في الحروب النفسية.. على الحكومات أن تنتبه! (3)

خلال الأسبوعين الماضيين، تناولنا جانبًا من الحرب النفسية التي تُمارس في مواجهة شعوب المنطقة، وفي القلب منها مصر ، التي تعرضت خلال السنوات الماضية لأشكال متعددة من محاولات التأثير فى وعي المواطنين وزعزعة الثقة بين المواطن والحكومة.

وما يحدث لم يعد مجرد نشر شائعة هنا أو خبر مضلل هناك، أو محاولة تشويه مشهد أو التشكيك فى موقف؛ وإنما بات أقرب إلى منظومة متكاملة لإدارة الحرب النفسية ، تستهدف الوعي قبل أن تستهدف الموقف، والثقة قبل أن تستهدف القرار.

فالهدف لم يعد بالضرورة إقناع المواطن برواية محددة، وإنما الوصول إلى مرحلة أكثر خطورة، وهي التشكيك فى كل الروايات، وعدم تصديق أي معلومة تصدر عن الدولة أو الحكومة .

هنا تكمن خطورة النموذج الجديد من الحرب النفسية .

فالشارع المصري ليس مستهدفًا فقط من جانب منصات إعلامية أو وسائل إعلام أو مراكز دراسات تعمل وفق أجندات محددة، وإنما أصبح ساحة لاختبار أدوات أكثر تطورًا تعتمد على الفضاء الإلكتروني، وتستثمر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتبحث عن نقاط الضعف التي يمكن النفاذ منها إلى وعي المواطن .

والسيناريو الأخطر لمنطقة الشرق الأوسط فى المرحلة الحالية ربما لا يقوم فقط على تحريك الشارع، وإنما على إغراق الدول فى أزمات متلاحقة، بحيث تنشغل الحكومات بإطفاء الحرائق واحدة تلو الأخرى، بينما تتسع مساحات الغضب والاحتقان، لتصبح بيئة مناسبة لإعادة إنتاج الفوضى.

من هنا، فإن مواجهة الحرب النفسية لا تبدأ فقط من أجهزة الدولة المعنية، وإنما تبدأ أيضًا من وعي الحكومة نفسها بمواطن القوة والضعف داخل المجتمع.

وفى هذا العدد من سلسلة «الحرب على العقول» أو « الحرب النفسية »، نتوقف أمام تسع نقاط قد تتحول، إذا لم تنتبه إليها الحكومات ، إلى ثغرات تستغلها الأطراف المعادية لتأجيج الغضب الشعبي وزيادة مساحة عدم الثقة.

(1) نحن أمام مشهد شديد التعقيد، فى ظل أزمات اقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية تضرب عددًا من دول المنطقة وجوارها الإقليمي.

من عودة الإرهاب فى بعض مناطق الساحل والصحراء، إلى تدهور الأوضاع فى السودان، واستمرار التوترات الإسرائيلية فى الأراضي اللبنانية والسورية، واتساع العمليات الاستيطانية فى الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة فى الضفة الغربية والقدس، مرورًا بعدم استقرار الأوضاع فى العراق ، وصولًا إلى التوترات المتصاعدة من جهة الشرق (الخليج العربى).

كل ذلك يحدث فى ظل حالة دولية مضطربة، وتراجع القدرة على الوصول إلى حلول سياسية لكثير من الأزمات، الأمر الذي يجعل المنطقة أمام احتمالات مفتوحة لمزيد من التوتر.

وسط هذا المشهد، تجد الحرب النفسية بيئة عملياتية مناسبة للعمل؛ فكل أزمة يمكن استثمارها، وكل قرار يمكن إخضاعه للتشكيك، وكل حالة غضب يمكن البناء عليها.

ولهذا يجب أن تنتبه الحكومات إلى أن بعض الأزمات التي تبدأ لأسباب اقتصادية أو اجتماعية قد تتحول، إذا أُديرت بصورة غير جيدة، إلى أزمات ثقة سياسية.

وهنا نصل إلى النقاط التسع الأخطر والمؤثرة على نتائج الحرب النفسية.

أولًا: القرار المفاجئ.. أخطر ما يمكن أن تقدمه الحكومة لخصومها.

القرارات المفاجئة تمنح الأدوات الإعلامية العاملة فى الفضاء الإلكتروني مساحة أوسع للمناورة، وتتيح لها استغلال حالة الارتباك التي تصاحب القرار، خاصة لدى الفئات الأقل اتصالًا بالمعلومات أو الأقل قدرة على فهم أبعاد القرار وتداعياته.

