نستقبل في هذه الأيام عاما هجريا جديدا يذكرنا بأعظم حدث غير مجرى التاريخ فابتدأ منه التاريخ إنه حادثةالهجرة النبوية الشريفة ولا نريد أن نتحدث عن الهجرة كقصة بل نريد أن نستخرج منها الدروس المستفادة والنافعة لنا في الدنيا والآخرةلقول الله جل وعلا (لقد كان في قصصهم عبرةلأولي الألباب ما كان حديثا يفتري )وإن كانت دروس الهجرةكثيرةلا يتسع المجال لذكرها إلا أنني سأذكر أهمها فمن الدروس المستفادةمن الهجرة على سبيل المثال لا الحصر.
أولا- حسن الصحبة:
وهذه تجلَّت في أبْهَى صُوَرِها مع أبي بكر الصدِّيق، الذي ذهب كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّه هو المقصود بالْمُصدِّق في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ . لَمَّا قال النبي - صلى الله عليه وسلَّم -: ((إنِّي أُريتُ دار هجرتكم ذات نَخْلٍ بين لابتين)) وهُما الحرتان. ))، تَجهَّز أبو بكر، فقال له النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم -: ((على رِسْلِك؛ فإنِّي أرجو أن يُؤْذَن لي))، فقال أبو بكر: "وهل ترجو ذلك بأبِي أنت؟" قال: ((نعم))، فحَبَسَ أبو بكر نفْسَه على رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - لِيَصحبه، فانتظر أربعة أشهر يعلف راحلتَيْن كانتا عنده، حتَّى أذن الله بالهجرة، فلما أخبَره النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم - لَم يُصدِّق أنْ يكون صاحِبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - حتَّى قال: "الصحبةَ بأبي أنت يا رسول الله؟" قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: ((نعم))، قالت عائشة - رضي الله عنها -: "فوالله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم أنَّ أحدًا يبكي من الفرح، حتَّى رأيتُ أبا بكر يبكي يومئذٍ"
وعندما خرجا معًا، كان أبو بكر يتقدَّم النبِيَّ - صلى الله عليه وسلَّم - في ترَصُّد الأمكنة؛ حتَّى لا يصيبه أذًى، فسأله النبي - صلى الله عليه وسلَّم - قائلاً: ((يا أبا بكر، لو كان شيء، أحببتَ أن يكون بك دوني؟))، فقال أبو بكر: "والذي بعثك بالحقِّ، ما كانَتْ لتكون من مُلِمَّة إلاَّ أن تكون بي دونَك"، فلما انتهَيا إلى الغار، قال أبو بكر: "مكانك يا رسول الله، حتَّى أستَبْرِئ لك الغار"؛ .
وصدق القائل:
إن أخاك الجد من كان معك **ومن يضر نفسه لينفعك
. ومن إذا ريب الزمان صد عنك**شتت فيك شمله ليجمع. فلنحسن إختيار أصدقائنا فالصاحب ساحب وصدق القائل
- عن المرء لا تسل وسل عن قرينه **فكل قرين بالقارن يقتدي
ثانيا : التخطيط الجيد :
إن الهجرة تعلِّمنا كيف يؤدِّي التخطيطُ الجيِّد دَوْرَه في تحقيق النَّجاح ففي حدث الهجرة خطط النبي صلى الله عليه وسلم خطة متينة محكمة، فعلىٌّ – رضي الله عنه ينام على فراشه صلى الله عليه وسلم مغطياً رأسه، وبات المجرمون ينظرون من شق الباب، يتهافتون أيهم يضرب صاحب الفراش بسيفه، وعبدالله بن أبي بكر كان يصبح مع قريش فيسمع أخبارها ومكائدها فإذا اختلط الظلام تسلل إلى الغار وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الخبر فإذا جاء السحر رجع مصبحاً بمكة، وكانت عائشة وأسماء يصنعان لهما الطعام ثم تنطلق أسماء بالسفرة إلى الغار ولما نسيت أن تربط السفرة شقت نطاقها فربطت به السفرة وانتطقت بالآخر فسميت بـ( ذات النطاقين )، ولأبي بكر راعٍ اسمه عامر بن فهيرة ، كان يرعى الغنم حتى يأتيهما في الغار فيشربان من اللبن، فإذا كان آخر الليل مر بالغنم على طريق عبدالله بن أبي بكر عندما يعود إلى مكة ليخفي أثر أقدامه، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً كافراً اسمه عبدالله بن أريقط وكان هادياً ً ماهراً بالطريق وواعده في غار ثور بعد ثلاث ليال، فتوزيع الأدوار جاء مرتباً مخططاً منظماً وفق خطة علمية مدروسة، فالقائد : محمد ، والمساعد : أبو بكر ، والفدائي : علي ، والتموين : أسماء ، والاستخبارات : عبدالله ، والتغطية وتعمية العدو : عامر ، ودليل الرحلة : عبدالله بن أريقط ، والمكان المؤقت : غار ثور ، وموعد الانطلاق : بعد ثلاثة أيام ، وخط السير : الطريق الساحلي.
وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل.
ثالثا: الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله:
أخي المسلم: إنك لو نظرت إلى الهجرة وسألت نفسك سؤالا: لماذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم سرا بينما هاجر عمر بن الخطاب فى وضح النهار..؟!! متحديا قريش بأسرها، وقال كلمته المشهورة التى سجلها التاريخ فى صفحات شرف وعز المسلمين وقال متحديا لهم : “من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي” فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه، فهل كان عمر بن الخطاب أشجع من سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم؟!! نقول لا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق على الإطلاق وهناك العديد من القصص التي تبين شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأسباب النجاة من التخطيط والتدبير والهجرة خفية واتخاذ دليل فى الصحراء، ليعطينا درسا بليغا في الأخذ بالأسباب مع الأمل والثقة في الله والتوكل عليه. أيعجز ربنا أن يحمل نبيه في سحابة من مكة إلى المدينة في طرفة عين كما في الإسراء والمعراج ؟
فما أجمل الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، فعن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ” لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ”
انظر إلى السيدة مريم عليها السلام قال الله فيها :{ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا}
تأملت في هذه الآية وقلت: امرأة جاءها المخاض ( طلق الولادة ) ومع ذلك أمرها الله بهز النخلة والأخذ بالأسباب، مع أنك لو جئت بعشرة رجال ذي جلد وقوة ما استطاعوا إلَّا رمياً بالحجارة، والله قادر على أن ينزل لها مائدة عليها أشهى المأكولات؛ ولكن الله أراد أن يعطينا درساً بليغاً في الأخذ بالأسباب مع التوكل عليه. وختاما أقول لابد من الهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية )فلنجاهد أنفسنا على هجرة المعاصي والذنوب كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فلنأوي ألى الكهف كما فعل فتية الكهف وكهفنا هو مسجدنا ودارنا وبخاصة في هذه الأيام التي كثرت فيها الفتن فعن معقل بن يسار قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (العبادة في الهرج كهجرة إلي )
أي العبادة في الفتن نسأل الله تعالى أن يرزقنا هجرة إليه وإلى رسوله وهجرة من المعاصي والمحرمات وأن يجعل هذا العام الهجري الجديد عاما سعيدا ومباركا على الأمة الإسلامية جمعاء.
* إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية.