" إننا نقتل أنفسنا عندما تضيق خياراتنا في الحياة"؛ عبارة تستحق كثير التأمل، قائلها الزعيم الإفريقي "نيلسون مانديلا"، والذي نحتفل بذكرى مولده المائة؛ بعد أن غادرنا عن عمْر يناهز الخامسة والتسعين، قضى جلها مناضلاً ثورياً ضد نظام الفصل العنصري في بلاده "جنوب إفريقيا".
"أبو الأمة" وهذا وصْفه؛ أمضى سبعة وعشرين عاماً في السجن لتمسكه بأفكاره الداعية للحرية والمساواة؛ في دولة كانت مضرب المثل في العنصرية البغيضة، فاتُهم بالتخريب؛ والتآمر؛ وقلب نظام الحكم، وتحت وطأة الضغوط الدولية ووسط حروب أهلية متنامية في بلاده أُطلق سراحه ليواصل رحلة نضالية جديدة من أجل التسامح، والتعايش مع الآخر، ومحاربة الفقر، والدعوة للمصالحة العرقية، وتشكيل وحدة وطنية، والتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان.، وكُلِّلت جهوده بتوليه رئاسة البلاد مدة خمس سنوات، ونَيْله نحو مائتين وخمسين جائزة دولية؛ منها "نوبل" للسلام، وحَظِيَ باحترامٍ وتقديرٍ عالميٍ كبيرٍ.
تلفتني مسيرة حياة "مانديلا" ذلك الذي جعل الإنسان محور اهتمامه؛ ومبلغ تقديره وعنايته؛ باعتباره الركيزة وحجر الأساس في بناء الأوطان، كان يردد دوماً أن الحرية لا تُعطى على هيئة جرعات، فإما أن تكون حراً أو لا تكون، وأن العظمة في الحياة هي القيام بعد كل تعثر يحدث للمرء.
أقول هذا وعيني على وطني العربي؛ حيث الحريات المُنتهكة، والكرامة المُهانة، وقيمة المواطنا لمُتدنية؛وأموره الحياتية المُتردية، ومشاكله الأساسية الضرورية المُهملة، والوقت الذي يتم تكريسه والطاقات والثروات ووسائل الإعلام لعبادة الوثن الواحد، والعزف على روح الانقسام والإقصاء.
في وطني العربي؛ ترتفع نبرة النفاق والمُداهنة، وتُمجَّد البطولات الوهمية والمُتخيَّلة، ويتحول البلاطجة لشرفاء؛ والقتلة لأنبياء.. والشرفاء لخونة وغرباء، في بلادنا يتم تزييف التاريخ جهاراً نهاراً عياناً بياناً، وتُغيّب العقول، وتّوزَّع ألقاب العمالة والخيانة والإرهاب ببذخٍ شديد على كل من يصر على سُنة الله في كونه وهي "الاختلاف"! يريدون شريعة أرضية لا حكمة إلهية قاضية باختلاف الناس إلى يوم التلاق أمام العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة.. يخالفون أمراً سماوياً بالعدل حتى مع المخالفين: "لا يجرمنَّكم شنآن قوم أن تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى".
باتَ همّنا مخالفة ديننا الذي أمر بالتسامح مع المخالفين، والتركيز على الجوامع المشتركة التي تقرب ولا تباعد؛ وصار ديدننا شَق الصف؛ وتعميق الشرخ؛ وجر الأوطان لأتونتنا حر لن يُبقي ولن يذَر.. سخَّرنا الإمكانات والطاقات والفضائيات لتعميق وترسيخ الضغائن والأحقاد، وطال الزمن علينا ننتظر فيه مَن يأتي ساعياً يبذل الجهد لأجل إعلاء قيم التسامح؛ والمصالحة؛ والتآلف، ليعم السلامُ البلادَ والعبادَ.
أين المفكرون والمبدعون؟ أين السياسيون وعلماء الاجتماع والشرفاء.. بل أين الحقيقيون؟! أين من يجعل همه "المواطن" محوراً وجوهراً وهدفاً ولب اهتمامه؟ أين السَّاعون لرأب الصدوع والحفاظ على الأوطان وعاء يحتوي الكل وينتمي إليه الجميع مهما اختلفوا في المِلَل والنِّحَل؟