معركة لا تُرى.. وحراس لا ينامون| في عالم تتداخل فيه التهديدات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، لم تعد حماية الحدود مهمة عسكرية بالمعنى التقليدي، بل أصبحت دفاعا عن حاضر الدولة ومستقبلها.
وعلى الحدود الجنوبية المصرية، حيث تمتد الصحراء الشاسعة وتلتقي الثروات الطبيعية بالممرات التجارية وبوابات إفريقيا، تثبت القوات المسلحة المصرية أن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة؛ فلا تنمية بلا استقرار، ولا استثمار بلا سيادة، ولا سيادة بلا قدرة على فرض القانون وحماية مقدرات الوطن. وبين يقظة لا تتوقف، واستعداد دائم، وعقيدة راسخة تؤمن بأن كل شبر من أرض الوطن وكل مورد من موارده أمانة يجب صونها، تواصل القوات المسلحة أداء دورها كدرع يحمي الحدود، وسند يؤمّن مسيرة التنمية، ورسالة تؤكد أن الأمن القومي لم يعد يُقاس فقط بسلامة الأرض، بل أيضًا بقدرة الدولة على حماية ثرواتها، وتأمين مستقبل أجيالها، وترسيخ مكانتها كقوة إقليمية تمتلك إرادة الدفاع والبناء فى آن واحد.
ودعونا نعود قليلا لعقد ونصف قبل اليوم، عندما سقطت بعض الدول وعاشت مرحلة من مراحل السيولة وعملت عصابات على نهب مواردها مدعومة بأيادٍ خفية تدفع بها لتدمير ثرواتها.
ولم ينجٌ سوى الدول القوية التي كانت عصية على قوى الشر وأدواتها من المرتزقة، وهنا لا بد أن نتوقف عند مجموعة من النماذج المعبرة عن تلك الحالة خاصة فى منطقتنا العربية وفى أعقاب الخريف العربي أو ما قبله؛ وما شهدته دول سقطت فى بئر الفوضى، فانقضت عليها أدوات ومرتزقة قوى الشر تنهب ثرواتها وتسكب المزيد من الزيت على نار الانقسامات والصراعات الداخلية لتستقر فى مربع اللا دولة.
لكن الدول التي استطاعت استعادة عافيتها سريعا ولم تسمح بالسقوط فى معترك الفوضى وإعادة بناء مؤسساتها نجت من الفوضى وعمدت الى إعادة بناء مؤسساتها.
عقب أحداث يناير 2011 شهدت دول المنطقة ومنها مصر حالة من السيولة، لكن الدولة لم تسقط رغم حجم التهديدات والتحديات التي عصفت بها.
لم يكن ذلك من قبيل الصدفة بل كان نتاج جهد رجال حملوا الأمانة وبروا بالقسم، ومؤسسات وضعت مصلحة الوطن نصب أعينها، والحفاظ عليه وعلى مقدراته بدمائها.
فاستطاع رجال المجلس الأعلى للقوات المسلحة والقوات المسلحة وكل أجهزة الدولة الوطنية حماية الوطن فى مرحلة من أصعب مراحله التاريخية.
فى الوقت ذاته استغلت أدوات قوى الشر الفرصة لتدفع برجالها من الخارجين على القانون والمرتزقة لاستهداف موارد الدولة.
كان المحور الاستراتيجي الجنوبي ل مصر الممتد على طول 1228 كم عند دائرة عرض 22 ، هدفا لتلك المهمة فدفع من أطلق عليهم "الدهابة" باتجاه المنطقة للبحث والتنقيب عن الذهب والمعادن الأخرى.
دعمت قوى الشر تلك العناصر بأجهزة للكشف عن الذهب وأموال وعناصر أجنبية ظنا منهم أن هذه الأرض وسط حجم التحديات التي تعيشها الدولة على مختلف المحاور الأخرى وسط حجم التهديدات المتزايد خلال حرب مصر ضد الإرهاب سيجعل الدولة تغفل عما يحاك على حدودها الجنوبية.
ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تواجه الإرهاب على كل المحاور الاستراتيجية (الشمال الشرقي والغرب والجنوب) ظن من وضعوا مخطط الدفع بتلك المجموعات باتجاه الحدود الجنوبية للاعتداء على موارد الدولة المصرية أن الأمر سيمر نظرا لانشغال الدولة بملفات أخرى لمواجهة العديد من المشكلات والتحديات.
لكن ما لا يعلمه هؤلاء من الخارجين على القانون والمرتزقة وداعميهم؛ أن لهذه الأرض حراسًا لا تغفل أعينهم ولا تنام عقولهم لحظة واحدة، أياديهم دائما على الزناد، فرمال الوطن تعرفهم وتروي لهم تفاصيل ما يدور عليها لحظة بلحظة.
فما أن تقترب آذانهم منها حتى تُسمعهم تفاصيل الحكاية كاملة.. تلك الأرض تعشقهم لأنهم يقدسونها.
عقب 2011 بدأت المجموعات الخارجة على القانون ترافقهم عناصر أجنبية فى أعداد قليلة يدفع بها فى بعض الأودية؛ كوادي العلاقي، والشلاتين وإدفو ومرسى علم وغيرها من الأودية بحثا عن الذهب.
كانت تلك المجموعات يتم إلقاء القبض عليها من قبل قوات إنفاذ القانون وقوات حرس الحدود، لكن المشهد بدأ يتزايد بعد أن دُعِمت تلك العناصر من قبل قوى الشر بالسلاح إضافة إلى الأموال والمعدات لسرقة موارد الدولة.. هنا كانت الدولة لهم بالمرصاد.
لقد شهد مفهوم حماية الحدود تحولا جذريا خلال العقدين الأخيرين، فلم يعد يقتصر على تأمين الخطوط الفاصلة بين الدول أو منع عمليات التسلل التقليدية، بل أصبح يرتبط بمواجهة شبكة معقدة من التهديدات العابرة للحدود، تشمل الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة والذخائر والمخدرات وتهريب الذهب والمعادن النفيسة.
ولأن طبيعة الحدود الجنوبية المصرية واحدة من أكثر الجبهات حساسية، نظرًا لامتدادها لمسافات تبلغ 1228 كم عبر مناطق صحراوية وجبلية شديدة الوعورة، يصعب مراقبتها بالوسائل التقليدية، فضلًا عن تشابكها مع حدود ثلاث دول هي السودان وليبيا وتشاد، وما شهدته هذه الدول خلال السنوات الماضية من اضطرابات وصراعات مسلحة أسهمت فى تنامي أنشطة التهريب والجماعات الإجرامية، لذا جرى العمل على تأمين الحدود الجنوبية بأحدث وسائل التأمين.
كما شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية عدة وقائع أمنية تعاملت معها أجهزة الدولة، حيث استهدفت القضاء على بؤر التهريب وتجفيف منابع الجريمة المنظمة، فى إطار استراتيجية شاملة لفرض سيادة الدولة على المناطق الحدودية وحماية الثروات الطبيعية.
من هنا، لم تعد السيطرة على الحدود الجنوبية تعتمد فقط على نقاط الارتكاز العسكرية، وإنما أصبحت ترتكز على منظومة متكاملة تشمل الانتشار المستمر للقوات، وتوظيف وسائل المراقبة والاستطلاع الحديثة، والطائرات دون طيار، والدوريات المتحركة، إلى جانب تطوير شبكات الطرق والمراكز اللوجستية، بما يضمن سرعة الوصول إلى أي نقطة حدودية والتعامل الفوري مع أي تهديد. فحماية الحدود، والحفاظ على الموارد الاقتصادية، ومنع استغلال الفراغات الجغرافية من قبل التنظيمات الإجرامية أو العناصر المعادية جزء لا يتجزأ من حماية الأمن القومي.
