رمال مترامية بغير حدود تلمع في وهج الشمس .. تنطلق السيارات فى صحراء مصر الغربية فى أكبر رحلة علمية تشهدها هذه المنطقة ويقودها عالِم الفضاء الكبير الدكتور فاروق الباز .. ثم فجأة تتوقف السيارات وينزل الجميع.
كانت الساعة الحادية عشرة وست دقائق صباحا، وفى هذا التوقيت كان يمر من فوقنا القمر الصناعى الأمريكى «نيمبوس – 6».
وقد قام الدكتور فاروق الباز بمساعدة تيد ماكسويل بإخراج جهازًا إلكترونيًا من السيارة ثم بدأ الجهاز يرسل إشارات متقطعة على هيئة انبعاثات لاسلكية لعدة دقائق أثناء مرور القمر الصناعى فوقنا.
ولأن عملية الإرسال للقمر الصناعى تتم أربع مرات كل يوم، فقد اقترح د. فاروق الباز أن يظل جهاز الإشارات الإرشادية على السياراة من الخارج فى وضع رأسى بصفة مستمرة وبذلك يظل تشغيل الجهاز وإرسال الإشارات اللاسلكية إلى القمر الصناعى بصفة مستمرة حتى أثناء سير البعثة وتحركها دون حاجة إلى التوقف، وبذلك يكون فى نهاية الرحلة قد تم عمل خريطة كاملة لخط سير الرحلة والمواقع التى ذهبت إليها.
وهناك دور آخر بالغ الأهمية لهذا الجهاز الإرشادى وهو حالات الطوارئ.. ففى مثل هذه الحالات يتم إرسال إشارات لاسلكية سريعة ومتقطعة فيلتقطها القمر الصناعى «نيمبوس – 6» ويرسلها إلى مركز جودارت للتحليق فى الفضاء التابع لوكالة «ناسا» الأمريكية الموجودة بالقرب من واشنطن، حيث يتم تحديد موقع البعثة تمامًا ثم يتم الاتصال بالسلطات المصرية المسئولة عن طريق السفارة الأمريكية فى القاهرة لاتخاذ الإجراءات لإنقاذ حياة البعثة لولا قدر الله حدث لنا شىء من الأشياء الكثيرة التى كان من المحتمل جدًا أن تحدث.
استمرت القافلة فى السير ولم تتوقف إلا لأخذ بعض عينات من رمال أو من صخور أو من أشجار متحجرة يزيد عمرها على 50 مليون سنة أو لالتقاط صور لأشكال وتراكيب جيولوجية معينة.
وبدأ الدكتور فاروق الباز حديثه عن الرحلة قائلاً: هذه الرحلة هى نهاية المرحلة الأولى من البرنامج المشترك لدراسة الصحراء الغربية باستخدام صور الفضاء، وأهمية هذه الرحلة ترجع إلى أن هذه المنطقة الجنوبية الغربية من صحراء مصر لا توجد معلومات كافية عنها حتى يمكن البدء فى عمل الخرائط الجيولوجية ودراستها تفصيلاً، لذلك كان أهم أهداف هذه الرحلة الاستكشافية لجنوب غرب صحراء مصر هو تحديد الأماكن التى تجب دراستها تفصيلاً فى المرحلة التالية لاستكشاف الأجزاء التى يمكن أن تتدخل ضمن خطط التنمية وخصوصا من ناحية الثروة المعدنية.
ويضيف: ومن أهداف الرحلة أيضا دراسة أنواع الصخور المختلفة لتحديد أعمارها والتعرف على التراكيب الجيولوجية ودراسة معالم الأشكال الصخرية الموجودة فى هذه المنطقة، ووجود اثنين من أكبر علماء علم الأركيولوجى فى الولايات المتحدة يساعد كثيرًا فى دراسة تاريخ الأرض الحديث، فالمجموعتان تكملان بعضهما لأن المجموعة الجيولوجية تدرس تاريخ الأرض القديم والمجموعة الأركيولوجية تدرس تاريخ الأرض الحديث، أى من خلال الـ 200 ألف سنة الأخيرة، وهذا النوع من الدراسة الذى تشترك فيه عدة تخصصات مختلفة يعتبر من أفضل الدراسات لأن العلاقة بين هذه الفروع مهمة فى معرفة الظروف البيئية والظروف المناخية التى كانت سائدة فى المنطقة وكيف تغير هذا المناخ وأثر هذا التغير فى الإنسان.
وفى الليل بدأ حديثا جذابا رائعا عن الفضاء والكون ورحلات الإنسان لغزو هذا العالم المجهول وإزاحة الغموض عن أسراره، وسألت الدكتور فاروق كيف يمكن تطبيق أساليب تكنولوجيا الفضاء فى حل مشاكل كوكبنا؟!
قال: لقد تعلمنا فى دراستنا للقمر وخاصة رحلات أبوللو 15، 16، 17 عندما استخدمنا نظامين جديدين لتطوير سطح القمر من ارتفاع 100 كيلومتر وكذلك من دراستنا لكوكب المريخ بواسطة سفن الفضاء تعلمنا من ذلك طرقا جديدة لدراسة العديد من أجزاء الأرض ومنها الصحراء الغربية المصرية.
وفى بداية الثمانينيات سوف يعمل المتنقل الفضائى وهو سيتيح لنا الحصول على صور ملونة ومجسمة بدقة فائقة لعمل خرائط أكثر دقة للصحراء، ومن المقرر أن تكون هناك أربع سفن متنقل فضائى تقوم بنحو 30 إلى 50 رحلة فضائية فى الساعة، بالإضافة إلى أنه فى عصر تكنولوجيا الفضاء فإن مشاكل عديدة يمكن معالجتها مثل مشكلة نقص المعلومات الجوية الخاصة ببيئة الصحراء، وذلك عن طريق محطات تعمل أوتوماتيكيا وتوضع فى المناطق البعيدة من الصحراء لجمع المعلومات الضرورية وبثها إلى الأقمار الصناعية التى تدور حول الأرض، وهذه بدورها ترسل هذه المعلومات من الفضاء إلى محطات استقبال أرضية لكى تحلل وتدرس.
ودراسة الصحراء من الفضاء بكل هذه الطرق الحديثة سوف تساعدنا فى زيادة فهم الصحراء وتحقيق أكبر من خُمس الرقعة الأرضية فى كوكبنا والتى تمثل صحارى جافة وقاحلة.
ولماذا لا تكتفى بدراسة الأرض من الجو عن طريق الطائرات وليس من الفضاء عبر الأقمار الصناعية والمتنقل الفضائى فى المستقبل؟!
سفن الفضاء تنتقل عبر ارتفاعات أعلى تبلغ عدة مئات من الكيلومترات وهى بذلك يمكنها رؤية مساحة أكبر وتصوير معالم أكثر.
سفن الفضاء تحلق فوق الغلاف الجوى، لذلك فهى تتجنب عواصف الرياح والجيوب الهوائية وهى التى تجعل الطائرة أقل ثباتا من سفن الفضاء.
سفن الفضاء تدور حول الأرض فى مدار ثابت وهذا يعطى دقة بالغة تزيد من قيمة الصور الناتجة.
وتهب نسمة هواء باردة تداعب الخيال وتنعش الفكر ويمتد الحديث جذابا شائقا فى أشياء كثيرة ثم نعود إلى خيامنا..
وفى صباح اليوم الثانى نستعد للتوجه إلى منطقتى الجلف الكبير و جبل العوينات .
نشر بمجلة نوفمبر فى أكتوبر 1978م – 1398هـ