبرانى؟ كيف استطاعت تقنيات التزييف العميق خلق حالة ما بعد الحقيقة التي تسيطر فيها المعتقدات على العلم، أن تجعل الفضاء والواقع ساحة للتشويه والهجوم والاتهام؟ كما طرح الكتاب لإشكالية تأثير الأمن السيبراني على القواعد المستقرة في العلاقات الدولية، كيف يمكن تكييف الهجمات السيبرانية في ظل اختفاء هوية الفاعل والتكييف القانوني للهجمات؟ وفي ظل غياب أخلاقيات العلم.. هل نحن الآن أمام حالة الطبيعة الأولى التي شغلت علماء السياسة والفلسفة الأخلاقية التي تناولتها نظرية العقد الاجتماعي، حيث تتسم حالة الطبيعة الأولى السيبرانية بالصراع وحالة حرب الكل ضد الكل وانتشار الفوضى؟
كما تعرض الكتاب لظهور فاعلين جدد يشاركون البشر في حياتهم في ظل عالم ما بعد الإنسانية، كالروبوتات وما تطرحه من إشكالية الإحلال محل البشر في الوظائف وسوق الأعمال، فقد تصدى الكتاب لتلك الإشكالية الجد خطيرة، ورصد ظهور فاعلين جدد مثل وجود أول سايبورغ بشري يتحرك بين الأحياء، مما يطرح إشكاليات بشأن مشاركة أجساد الموتى عبر السايبورغ في الحياة أمام المخطط وصانع القرار والمؤسسات الدينية، فما هي الحقوق التي سيتمتعون بها وما هي الواجبات التي عليهم الالتزام بها، هل سنكون أمام اختفاء ظاهرة الموت الجسدي، وما شرعية الوضع بالنسبة للأديان، وما مدى إمكانية التزاوج بين البشر والسايبورغ، وإشكالية التزاوج ليس فقط بين البشر والسايبورغ، ولكنها تمتد للتساؤل حول إمكانية التزاوج بين البشر والروبوتات، التى بدأت في التطبيق بالفعل وما ينتج عن ذلك من إشكاليات اجتماعية كثيرة.
كما تعرض الكتاب لإنترنت الأجسام وخطورة التحكم في الجسم البشري عن بُعد والاختراق السيبراني المشروع للجسد وما يمثله من تحدى للأمن القومى للدول.
هذا وقد طرح الكتاب عدد من التقنيات التي تمثل حلاً لبعض الإشكاليات السياسية كتقنية فوتس Votaz التي تيسر التصويت عن بُعد ومعترف بها دولياً، الأمر الذي يمكن توظيفه لحل إشكالية التصويت للمواطنين بالقدس خلال الانتخابات الفلسطينية على سبيل المثال، وتقنيات استقراء مطالب "الشبكة العصبية الاجتماعية"، التي تمكن الساسة والنخب لصياغة برامج انتخابية تلبي مطالب جموع المواطنين، وتوصل الكتاب لعدد من السياسات التي يحتاج المخطط لتبنيها في ضوء التكنولوجيات الجديدة البازعة لتعزيز الأمن القومي للدول.
وفي ضوء ما تقدم وبقدر ما يشير إليه الكتاب من أبعاد فإنه قد يرى من الأهمية أخذ ما ورد بالكتاب بعين الاعتبار لدى مؤسسات اتخاذ القرار التي يمكن من خلاله توظيف ذلك ضمن آليات حماية الأمن القومي للدولة بكافة أبعاده.. والله ولي التوفيق.
إذن نحن أمام كتاب يتصدى لما يمكن أن نطلق عليه مشاكل الحاضر، وتوقعات المستقبل ودراسة جادة علمية، لذلك يجب أن نقرأ لنعرف ماذا يجري من حولنا والكتاب متوافر بفروع دار المعارف والمكتبات الكبرى.