فى خطابه قبل يومين وأثناء حفل تخريج دفعة جديدة من طلاب الكليات العسكرية بمقر الكلية الحربية وبحضور كبار قادة القوات المسلحة ورجال الدولة، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسى طلقة تحذيرية من خطر آخر وتحدٍ جديد يهدد الدولة المصرية والمجتمع المصرى فى هذه المرحلة التاريخية الدقيقة من عمر البلاد.
خطر لايقل ضراوة عن خطر الإرهاب وتحدياً لايقل عن مثيلاته من التحديات الكبرى التى تواجهها الدولة فى هذه الفترة.
الرئيس وأثناء حديثه قال نصاً " الخطر الحقيقى الذى يمر ببلادنا والمنطقة هو خطر تفجير الدول من الداخل ببث الشائعات والقيام بالأعمال الإرهابية والإحساس بالإحباط وفقدان الأمل، كل ذلك يهدف إلى تحريك الناس لتدمير أوطانهم، فيجب أن ننتبه لما يُحاك لنا، فقد رصدنا 21 ألف شائعة فى ثلاثة أشهر فقط، الهدف منها خلق البلبلة وعدم الاستقرار والإحباط"
تعريف الشائعة حسب علماءُ الاجتماع والإعلام أنها: "عبارة عن نبأ أو حدث، قادر على الانتشار والانتقال من شخص لآخر، وقادر على زعزعة الرأي العام، أو تجميده دون التثبُّت منه، ولكن التعريف الأشمل للشائعة ينسب إلى عالم الاجتماع الأميركي "تي شيبوتاني" الذي اعتبر الشائعات "أخبارًا ملفقة تتولد من نقاش جماعي".
وبالعودة إلى ماقبل سنوات 2011 نجد أن الشائعات كان لها الدور الأبرز فى الوصول إلى حالة الإحباط واليأس وعدم الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة التى كان يعانى منها المجتمع المصرى والدولة المصرية آنذاك.
وبعيدا عن التوصيف السياسى لما حدث فى مصر فى يناير 2011، لكن هذا الحراك الشعبى أياُ كانت تسميته سواءً ثورة شعبية أو انتفاضة جماهيرية أو مؤامرة كونية، ولكنها كانت نتيجة غير مباشرة لسنوات عدة إمتلأت بالشائعات وربما الأكاذيب التى انتشرت فى أوساط الشارع المصرى، وتحولت إلى حقائق مع تكرارها وترديدها يوماً تلو الآخر على مسامع المواطنين وأذهانهم الذين عادة يتفاعلون مع الاكاذيب بقدر أكبر من تفاعلهم مع الحقائق والمعلومات الرسمية.
جميعنا يتذكر جيداً تلك الشائعات التى كانت تتحدث عن مليارات الدولارات المهربة إلى الخارج، والشائعات التى كانت تتردد حول خيرات البلاد المنهوبة، والكثير والكثير من الشائعات التى أثبتت الأيام مدى زيفها وتضليلها وكيف كانت تستخدم فى إحداث حالة من البلبلة لدى الرأى العام للوقيعة بين المجتمع ومؤسسات دولته وليس فقط بين المواطنين والنظام السياسى الحاكم آنذاك.
بعد ثورة الثلاثين من يونيو وبدء المواجهه الحقيقية الشاملة مع التنظيمات المتطرفة التى أرادت إختطاف الدولة المصرية، أدركت قيادات تلك الجماعات سواءً على المستوى الداخلى أو الخارجى أن المعركة المسلحة مع دولة ضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ لن تفلح، وأنها لن تصل إلى هدفها المنشود وتتمكن من النجاح طالما أن هناك إداراكاً ووعياً حقيقياً من المصريين لحقيقة تلك الجماعات وما تواجهه بلادهم من تحديات سواءً على المستوى الداخلى أو الخارجى.
فكان التوجه الأهم لدي تلك الجماعات هو إحداث شرخ فى تلك العلاقة التى حدثت بين المصريين ومؤسسات بلدهم، عن طريق بث الشائعات عبر مريديهم والمتعاطفين معهم وثلة من الجهلة الذين لا يدركون مدى خطورة ما يرددونه على الرأى العام، عبر إستخدام الكنولوجيا الحديثة من وسائل التواصل الإجتماعى، خاصة وأن الكثير من أبناء المجتمع المصرى ليست لديهم القدرة الحقيقية على الفرز السليم والتأكد من مدى صحة مايتردد على أذهانهم من أخبار والتثبت من مدى مصداقيتها.
ومخطئ من يظن أن إنتشار هذه الشائعات بهذا القدر الكبير داخل أوساط الشارع المصرى، مجرد أزمة عابرة أو نكته سخيفة تتردد على الأذهان لفترة ومن ثم تختفى بعدها، ولكنها خطة محكمة لإحداث خلل فى المجتمع عبر تفكيك الكتلة الصلبة الداعمة لمؤسسات الدولة الوطنية، مستغلين فى ذلك حالة الضيق المتواجده لدى المصريين بسبب إرتفاع الأسعاروالخدمات التى تواكب عملية الإصلاح الإقتصادى والإدارى التى أطلقتها الدولة عبر السنوات الأربع الماضية، وبالتوازى مع تلك العمليات الممنهجه لتلك الجماعات وميليشياتها الإلكترونية، عمليات خسيسة من خلال محموعات إرهابية دنيئة تقتل المدنيين والأبرياء وتستهدف أهلهم وذويهم من أبناء جيشهم وشرطتهم.
ولكن الرهان الحقيقى يظل دوماً على وعى المصريين وإدراكهم لخطورة ما تواجهه بلادهم من تحديات جسام، فى منطقة تكاد تمزقها الحروب الصراعات المسلحة من كافة الإتجاهات، ولن تجد وصفاً أعظم وأروع من تلك الوصف الذى قدمه لنا الشهيد أنور السادات حينما تحدث عن طبيعة ومعدن الشعب المصرى فى كتابه "البحث عن الذات" حينما قال..
"يخطئ من يظن أن شعب مصر يمكن أن يموت فهو عملاق دائما قد يتحمل أشد أنواع الأذي من الداخل و الخارج و لكن هذاالأذي لا ينال منه أبدا.. فبمجرد أن ينكشف عنه الغبار تجده عملاقا كما هو.. قد تجده مجروحا ينزف دما.. و لكنه يعلم انه سيأتي الوقت الذي يقف فيه النزيف و يضمد جراحه.. هذا هو الشعب المصري الذئ آمنت و مازلت أومن به و أدعو الله أن يمكنني من أن أزيل من طريقه جميع المعوقات و أن أجعل الكلمة الأولي و الأخيرة له فأنا أعرف أنه عند ذاك سوف يحقق المعجزات".