لم يحدث أن كتبت، يوماً، مقالاً حول أحد الشخصيات العامة، على أي مستوى، وكان ذلك واحداً من مبادئي في الكتابة. ولكنني وجدت نفسي، في هذه المرة، متوقفاً طويلاً أمام شخصية عملاقة في بلاط صاحبة الجلالة ... وهو الأستاذ إبراهيم سعده.
ورغم أن الأستاذ إبراهيم سعده شن ضدي، من قبل، حملة صحفية ضخمة، عندما كنت مديراً للشئون المعنوية، بالقوات المسلحة المصرية، يوم أن أعلنت تكليف الكاتب المصري العظيم أسامة أنور عكاشة بكتابة فيلم عن حرب أكتوبر 73، ويومها جند الأستاذ إبراهيم سعده قلمه، لمناهضة قراري هذا، وأنضم إليه نخبة من كتاب جريدة الأخبار، لمنع أسامة أنور عكاشة من كتابة هذا الفيلم، بدعوى أن أسامة أنور عكاشة، ناصري الهوى، وهو ما قد يدفع الكاتب إلى تعظيم دور الرئيس الراحل عبد الناصر، على حساب دور الرئيس الراحل أنور السادات، صانع الحرب والسلام.
ورغم الاختلاف مع الأستاذ إبراهيم سعده، في وجهة نظره، وتأكيدي على تشكيل لجنة عليا من كبار قادة القوات المسلحة، والصحفيين والروائيين، لمراجعة القصة والسيناريو، لضمان الوفاء بالحقوق لكل من ساهم في حرب أكتوبر المجيدة، سواء بالتخطيط أو الإعداد أو اتخاذ القرار أو التنفيذ، إلا أن حملة الأستاذ إبراهيم سعده، وأخبار اليوم، نجحت، وتم إلغاء تكليف الكاتب أسامة أنور عكاشة بكتابة هذا الفيلم.
وبالرغم من ضراوة تلك الحملة الصحفية ضدي، إلا أنني كنت على يقين إنها لا يُقصد بها المساس بشخصي، فالأستاذ إبراهيم سعده، أولاً، من أبناء مدينتي ومسقط رأسي، بورسعيد، وينحدر من أسرة عريقة بها، تربطها بعائلتي علاقات متينة، وثانياً، أنه كان صاحب مبدأ، وصاحب كلمة، فبالرغم من قربه من الرئيس الراحل أنو السادات، الذي كان له الفضل في إحضاره إلى القاهرة للكتابة، إلا أن ذلك لم يمنعه، يوماً، من انتقاد أداء الرئيس السادات.
وإيماناً بأن الاختلاف في وجهات النظر، لا يفسد للود قضية، فقد تعارفنا عن قرب، الأستاذ إبراهيم سعده وأنا، بعد نجاح حملته ضدي، فعرفته شخصية محترمة، مهذبة، صاحب قلم أمين، مهموم بحال مصر ومستقبلها، فتوطدت علاقتنا كأصدقاء، حتى أنه اشترك معنا، بعد ذلك، في العديد من الأنشطة الثقافية في القوات المسلحة المصرية، بل وكنت كثيراً ما ألجأ إليه، وللأستاذ سمير رجب، وأنا مديراً للشئون المعنوية، طالباً النصح في موضوعات تخص الإعلام المكتوب، إذ كان لنا ثلاثة إصدارات؛ هي جريدة القوات المسلحة، ومجلة النصر، ومجلة المجاهد، ولذلك فإن النجاح الذي حظيت به تلك الإصدارات، مقرون بنصائح هؤلاء العمالقة، في شارع الصحافة المصري.
كما أذكر مواقفه معي أثناء الإعداد للندوة الاستراتيجية، التي نظمتها القوات المسلحة المصرية بمناسبة مرور 25 عاماً على حرب أكتوبر، فلم يبخل عليّ، الأستاذ إبراهيم سعده، بالعديد من النصائح والأفكار، ومثله فعل السفير عبد الرؤوف الريدي، مما كان له عظيم الأثر في نجاح تلك الندوة، وتم تكريمي على أثرها، بأوامر من الرئيس الأسبق حسني مبارك، في اجتماع لجنة المثقفين في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته التالية. وهو ما يؤكد على مبدأي في أن النجاح ليس صنيعة فرد واحد، ولكنه نتاج تضافر جهود العديد من الرجال المخلصين.
وهكذا استمرت صداقتي، مع هذا الرجل العظيم إبراهيم سعده، حتى بعدما غادر مصر، فقد كنا نتواصل، دائماً، على صفحات التواصل الاجتماعي، وكنت أستشعر ألمه ومرارة بعده عن مصر، وعن صاحبة الجلالة، فمثله لا يستطيع العيش إلا في بلاطها، تماماً مثل السمك لا يستطيع العيش خارج المياه ... ويعلم الله، كم من الجهود بُذلت لكي يعود إلى حضن الوطن الأم، مصر. وعندما كتب صديقي الأستاذ محمد الأمين، مقالاً في جريدة المصري اليوم، مطالباً بعودة إبراهيم سعده إلى مصر، اتصلت به وشكرته، لأن حب إبراهيم سعده لم يكن قاصراً على زملاءه وتلامذته في شارع الصحافة، وإنما اجتمع عليه جميع قلوب الشعب المصري.
واليوم، بعدما عاد إبراهيم سعده، إلى القاهرة، لتلقي علاجه على ضفاف نهر النيل العظيم، فإنني أشعر بسعادته التي لا توصف ... وأشعر بفرحة تلاميذه وعشاقه في كافة أرجاء الصحافة المصرية، وليس في أخبار اليوم فحسب ... بل أشعر بسعادة كل مصري، بعودة ابن مصر البار، الذي لطالما دافع عن حقوق هذا الشعب، وهذا البلد. أكاد أسمع دعوات وصلوات الجميع بأن يتم الله شفاءه، ليظل بيننا عطياً، مـتألقاً، يذكرنا دائماً بالماضي الجميل لمصر، وبعظماء الصحافة المصرية.
وتمتد الفرحة بعودته إلى أبناء شعب بورسعيد، وأنا أولهم، بالطبع، الفخورين بانتماء قطبين من أقطاب الصحافة المصرية إلى مدينتنا الباسلة، وهما مصطفى شردي وإبراهيم سعده.. أذكر أن كنت في زيارة لبورسعيد، منذ عدة أشهر، وأثناء وجودي في نادي الصيد، تقدم إليّ مجموعة من الشباب، يسألونني "أما من شفيع لهذا الرجل، ليعود إلى مصر، معززاً مكرماً، بعدما بذله في سبيلها؟" كانوا جميعاً يشعرون بالمسئولية تجاه عدم تركه بعيداً عن هذا الوطن.
ورغم كل هذا الحب، وكل ذلك التقدير، وكل هذه الصداقة، إلا أنني لم أقو، حتى الآن، على زيارته في مستشفاه، في القاهرة، فلا أجد لدي القدرة والشجاعة على رؤية صديق العمر، ذلك العملاق الكبير، صاحب القيمة والقامة العالية، وقد أنهكه المرض، ونال من قوته ... أرجوا أن أتغلب على شعوري هذا، لأذهب وأراه، وأرى تلك الابتسامة الجميلة، التي اشتهر بها طوال فترة عمله في بلاط صاحبة الجلالة ... لك دعائي، يا صديقي، ودعاء كل المصريين بالصحة والسلامة.
Email:
[email protected]