ففي مواجهة الجريمة المنظمة على الحدود الجنوبية، لم تعتمد القوات المسلحة على رد الفعل بقدر ما ارتكزت على فلسفة "الوقاية الاستباقية"، حيث تمثل اليقظة الدائمة حجر الأساس فى منظومة التأمين.
فالمراقبة المستمرة للمناطق الحدودية، على مدار الساعة، تتيح رصد أي تحركات غير اعتيادية قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر، بينما جاء عمل الدوريات المتحركة والكمائن الثابتة والمتحركة على تضييق الخناق أمام محاولات التسلل والتهريب، وحرمان العناصر الإجرامية من استغلال الطبيعة الصحراوية الوعرة أو المسارات النائية.
فى الوقت ذاته، كانت عناصر الاستطلاع تؤدي دورًا محوريًا فى جمع المعلومات وتحديث الموقف الميداني بصورة لحظية، بما يسمح باتخاذ القرار المناسب فى التوقيت المناسب. ولا تقتصر كفاءة هذه المنظومة على تعدد وسائل التأمين، وإنما تستند إلى درجة عالية من التكامل والتنسيق بين الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة وكل أجهزة الدولة، بما يحقق توحيدًا للجهود وتبادلًا سريعًا للمعلومات، ويضمن سرعة الاستجابة لأي تطور ميداني.
لقد أثبتت التجارب أن مواجهة شبكات التهريب والجريمة المنظمة، التي تتميز بالمرونة وسرعة الحركة وتغيير مساراتها باستمرار، تتطلب قوات تمتلك الاحترافية والانضباط والجاهزية القتالية الدائمة، إلى جانب القدرة على العمل فى بيئات صحراوية شديدة القسوة. ومن ثم، فإن النجاحات المتكررة فى إحباط محاولات التنقيب العشوائي عن المعادن والتسلل وضبط كميات من الأسلحة والذخائر والمواد المخدرة والبضائع المهربة تعكس منظومة عمل متكاملة لا تعرف التوقف، قوامها التدريب المستمر، والجاهزية العالية، والقدرة على الانتقال السريع من الرصد إلى التعامل الحاسم، بما يحافظ على أمن الحدود ويصون مقدرات الدولة ويؤكد أن حماية الأمن القومي تبدأ من يقظة لا تغفل لحظة واحدة.
لقد جاءت عملية درع الجنوب لتكشف حجم التحدي الذي استطاعت قوات إنفاذ القانون مواجهته وإجهاض مخطط قوى الشر بشأنه.
فبحسب بيان المتحدث العسكري للقوات المسلحة فى بداية العملية "درع الجنوب" تم ضبط ٢٢٣ متورطًا فى أنشطة غير مشروعة، بينهم ٨٧ مصريًا و١٣٦ أجنبيًا، إضافة إلى ضبط ١٤ عربة وأجهزة اتصال لاسلكية ومبالغ مالية بعملات محلية وأجنبية، وكميات من الأسلحة والذخائر غير المرخصة، فضلًا عن مصادرة أعداد كبيرة من أجهزة كشف المعادن ومعدات التنقيب العشوائى عن الذهب، إلى جانب ضبط عناصر متسللة لا تحمل مستندات إقامة قانونية.
بلغ عدد المقبوض عليهم 99 ألفًا و886 شخصا من جنسيات متعددة خلال 115 واقعة تسلل، بعد إتمام العملية الأمنية التي نفذتها القوات المسلحة فى الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي للقضاء على التنقيب العشوائي ومواجهة الجريمة المنظمة.
كما بلغت قيمة المضبوطات 40 مليار جنيه، شملت أجهزة تنقيب ومعدات وأسلحة وسيارات نقل.
إن الأرقام السابقة تكشف حجم المعركة والتهديد الذى كان يستهدف الدولة المصرية واستطاعت القوات المسلحة أن تواجهه بقوة وفق القانون لصون وحماية أمنها القومى.
لقد كشفت العملية المكبرة "درع الجنوب" أن حماية الموارد جزء لا يتجزأ من الأمن القومي فلم تعد حماية الحدود الجنوبية تقتصر على منع التسلل أو ملاحقة شبكات التهريب، بل أصبحت ترتبط ارتباطًا مباشرا بحماية ثروات الدولة ومواردها الاستراتيجية.
فالذهب الذي تختزنه جبال الصحراء الشرقية، والمناجم التي تمثل أحد أهم مصادر الثروة المعدنية، والمحاجر المنتشرة فى الجنوب، والأراضي الشاسعة القابلة للتنمية والاستصلاح، كلها لم تعد مجرد أصول اقتصادية قابلة للاستثمار، وإنما أصبحت جزءًا من معادلة الأمن القومي المصري.
من هنا، فإن أي نشاط غير مشروع يستهدف استخراج الذهب بعيدا عن الإطار القانوني أو تهريب الخامات المعدنية عبر المسارات الصحراوية أو التعدي على الأراضي والثروات الطبيعية لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل يعني استنزافا لموارد استراتيجية كان يمكن أن تتحول إلى مشروعات إنتاجية وفرص عمل وعوائد تدعم الاقتصاد الوطني لعقود طويلة.
بهذا المعنى، يصبح الدفاع عن منجم أو محجر أو قطعة أرض قابلة للتنمية جزءا من الدفاع عن مستقبل الدولة نفسها، لأن الأمن القومي فى مفهومه الحديث لا ينفصل عن الأمن الاقتصادي، ولا يمكن لدولة تطمح إلى التنمية المستدامة أن تسمح باستنزاف ثرواتها الطبيعية أو خروجها عبر الحدود بعيدا عن سيادتها وقانونها.
لقد شهد مفهوم حماية الحدود تحولًا جذريًا خلال العقود الأخيرة، فلم تعد مهمة الجيوش تقتصر على التصدي لجيوش نظامية أو مواجهة تهديدات عسكرية تقليدية، بل أصبحت الحدود تمثل خط المواجهة الأول مع طيف واسع من المخاطر غير التقليدية التي تتجاوز فى تعقيدها الحروب الكلاسيكية.
فشبكات التهريب العابرة للحدود، والجماعات الإجرامية المنظمة، والاتجار بالأسلحة والمخدرات والبشر، ومحاولات استنزاف الثروات الطبيعية، إلى جانب تحديات الهجرة غير الشرعية، جميعها باتت تشكل تهديدات مباشرة للأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدول.
وفى هذا السياق، اكتسبت مهمة الجندي المرابط على الحدود أبعادًا جديدة تتجاوز الحراسة التقليدية للحدود الجغرافية، ليصبح فى مواجهة يومية مع اقتصاد غير مشروع يدر مليارات الدولارات على شبكات الجريمة المنظمة، التي تسعى إلى تقويض سلطة الدولة واستنزاف مواردها وإضعاف قدرتها على تحقيق التنمية.
فكل عملية تهريب يتم إحباطها، وكل شحنة أسلحة أو مخدرات أو معادن مهربة يتم ضبطها، لا تمثل مجرد نجاح أمني، بل تعني حماية للاقتصاد الوطني، وصونا للثروات الطبيعية، وتجفيفا لمصادر تمويل أنشطة إجرامية قد تمتد آثارها إلى الداخل. ومن هنا، لم تعد حماية الحدود مجرد مهمة دفاعية، بل أصبحت
منظومة متكاملة لحماية الأمن القومي بمفهومه الشامل، الذي يجمع بين أمن الأرض، وأمن الاقتصاد، وأمن المجتمع، ويجعل من الجندي المصري خط الدفاع الأول عن سيادة الدولة ومستقبلها فى آن واحد.