ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، أن بذور قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل التي تتهمها بارتكاب أعمال إبادة جماعية في قطاع غزة يمكن إرجاعها إلى ما يقرب من خمسين عاما، ففي 9 أبريل عام 1976، تم الترحيب برئيس وزراء جنوب أفريقيا (العنصري الأبيض)، بالتازار يوهانس فورستر، واستقباله بالسجادة الحمراء في نصب ياد فاشيم التذكاري للمحرقة في القدس، حيث أحنى رأسه ووضع إكليلا من الزهور تخليدًا لذكرى ضحايا هتلر قبل أن تنقله حاشيته الدبلوماسية بعيدا إلى قاعة الاجتماعات.
وأشارت المجلة الأمريكية إلى أن العلاقات بين إسرائيل و جنوب أفريقيا أصبحت الآن فاترة، فبالنسبة لحكومة المؤتمر الوطني الأفريقي الحالية في جنوب أفريقيا، ليس هناك شك في أن الاستياء التاريخي من دور إسرائيل في إطالة أمد حكم الأقلية البيضاء ودعم الحكومة التي كان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي يقاتل من أجل الإطاحة بها، يلعب دورا مهما في تحركاتها اليوم، إلى جانب ما تتمتع به حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وحركات التحرير المختلفة من تاريخ طويل في دعم القضية الفلسطينية.
ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تدعم مضطهدي السود في جنوب أفريقيا، تلقى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الدعم من منظمة التحرير الفلسطينية. ولم يكن مفاجئا أنه بعد أسبوعين فقط من إطلاق سراحه من السجن عام 1990، التقى نيلسون مانديلا بزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، قائلا: "هناك العديد من أوجه التشابه بين نضالنا ونضال منظمة التحرير الفلسطينية. نحن نعيش في ظل شكل فريد من أشكال الاستعمار في جنوب أفريقيا، وكذلك في إسرائيل". وذكر في خطابات لاحقة "حريتنا غير مكتملة بدون حرية الفلسطينيين".
وترى مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن هناك سببا آخر دفع جنوب أفريقيا إلى رفع القضية إلى محكمة العدل الدولية، وهو ربما أنها في حاجة ماسة إلى إعادة تأهيل صورتها الدولية باعتبارها قوة عظمى أخلاقية، وهي السمعة التي اكتسبتها خلال أيام ما بعد الفصل العنصري في التسعينيات. لكن هذه السمعة تآكلت بسبب سنوات من التقرب من الأنظمة الاستبدادية، والفشل في إدانة منتهكي حقوق الإنسان، والتهرب من مسؤولياتها بموجب القانون الدولي.
لذا، من خلال الجرأة على تناول قضية عالمية شائكة تعتبر مناقشتها محظورة في واشنطن، ولكنها تثير مشاعر قوية في جميع أنحاء العالم الإسلامي وخارجه، يُنظر إلى بريتوريا مرة أخرى على أنها بطولية.
في الواقع، عندما كانت بعض الدول سعيدة بالتوقيع (أو البدء بالتفاوض) على اتفاقيات مع إسرائيل، قامت دول إسلامية تدعي دعم القضية الفلسطينية بإصدار أصوات ترفض هذا التطبيع، فيما رأت جنوب أفريقيا –في الحرب الأخيرة على قطاع غزة- أنها فرصة لتتحرك، حيث أعدت وناقشت قضية أمام أعلى محكمة في العالم، متحدية إسرائيل للدفاع عن نفسها ليس في محكمة وسائل التواصل الاجتماعي وصفحات الرأي، ولكن في إطار القانون الدولي، بحسب ما ذكرت "فورين بوليسي".
وتؤكد المجلة الأمريكية أنه في بعض النواحي، لم تكن النتيجة (قرار المحكمة) مهمة حقا، وكانت الضربة الدبلوماسية البارعة التي بذلتها جنوب أفريقيا هي رفع هذه القضية من الأساس.
فالسنوات عديدة بعد انتقالها إلى الديمقراطية، كانت جنوب أفريقيا متلقية للنوايا الحسنة العالمية - حيث كان يُنظر إليها على أنها نموذج للمصالحة السلمية وانتصار الخير على الشر، لقد افترض العديد من المراقبين أن الدولة القادرة على الخروج من هذا الانقسام وهذه الوحشية سليمة دون إراقة الدماء على نطاق واسع، أو التطهير العرقي، أو التقسيم، لديها بالتأكيد ما يمكن أن تعلمه للعالم. وقد تمت الإشادة بلجنة الحقيقة والمصالحة التابعة لها باعتبارها مخططا لشفاء المجتمعات الأخرى من جراح الحرب. ودائما ما تعرض بريتوريا نفسها، أو يتم استدعاؤها، كصانعة للسلام.
وكما كان متوقعا، تجاهلت الولايات المتحدة قضية جنوب أفريقيا (ضد إسرائيل)، وقبل أن تبدأ الإجراءات، قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إن القضية "تشتت انتباه العالم" ووصفها بأنها "عديمة الجدوى"، لكن بغض النظر عن الأسس القانونية للقضية، فإن تصريحات بلينكن ستكون لها عواقب دبلوماسية - سواء فيما يتعلق بمصداقية إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في الترويج لأجندة الديمقراطية المزعومة، أو عندما يتعلق الأمر بتعزيز الدعم لأوكرانيا عبر الجنوب العالمي .
ودللت المجلة على ما ساقته بالإشارة إلى تأكيد الكاتب البرازيلي أوليفر ستونكل مؤخرا بأن "العديد من البلدان النامية ترى في موقف الغرب بشأن إسرائيل وفلسطين دليلا على أنه (الغرب) يطبق القواعد والمعايير الدولية بشكل انتقائي ــ وفقا لمصالح جيوسياسية وليس بطريقة عالمية".
وكانت هذه الشكوك موجودة قبل فترة طويلة من الحرب الحالية في غزة. وكان التصور بأن واشنطن وحلفائها يهتمون بالمعاناة الأوكرانية على أيدي الخصم (روسيا)، وليس معاناة الفلسطينيين على أيدي حليف (إسرائيل)، هو الدافع وراء موقف عدم الانحياز الذي تبنته العديد من الدول - بما في ذلك البرازيل وجنوب إفريقيا. ولكن القصف الإسرائيلي لغزة، والذي أدى إلى نزوح نحو مليوني شخص وقتل ما لا يقل عن 26 ألف شخص، كان سببا في تغذية هذه المشاعر وجعل زعماء العديد من البلدان أكثر تشككا في أي مناشدات من واشنطن أو العواصم الأوروبية لأسباب إنسانية.
وشددت "فورين بوليسي" على أنه من خلال رفع هذه القضية، جعلت جنوب أفريقيا من المقبول اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم خطيرة في إطار دولي رسمي كبير، كما أن إسرائيل اضطرت إلى الرد قانونيا وليس خطابيا. وإن أغلب الزعماء الأجانب ــ والشعوب ــ يشعرون حاليا بالاستياء من التسلسل الهرمي للتضامن في الغرب، والذي يمنح بوضوح امتيازات لضحايا خصومه على حساب ضحايا حلفائه.
ونبهت المجلة الأمريكية إلى أنه نظرا لأن محكمة العدل الدولية تفتقر إلى سلطة التنفيذ، فمن المرجح أن يكون الضغط الأمريكي على إسرائيل للتصرف بشأن التدابير المؤقتة للحكم هو الطريقة الوحيدة التي ستدخل حيز التنفيذ. وإن ظهور واشنطن ببساطة بأنها لا تفعل شيئا لن يؤدي إلا إلى تعزيز التصور السائد على نطاق واسع بأن أجندة الديمقراطية للرئيس جو بايدن وكل حديث الولايات المتحدة عن قدسية حقوق الإنسان مجرد خطاب فارغ .
وحذرت المجلة من أن معظم القادة الأجانب - والسكان - خارج أوروبا وأمريكا الشمالية لا يأخذون الآن النداءات الأمريكية أو الأوروبية لدعم أوكرانيا لأسباب إنسانية على محمل الجد نظرا للمعايير المزدوجة التي يرونها، واستياءهم من التسلسل الهرمي للتضامن في الغرب، والذي يمنح الامتيازات بشكل واضح لضحايا خصومها على حساب ضحايا حلفائها. كما أنه من المرجح أن يرفضوا النداءات الأخلاقية المستقبلية الصادرة عن العواصم الغربية لأسباب مماثلة - بغض النظر عن مدى صحة القضية أو إلحاحها.
وحول المكاسب الأخرى، ترى "فورين بوليسي" أن جنوب أفريقيا تضع أعينها على جائزة جيوسياسية أكبر. فقد حازت قضية محكمة العدل الدولية على إشادات في جميع أنحاء الجنوب العالمي، وتدخلت حكومات من بنجلاديش إلى ناميبيا رسميا لدعمها ولم تعد حكومة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ب جنوب أفريقيا خائفة من معارضة واشنطن وتحديها علنا. كما أنها بعد استضافة قمة البريكس في أغسطس الماضي، أوضحت بريتوريا أنها ليست راضية عن مجرد اتباع الخط المناهض للغرب الذي حددته موسكو وبكين، بل إنها تسعى حاليا إلى لعب دور قيادي.
وأخيرا، استطاعت جنوب أفريقيا بعد عام كانت فيه أوراق اعتمادها كلاعب عالمي جاد موضع تساؤل مشروع بسبب الجدل الدائر بشأن اعتقال بوتين، والخلاف الدبلوماسي الكبير مع واشنطن بشأن شحنات الأسلحة المزعومة إلى روسيا، استطاعت أن تستفيد من صمت ونفاق القوى الكبرى، في محاولاتها لاستعادة سمعتها كمنارة أخلاقية للعالم، ويبدو أنها ناجحة في ذلك حتى الآن.