يوسف السباعى .. بين الأدب والسينما

يوسف السباعى .. بين الأدب والسينماالدكتور إسلام جعفر

الرأى20-11-2023 | 13:32

ارتبط تطور الأدب بالتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للدول، تلك التغيرات التى تصنع التاريخ ، وفى الوقت نفسه تحدد معالم الأدب فى كل عصر. وقد كانت الرواية هى الجنس الأدبى السائد فى النصف الثانى من القرن العشرين، ورغم بدايتها التى كانت تحصرها فى التسلية والترفيه فقد تعددت أدوارها بعد ذلك ، واكتسبت هذه الأدوار أهمية مع ظهور السينما؛ فالفيلم حكاية تروى بالصور، والرواية حكاية تروى بالكلمة المكتوبة، ورغم الاختلاف بين التعبير بالقلم، والتعبير بآلة التصوير لكن يظل هناك تقارب بينهما.

يبرز يوسف السباعى كروائى أثر بصورة كبيرة فى الأدب المصرى سواء برواياته أو بمجهوده من خلال ما تقلده من مناصب حكومية مختلفة، كذلك أثر فى السينما المصرية التى أنتجت له خمسة عشر فيلما عالجت عشر روايات، منها روايتان تحولتا لفيلم مرتين (أرض النفاق – بين الأطلال) وقصة قصيرة واحدة ومسرحيتين، وتسعة عشر فيلما شارك فيها بكتابة السيناريو والحوار؛ بحيث يصح القول إن يوسف السباعى كتب اسمه بشكل أو بآخر(34) مرة على شاشة السينما فى سجل الإنتاج السينمائى المصري، وقد جاءت ستة أفلام من أعماله ومما شارك فيها من ضمن أهم مائة فيلم فى تاريخ السينما منها.. الناصر صلاح الدين رقم (11) ورد قلبى رقم (13) والسقا مات رقم (21) وجميلة بوحريد رقم (54) وبين الأطلال رقم (73) واإسلاماه رقم (87) ليؤكد على اقتحام السينما لعالم الرواية بصورة كبيرة خلال فترة الخمسينيات والستينيات، كما تحولت أربعة من الأفلام المأخوذة عن رواياته إلى مسلسلات تليفزيونية. لعل أبرز ما جعل السباعى يوافق على تحويل أعماله لأفلام سينمائية، ويقتحم مجال السينما بكتابته للسيناريو هو الوصول لجماهير السينما الغفيرة بعد أن كان عمله محصورا فى نطاق النخبة التى تقرأ، كذلك الربح المادى ولمنافسة كتاب الرواية الذين دخلوا السينما من باب القصة والسيناريو والحوار أمثال إحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، والعكس صحيح؛ فقد استثمرت السينما نجاح رواياته لدى الجمهور واكتسبت من خلال أفلامه شعبية أيضا لدى النخبة القارئة.

المؤثرات التى شكلت وعى السباعى
- انفتاحه على عالم الأدب الغربى عن طريق أبيه الذى كان يعمل فى ترجمته مما جعله يتأثر بأسلوبه وموضوعاته وخاصة الرومانسية منها، وفى هذا يقول خيرى شلبى: إن طبيعة الأدب فى الأربعينيات كانت رومانسية؛ وهذا ما كان يقبل عليه القراء، لكنه يرى أن السباعى كان واقعيا، ولكن حسه المرهف هو ما أعطى الانطباع بأنه رومانسى.
- موت أبيه أثناء فترة مراهقته وحبه الشديد له، جعل فكرة الموت والحياة تظهر بوضوح فى كتاباته فى هذه المرحلة فى روايات «نائب عزرائيل، السقا مات» وقصصه القصيرة مثل «البحث عن جسد».
- تأثره بأدباء الجيل الأول وخاصة توفيق الحكيم الذى نقل عنه فكرة المذكرات واليوميات من نائب فى الأرياف فنراها فى «إنى راحلة» والتشابه بين مسرحية الحكيم «نهر الجنون» ورواية السباعى "أرض النفاق". كما تأثر بالمنفلوطى بتصوير الحب العذرى، والإحساس الوطنى والدفاع عن الفقراء.

- تلك الفترة من تاريخ مصر والتى أعقبت ثورة 1919 شكلت قضاياها وجدان السباعى من المطالبة بالاستقلال، والقضاء على الفساد السياسى، وعدالة توزيع الدخل القومى، وهى نفس مبادئ ثورة يوليو 1952 وقد ظهر هذا فى روايته «أرض النفاق»، وفى نفس الوقت كانت أفكار تحرر المرأة وحرية الفكر والمساواة هى ما آمن بها السباعى.

- طبقته المتوسطة التى فرضت عليه الحياة بين دروب الشارع المصرى فى السيدة زينب، ثم فى شبرا، فانعكس هذا فى أدبه الذى ظهرت فيه الحارة المصرية، واختفت منه القرية، كما أثرت تلك الطبقة التى نشأ فيها على رؤيته للطبقات الأخرى فى المجتمع سواء بالسلب أو بالإيجاب؛ فبرز الصراع الطبقى فى كتاباته فى تلك المرحلة.

- الحياة العسكرية التى جعلته بين مطرقة التنميط والقهر، وسندان الإبداع والحرية مما شكل معاناة له حسمها فى النهاية لصالح الأدب، ولكنه دائما ماكان ينظر للعسكرية على أنها الجانب المضىء فى حياته، وانعكس تأثره بها فى أعماله فى تلك المرحلة، وإن كان هذا الحب للحياة العسكرية ينبع من فضلها فى تحقيق الحراك الطبقى للسباعى وجيله، والذى فرضته ظروف الحرب العالمية الثانية.

- قصة الحب التى خاضها مع بنت عمه الثرية، والتى انتهت بالزواج بعد خلافات ومشاكل عائلية تركت بصماتها فى أعماله فى تلك المرحلة.
ثورة يوليو
عندما قامت ثورة يوليو 1952 لم يكن يوسف السباعى من الضباط الأحرار، وكانوا يبعدونه عنهم وكان غاضبا منهم؛ لأنهم لم يخبروه بأى شىء إلا أنه أيد الثورة؛ لأنها كانت تحقق أحلام هذا الجيل؛ فتولى بعدها عددا من المناصب الحكومية فى مجالات الثقافة والإعلام.واعتمد النظام فى فترة الخمسينيات والستينيات فى مجال الثقافة على ثلاثة ضباط من رجاله هم د. عبدالقادر حاتم والدكتور ثروت عكاشة و يوسف السباعى والذى كان أكثرهم عرضة للهجوم، حيث اتجهت الدولة نحو الاشتراكية، والتى كانت لا تروق للسباعى، فى ظل تلك الحرب الشرسة على جيل السباعى من اليسار، وقف السباعى فى تلك الفترة أيضا بين سندان مبادئه واتجاهاته الأدبية، وبين مطرقة شخصيته العسكرية التى تجبره على الولاء لسياسات الدولة الاشتراكية، ولكنه أظهر براعة فى محاولة التوفيق بينهما معتمدا على علاقاته القوية بعبدالناصر وقادة النظام من العسكريين؛ فكان صوت الأدباء فى النظام؛ وصوت النظام فى الأدباء ومثلت مناصبه الثقافية والإعلامية الرفيعة نوعا من الحماية من النقاد اليساريين. فى عام 1954 بدأ يوسف السباعى رواياته ذات النفس الطويل برواية «رد قلبی». والروايات التى تلتها وهى «نادية» عام 1960 «وجفت الدموع» عام 1961 «وليل له آخر» عام 1964 ثم «نحن لا نزرع الشوك» عام 1968 وهى روايات يزيد عدد صفحاتها على ألف صفحة، ولعل العامل الأول الذى دفع يوسف السباعى إلى استخدام تكنيك السرد الطويل أن الخلفية فى هذه الروایات تميل إلى التسجيل التاريخى والسياسى للفترات الحاسمة التى مرت بمصر والعالم العربى، وإن كانت كتابات السباعى تنتقد النظام الاجتماعى قبل ثورة يوليو، فإنها تجنبت هذا بعد الثورة بعد أن حققت الثورة العدالة الاجتماعية من منظورها، ولكن عقب حرب 1967 والتى تركت فى نفوس العرب جميعا جرحا لم يندمل حتى الآن، ابتعد السباعى نوعا ما عن رواية التسجيل التاريخى والسياسى فكتب «نحن لا نزرع الشوك» عام 1969 و«لست وحدك» عام 1970. واقترب السباعى أكثر من السينما عن الأدب فزادت الأعمال الأدبية للسباعى التى تحولت لأفلام فى تلك الفترة وبلغت خمسة أفلام فى الخمسينيات هى (آثار على الرمال 1954 - إنى راحلة 1955 - رد قلبى 1957 - أم رتيبة 1958 - بين الأطلال 1958) وأربعة أفلام فى الستينيات (جمعية قتل الزوجات 1962 - مبكى العشاق 1966 - أرض النفاق 1968 - نادية 1969)، كما قام بكتابة السيناريو والحوار للسينما فى خمسة أفلام فى الخمسينيات وتسعة أفلام فى الستينيات.
ثم اختاره السادات ليكون وزير الإعلام والثقافة فى أغسطس 1973 ثم رئيس المجلس الأعلى لاتحاد الإذاعة والتليفزيون، وأسس وتولى رئاسة اتحاد كتاب مصر فى عام 1975 ثم رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأهرام عام 1976 وانتخب نقيباً للصحفيين فى عام 1977. فى تلك الفترة نجد السباعى مرة أخرى بين مطرقة قيمه العسكرية فى تنفيذ أوامر الرئيس بالقضاء على الشيوعيين وبين سندان قيمه الأدبية والانسانية تجاه الأدباء والمثقفين، ورغم أنه كان يرفض الشيوعيين ولا يرتاح الى اليساريين إلا أنه حرص على تحقيق التوازن بين كلتا القيمين. وكما أدانه مثقفون دافع عنه آخرون ولكن تعقدت الأمور بعد قرار السادات الذهاب للقدس واصطحب معه السباعى، وقد قوبلت تلك الزيارة بثورة عارمة فى الوسط الأدبى خاصة من اليساريين الناصريين ، ولكن خالد محيى الدين يدافع عن السباعى فيقول: «لم يكن السباعى يريد السفر إلى إسرائيل، لكنه أيضًا لم يكن يمكنه أن يرفض أمر رئيس الدولة». وفى تلك الفترة ادى تقلده للمناصب الحكومية وإلادارية الى انخفاض حجم إنتاجه الأدبى فقد ألف فى تلك الفترة ثلاث روايات، وأصدر أربع كتب فقط ، كما أنتجت افلام لروايتين من رواياته (السقا مات 1975 - جفت الدموع 1975) وشارك فى كتابة السيناريو والحوار لسبعة أفلام.

يوسف السباعى.. اسم يثير انطباعات كثيرة ومختلفة بين جيل وآخر، فهو الروائى الرومانسى فى الاربعينيات والخمسينيات وهو كاتب السيناريو فى الستينيات والسبعينيات وهو المأخوذة عن رواياته المسلسلات فى الثمانينيات والتسعينيات وهو الذى لاتزال بصمته الابداعية فى الثقافة حاضرة فى القرن الحادى والعشرين. وكل مرحله من مراحل حياة يوسف السباعى لوحة متشابكه الخطوط لكنها واضحة الملامح لفترة هامة من تاريخ مصر اختلطت فيها الأحداث السياسية بالثقافة والفن و الأدب وكان السباعى بحكم موقعه فى المنتصف من كل هذا اقدر واحد على رسم تلك اللوحة بإتقان وإبداع لتظل ايقونه للأجيال القادمة.

أضف تعليق

الكنز المصري (1-2)

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
إعلان آراك 2