وفى هذه اللحظة تحديدًا تبدأ عملية صناعة الرواية البديلة.

فالمواطن قد يتقبل قرارًا اقتصاديًا صعبًا إذا فهم أسبابه، وعرف أهدافه، واطمأن إلى وجود إجراءات لحمايته من آثاره، لكنه غالبًا ما يرفض القرار المفاجئ الذي يشعر بأنه فُرض عليه دون مقدمات.

وهنا لا تصبح المشكلة فى القرار وحده، وإنما فى الطريقة التي وصل بها القرار إلى المواطن.

ثانيًا: غياب الحوار.. الفراغ الذي تملؤه الشائعات .

يؤدي غياب الحوار بين المسؤول والمواطن إلى خلق مساحة من عدم الثقة، وهذه المساحة هي أول ما تبحث عنه أدوات الحرب النفسية.

فعندما لا يجد المواطن تفسيرًا رسميًا واضحًا، أو لا يحصل على إجابات عن الأسئلة التي تشغله، يصبح أكثر استعدادًا للاستماع إلى روايات أخرى.

وقد تبدأ المسألة بسؤال مشروع، ثم تتحول تدريجيًا إلى شك، ثم إلى رفض، ثم إلى قناعة بأن كل ما يصدر عن الحكومة غير صحيح.

وقد وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، فى أكثر من مناسبة، المسؤولين إلى ضرورة الحوار مع المواطنين وتوضيح الحقائق والتحدث عن تفاصيل القرارات، لأن كل قرار تتخذه الدولة تقف وراءه أسباب وتفاصيل من حق المواطن أن يعرفها.

فالمعرفة واحدة من أقوى وسائل حماية المجتمع من الحرب النفسية.

وكلما ارتفع وعي المواطن بحجم التحديات التي تواجه الدولة، أصبح أكثر قدرة على التمييز بين المعلومة الحقيقية والمعلومة التي تستهدف التأثير فيه.

ثالثًا: سوء تقدير رد فعل الشارع.. عندما تفاجئك النتيجة .

كثيرًا ما يكون سوء تقدير رد الفعل الجماهيري أحد أسباب الأزمات، وربما أهمها.

ف الحكومة التي لا تمتلك قراءة دقيقة لنبض الشارع قد تتخذ قرارًا تراه منطقيًا، ثم تفاجأ بأن رد الفعل الشعبي جاء مختلفًا تمامًا.

وهنا لا تكفي التقارير الرسمية أو استطلاعات الرأي، رغم أهميتها، لأن الرأي العام يتأثر بعوامل عديدة، من بينها طريقة تقديم القرار، والتوقيت، والظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة به.

والأخطر أن عناصر الحرب النفسية تستطيع استثمار أي رد فعل غاضب، وتضخيمه، وإعادة إنتاجه عبر منصات التواصل الاجتماعي ، حتى يبدو المشهد أكبر من حجمه الحقيقي.

ففي فرنسا ، لم تكن الحكومة تواجه انهيارًا اقتصاديًا أو نقصًا فى السلع عندما قررت زيادة الضرائب على الوقود ضمن سياساتها البيئية.

لكن القرار اصطدم بواقع اجتماعي مختلف؛ فقد رأت قطاعات من الفرنسيين، خصوصًا خارج المدن الكبرى، أن تكلفة التحول البيئي تقع بصورة أكبر على أصحاب الدخول المحدودة، وعلى المواطنين الذين يعتمدون على السيارات فى حياتهم اليومية.

وهكذا ظهرت حركة السترات الصفراء عام 2018، قبل أن تتجاوز قضية الوقود إلى احتجاجات أوسع على تكاليف المعيشة والسياسات الاقتصادية.

واضطرت الحكومة الفرنسية إلى تعليق الزيادة فى ضرائب الوقود فى ديسمبر 2018.

والدرس هنا ليس أن القرار كان بلا منطق اقتصادي أو بيئي، وإنما أن تقدير القدرة الاجتماعية على تحمل القرار وتوقيت تطبيقه وطريقة تقديمه لا يقل أهمية عن القرار نفسه.

(2) رابعًا: تراكم الأزمات.. عندما تتحول المشكلات إلى بيئة للغضب.

تراكم الأزمات يمنح الأطراف المعادية مساحة أكبر للتحرك.

فالأزمة الاقتصادية وحدها قد تكون قابلة للاحتواء، والأزمة الاجتماعية وحدها يمكن التعامل معها، لكن اجتماع الأزمات فى توقيت واحد يضاعف الضغوط على المواطن و الحكومة معًا.

وفى هذه الحالة تصبح كل مشكلة جديدة إضافة إلى رصيد سابق من الغضب.

وهنا تستطيع أدوات الحرب النفسية استثمار هذا التراكم، من خلال تأجيج المشاعر، وتقديم كل أزمة باعتبارها دليلًا جديدًا على فشل الدولة، وصولًا إلى محاولة دفع الشارع نحو الفوضى.

لكن ذلك لا يعفي الحكومات من مسؤوليتها.

ف الحكومة مطالبة بإدارة الأزمات قبل أن تتراكم، والتدخل المبكر قبل أن تتحول المشكلة المحدودة إلى أزمة واسعة.

خامسًا: ضعف التواصل الحكومي و ترك المعلومة للآخرين.

الإعلام أحد أهم أدوات إدارة الأزمات، والتواصل الحكومي الفعال يمثل عنصرًا أساسيًا من عناصر قوة الدولة.

فالإعلام يحتاج إلى معلومات صحيحة ومدققة وسريعة، والمواطن يحتاج إلى إجابات واضحة ومباشرة.

وعندما تغيب المعلومات الرسمية، تظهر البدائل.

وهنا تبدأ الشائعات فى ملء الفراغ، وتصبح الروايات غير الدقيقة أكثر قدرة على الانتشار.

لذلك لا يكفي أن تتخذ الحكومة قرارًا ثم تشرح أسبابه بعد صدوره.

المواطن يريد أن يعرف:

لماذا صدر القرار؟

وما البدائل؟

ومن سيتحمل تكلفته؟

وما الإجراءات التي تحمي محدودي الدخل؟

ومتى تنتهي آثاره؟

هذه ليست أسئلة إضافية، وإنما جزء من عملية صناعة القرار نفسه.

سادسًا: الشعور بعدم العدالة.. أخطر من ارتفاع التكلفة؛ قد يقبل المواطن زيادة أو إصلاحًا اقتصاديًا صعبًا إذا شعر أن الجميع يتحملون التكلفة بصورة عادلة.

لكن عندما يعتقد أن الأعباء تقع بصورة أكبر على الطبقات الأقل قدرة، بينما تظل الفئات الأكثر ثراءً بعيدة عن آثارها، يتحول الغضب الاقتصادي سريعًا إلى غضب سياسي.

فالعدالة ليست فقط فى قيمة الدعم أو الضرائب أو الأسعار، وإنما فى الإحساس بأن الدولة تتعامل مع الجميع وفق معيار واحد.

ومن هنا، فإن أي إصلاح اقتصادي يحتاج إلى شبكة حماية اجتماعية واضحة، وإلى شرح صريح لمن يتحمل التكلفة ولماذا.

سابعًا: ارتفاع الأسعار .. المواطن يرى الأزمة فى حياته اليومية.

ارتفاع الأسعار من أكثر العوامل قدرة على إنتاج الغضب الشعبي.

فالمواطن قد لا يهتم كثيرًا بالأرقام الاقتصادية الكبرى، لكنه يشعر بالأزمة عندما يذهب إلى السوق ويكتشف أن دخله لم يعد قادرًا على شراء الاحتياجات نفسها.
وهنا تصبح الأجواء مهيأة للمقارنات بين الماضي والحاضر.

وتعمل أدوات الحرب النفسية على تقديم الماضي باعتباره أكثر راحة، والحاضر باعتباره أكثر سوءًا، دون النظر إلى اختلاف الظروف والتحديات بين المرحلتين.
كما يتم تجاهل سؤال مهم:

لماذا لم تُحل كثير من المشكلات فى وقت سابق، عندما كانت تكلفة حلها أقل؟

لكن الهدف فى كثير من الحالات لا يكون تقديم تحليل اقتصادي حقيقي، وإنما اختصار المشهد كله فى صورة واحدة: «كان الماضي أفضل، والحاضر أسوأ».

وهكذا تتحول المقارنة من أداة للفهم إلى أداة لإشعال الغضب.

ثامنًا: فقدان الثقة .

يعد فقدان الثقة بين المواطن و الحكومة من أخطر البيئات التي يمكن أن تعمل فيها الحرب النفسية .

فعندما يفقد المواطن الثقة، لا يعود السؤال بالنسبة إليه: «هل هذه المعلومة صحيحة؟»، وإنما يصبح: «هل يمكن أن أصدق الحكومة أصلًا؟».

وهنا تتساوى المعلومة الصحيحة مع الشائعة فى ذهن المتلقي.

وهذه هي المرحلة الأكثر خطورة؛ لأن المعركة لم تعد حول قرار أو قضية محددة، وإنما أصبحت معركة على الثقة نفسها.

ولذلك فإن استعادة الثقة أصعب كثيرًا من فقدانها، وتحتاج إلى قدر أكبر من الشفافية والوضوح والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.

تاسعًا: تأخر تصحيح القرار.. الوقت يعمل ضد الحكومة .

قد يكون القرار قابلًا للتصحيح، لكن التأخر فى التصحيح يمنح الأزمة وقتًا أطول للنمو.

فكلما تأخرت الحكومة فى مراجعة القرار أو تعديل آثاره، زادت المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها الأطراف التي تستهدف الدولة.

وفى عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن خلال ساعات أن تتحول قضية محدودة إلى قضية رأي عام.

لذلك فإن الاعتراف بالخطأ وتصحيحه ليس ضعفًا، وإنما قد يكون فى كثير من الأحيان أحد عناصر قوة الدولة.

فالقرار الذي لا يحقق أهدافه يجب مراجعته، والسياسة التي تنتج آثارًا سلبية غير متوقعة يجب تعديلها.

المشكلة ليست فى أن تخطئ الحكومة، وإنما فى أن تدرك الخطأ ثم تتأخر فى التعامل معه.

القرار الصعب.. هل يكفي أن يكون صحيحًا اقتصاديًا؟

الحكومات لا تدير أرقامًا وميزانيات فقط، وإنما تدير مجتمعات لها قدرة محدودة على تحمل الأعباء.

وقد يكون رفع الدعم ضروريًا، وقد تكون زيادة الضرائب مطلوبة، وقد يكون إصلاح سوق الطاقة لا غنى عنه، وقد تكون إجراءات التقشف مفروضة بسبب أزمة مالية خانقة.

لكن السؤال لا يجب أن يكون فقط:

هل القرار صحيح اقتصاديًا؟

وإنما:

هل توقيته مناسب؟

وهل المجتمع قادر على تحمله؟

وهل شرحت الحكومة أسبابه؟

وهل توجد حماية للفئات الأكثر تضررًا؟

وهل يشعر المواطن أن الأعباء موزعة بعدالة؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا، وإنما جزء من صناعة القرار نفسه.

ف الحكومة التي تنظر إلى القرار من زاوية الأرقام فقط قد تكتشف متأخرة أن للمعادلة الاقتصادية طرفًا آخر اسمه الإنسان.

والإنسان هو فى النهاية هدف الحرب النفسية، وهو أيضًا خط الدفاع الأول عنها.

فإذا شعر المواطن أن حكومته تستمع إليه، وتشرح له، وتحميه، وتعترف بأخطائها وتصححها، تصبح مهمة أي جهة تسعى إلى اختراق وعيه أكثر صعوبة.

أما إذا تراكمت الأزمات، وغاب الحوار، وضعف التواصل، وارتفعت الأسعار، وشعر المواطن بعدم العدالة، وتأخرت الحكومة فى تصحيح قراراتها، فإنها قد تمنح خصومها، دون أن تقصد، الأدوات التي يبحثون عنها.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية..

الحرب النفسية لا تبدأ دائمًا من الخارج.. أحيانًا تجد طريقها إلى الداخل عبر ثغرات يمكن للحكومات أن تغلقها قبل أن تتحول إلى أزمات.

ولهذا فإن أفضل دفاع عن الدولة ليس فقط مواجهة الشائعة بعد انتشارها، وإنما منع البيئة التي تسمح لها بالانتشار.

فالشفافية تحاصر الشائعة، والحوار يهزم التشكيك، والعدالة تقلل الغضب، وسرعة التصحيح تمنع الأزمة من التمدد، و وعي المواطن يظل السلاح الأقوى فى مواجهة أي محاولة لاختراق المجتمع.

وفى النهاية، لا تكمن قوة الدولة فى أنها لا تخطئ، وإنما فى قدرتها على اكتشاف الخطأ مبكرًا، وتصحيحه، والتواصل مع مواطنيها، وإقناعهم بأنهم شركاء فى مواجهة التحديات، وليسوا مجرد متلقين لقراراتها.

ففي الحروب النفسية.. حماية وعي المواطن تبدأ من داخل مؤسسات الدولة نفسها.

أضف تعليق

في الحروب النفسية.. على الحكومات أن تنتبه! (3)

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان