اهتمام إعلامى كبير حظيت به زيارة الرئيس الصينى للقاهرة، وكذا البيان المشترك الصادر عن القمة المصرية الصينية، نظرا لتوقيت الزيارة وأهميتها، فليست كل الزيارات الرئاسية سواء، ولا كل البيانات المشتركة مجرد وثائق دبلوماسية تنتهي أهميتها بانتهاء مراسم التوقيع.
فبعض الزيارات تحمل فى طياتها ما هو أبعد من البروتوكول، وبعض البيانات تكشف بين سطورها، تحولات فى طريقة تفكير الدول وموقعها فى عالم يتغير بسرعة.

من هذه الزاوية تحديدًا تبدو زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينج" إلى القاهرة، التي تتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لحظة تتجاوز الاحتفال بذكرى تاريخية إلى إعادة تعريف لشراكة تتجه إلى مرحلة أكثر اتساعًا وعمقًا.
ليأتى البيان المشترك فى أحد عشر بندا تقريبا، بعد التوقيع على 4 مذكرات تفاهم واتفاقية تعاون اقتصادي وفنى و20 وثيقة أخرى فى مجالات التكنولوجيا والمالية والاقتصاد الرقمى والمواصلات ووسائل الاعلام، مع إعلان بدء المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المشتركة فى المنطقة الاقتصادية بشرق بورسعيد.
فعلى مدى سبعة عقود، لم تكن العلاقة المصرية الصينية أسيرة لتقلبات السياسة الدولية، بل حافظت على مسار متدرج من الصداقة إلى التعاون، ثم إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي دشنت عام 2014.
وهنا تكمن أهمية الزيارة والقمة التى عقدت بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شى جين بينج ، فالقاهرة وبكين لا تبدوان وكأنهما تبحثان عن مجرد إضافة فصل جديد إلى تاريخ العلاقات الثنائية، وإنما تعملان على الانتقال بها من مرحلة "التعاون" إلى مرحلة المشاركة فى صياغة المستقبل.
(1) أهم ما يلفت النظر فى البيان المشترك أن العلاقة المصرية الصينية لا تُقدم باعتبارها علاقة طرف مانح وطرف متلقٍ، ولا باعتبارها اصطفافا سياسيا تابعا لمحور دولي، إنها على العكس تقوم على مفهوم واضح هو التوازن الاستراتيجي.
لذلك جاء تأكيد الجانب الصيني تقديره لمبدأ "الاتزان الاستراتيجي" الذي أرسته مصر، باعتباره داعما للتعددية الدولية.
هذه العبارة بالذات تحمل دلالة سياسية عميقة؛ فالقاهرة لا ترى فى تطوير علاقتها مع بكين خروجا من دائرة إلى دائرة أخرى، وإنما جزءًا من سياسة أوسع تقوم على تنويع الشراكات والحفاظ على استقلالية القرار الوطني.
كما أن بكين، من جانبها، لا تتعامل مع مصر باعتبارها مجرد سوق كبيرة، أو موقع جغرافى بالغ الأهمية، وإنما باعتبارها دولة ذات وزن سياسي وحضاري وإقليمي، وشريكًا فى بناء تصورات جديدة للمنطقة والعالم.
هذا هو الفارق بين الشراكة الاستراتيجية والتعاون التقليدي: التعاون يبحث عن المصالح، أما الشراكة فتبني إطارًا لإدارة المصالح والرؤى معًا.
لعل أكثر بنود البيان تعبيرا عن توازن العلاقة ذلك الذي جمع بين قضيتين تبدوان، للوهلة الأولى، بعيدتين تمامًا: الأمن المائي المصري ومبدأ الصين الواحدة.
ف الصين أكدت إدراكها للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر، باعتباره شريان الحياة الرئيسي، واعترفت بحق مصر المشروع فى حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، مع دعوة دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي وعدم التسبب فى إحداث ضرر. فى المقابل، أكدت مصر رفضها التدخل فى الشئون الداخلية للصين، وتمسكها الثابت بمبدأ الصين الواحدة، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية.
وهنا لا ينبغي قراءة الموقف باعتباره تبادلًا للمواقف، وإنما باعتباره نموذجًا واضحًا لفلسفة العلاقة نفسها: احترام المصالح الجوهرية لكل طرف، مقابل احترام سيادته وخياراته الوطنية.
أما الجانب الاقتصادي فى البيان يكشف أن المرحلة المقبلة من العلاقات لن تكون مجرد استمرار للمشروعات القائمة، وإنما محاولة لنقل التعاون إلى مستويات أكثر تقدمًا.
فقد انتقلت الأولويات من البنية التحتية والنقل والطاقة والتصنيع إلى الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتصنيع المحلي والطاقة المتجددة وتحلية مياه البحر، والحوسبة السحابية ومراكز البيانات وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد وسلاسل إمداد المعادن الحرجة.
وهذا التحول مهم للغاية؛ لأن الدول التي ستملك نفوذًا حقيقيًا فى الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة لن تكون فقط تلك التي تمتلك الطرق والموانئ والمصانع، وإنما تلك التي تمتلك التكنولوجيا والبيانات والقدرة على توطين المعرفة.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن "توطين الصناعة" ونقل التكنولوجيا. فالمصلحة المصرية لا تتوقف عند جذب الاستثمارات الصينية، وإنما تتطلع إلى تحويل الاستثمار إلى قيمة مضافة محلية، وإلى بناء قاعدة إنتاجية وتكنولوجية تستطيع أن تخدم السوق المصرية والأسواق الإقليمية.
وفى المقابل، تجد الصين فى مصر موقعًا استثنائيًا يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، خصوصًا مع قناة السويس والمنطقة الاقتصادية، وهو ما يجعل مصر جزءًا مهمًا من الحسابات اللوجستية والصناعية الصينية.
(2) ربما تكون واحدة من أهم الرسائل الاقتصادية فى البيان هي التوافق على مواءمة رؤية مصر 2030 مع مبادرة الحزام والطريق، بما يسهم فى تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وهنا يصبح الموقع الجغرافى المصري أكثر من مجرد ميزة جغرافية؛ بل يتحول إلى أصل استراتيجي فى الاقتصاد العالمي.
ف مصر ليست فقط دولة تطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وليست فقط صاحبة قناة السويس، وإنما تستطيع، إذا اكتملت منظومة التصنيع والخدمات والطاقة واللوجستيات والاقتصاد الرقمي، أن تكون منصة إنتاج وتوزيع بين ثلاث دوائر اقتصادية كبرى.
وهذه هي النقطة التي تجعل الشراكة المصرية الصينية مختلفة عن علاقة استثمارية عادية.
فبكين تحتاج إلى الموقع المصري، والقاهرة تحتاج إلى التكنولوجيا والاستثمار والخبرة الصينية، لكن الطرفين يستطيعان، إذا أحسنا إدارة هذه المصالح، أن يحولا الاحتياج المتبادل إلى قوة مشتركة.
كما لم يغفل البيان الجانب الأكثر حساسية فى أي علاقة اقتصادية، وهو كيفية تحقيق التوازن التجاري.
فقد اتفق الطرفان على توسيع استخدام العملات المحلية فى التجارة والاستثمار، وتجديد اتفاقية تبادل العملات وزيادة قيمتها، مع تشجيع المؤسسات المالية فى البلدين على دعم الاستثمارات الصناعية والتنموية ومشروعات البنية التحتية والتحول الأخضر والرقمي. كما أكد الجانبان أهمية تحقيق مزيد من التوازن فى الميزان التجاري وتشجيع دخول المنتجات المصرية إلى السوق الصينية.
هذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تُقاس بحجم ما تستورده دولة من الأخرى، وإنما بقدرتها على خلق دورة اقتصادية أكثر توازنًا.
كما أن وراء الأرقام والمشروعات، هناك عامل آخر يمنح العلاقة المصرية الصينية خصوصيتها: البعد الحضاري.
فالبيان يتحدث صراحة عن عمق الصداقة التاريخية التي تجمع الحضارتين المصرية والصينية، وعن عام التواصل الثقافى والإنساني بين الصين وأفريقيا. كما يربط بين مبادرات الصين فى مجالات التنمية والأمن والحوكمة والحضارة وبين رؤية أوسع تقوم على احترام الثقافات والحضارات الإنسانية على أساس المساواة.
هذا البعد ليس ترفًا دبلوماسيًا، فالحضارتان المصرية والصينية تنتميان إلى عالم قديم لم يبدأ تاريخه مع العصر الحديث، ولم تعرف علاقاتهما الدولية مفهوم القوة كما تطور فى النظام الغربي الحديث.
لذلك فإن استدعاء الحضارة فى العلاقة بين القاهرة وبكين يحمل رسالة سياسية أيضًا؛ أن بناء المستقبل لا يعني بالضرورة التخلي عن الجذور، وأن التحديث يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع الهوية.
ولعل هذا ما يجعل الشراكة المصرية الصينية أكثر قابلية للاستمرار؛ لأنها لا تقوم فقط على المصالح الآنية، وإنما تستند إلى سردية تاريخية مشتركة عن الاستقلال والتنمية واحترام السيادة.
(3) لكن أهم ما فى البيان ربما لا يتعلق بالعلاقات الثنائية أصلًا؛ فالقاهرة وبكين تضعان شراكتهما فى سياق أوسع هو إعادة ترتيب موقع دول الجنوب العالمي داخل النظام الدولي.
فالبيان يدعو إلى إصلاح النظام الدولي ومؤسسات التمويل الدولية، بحيث تصبح أكثر عدلًا وتمثيلًا للدول النامية، ويربط التنسيق المصري الصيني بالمحافل الدولية، ومنها الأمم المتحدة والبريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون و مجموعة العشرين .
ثم تأتي العبارة الأكثر وضوحًا عندما يؤكد الطرفان أهمية تعزيز صوت الجنوب العالمي، وحق الدول النامية فى المشاركة العادلة والمتوازنة فى صناعة القرار الاقتصادي والسياسي الدولي، ويصفان الشراكة المصرية الصينية بأنها نموذج للتعاون بين الدول النامية الكبرى قائم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل والمنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة والتضامن.
وهنا تتجاوز القمة حدود القاهرة وبكين لتنتقل لىسؤال أكبر: من يحكم العالم؟ ومن يضع قواعد النظام الدولي؟
الإجابة المصرية الصينية ليست مواجهة لأحد؛ وإنما الدعوة إلى نظام أكثر تعددية، لا تحتكر فيه مجموعة محدودة من القوى الكبرى عملية صناعة القرار.
كما يأتى تطابق الرؤى بين البلدين فى قضية من أكثر القضايا أهمية فى الشرق الأوسط القضية الفلسطينية.
فالبيان يؤكد أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية فى الشرق الأوسط، ويتمسك بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ويرفض أي مخططات لتهجير الشعب الفلسطيني، ويدعو إلى تثبيت وقف إطلاق النار فى غزة وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، مع رفض التصعيد الإسرائيلي فى الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وهذه ليست فقط نقطة توافق بين دولتين، وإنما تعكس تصورًا مشتركًا لطبيعة الاستقرار الإقليمى؛ فلا يمكن بناء شرق أوسط مستقر بينما تبقى القضية الفلسطينية دون حل عادل.
ومع اتساع الدور الصيني فى النظام الدولي، يصبح التنسيق مع مصر، صاحبة الدور المحوري فى ملفات المنطقة، أكثر أهمية؛ لأن بكين تمتلك أدوات اقتصادية وسياسية دولية، بينما تمتلك القاهرة موقعًا وخبرة واتصالات مباشرة مع أطراف الأزمات الإقليمية.
كما لا يقل أهمية عن الملف الفلسطيني ما جاء فى البيان بشأن القرن الأفريقي والبحر الأحمر والسودان.
فالقاهرة وبكين تؤكدان أن استقرار القرن الأفريقي يتطلب احترام سيادة دوله ووحدة أراضيها، وأن حماية البحر الأحمر وأمنه تقع مسؤوليتهما الرئيسية على الدول المشاطئة، مع تعزيز التعاون فيما بينها وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية.
كما يؤكد الطرفان احترام وحدة السودان وسيادته والحفاظ على مؤسساته الوطنية والعمل من أجل وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية.
هذه الرؤية تعكس قاعدة تبدو بسيطة، لكنها شديدة الأهمية؛ وهى أن أمن الإقليم لا يمكن أن يُبنى من خارج الإقليم.
وهو مبدأ يلتقي بوضوح مع الرؤية المصرية التي ترفض تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للتنافس الدولي، وتؤكد ضرورة أن تكون دول المنطقة طرفًا أصيلًا فى تحديد مستقبلها.
(4) إذا جُمعت كل خيوط البيان معًا، يتضح أن القاهرة وبكين لا تبنيان شراكة فى مجال واحد، وإنما شبكة مصالح تمتد من الاقتصاد إلى السياسة، ومن التكنولوجيا إلى الأمن، ومن الثقافة إلى الحوكمة العالمية.
وهذا ما يفسر الإشارة الصينية إلى الدور المحوري ل مصر فى دعم الأمن والاستقرار الإقليميين، وتقدير جهودها فى تسوية الأزمات، فى الوقت الذي تؤكد فيه مصر تقديرها للرؤية الصينية بشأن السلام والاستقرار فى الشرق الأوسط.
إنها علاقة بين دولتين لكل منهما وزنها ومصالحها وحساباتها، لكنهما تلتقيان عند مساحة واسعة من المبادئ: "احترام السيادة، عدم التدخل، التنمية، التعددية، رفض المعايير المزدوجة، ودعم حق الدول النامية فى أن يكون لها صوت مؤثر فى النظام الدولي".
من هنا يمكن فهم دلالة الاحتفال بسبعين عامًا من العلاقات المصرية الصينية. فالسبعين عامًا ليست مجرد رقم فى التقويم الدبلوماسي، وإنما شهادة على قدرة علاقة دولية على البقاء والتطور رغم تغير الأنظمة والتحالفات والظروف الدولية.
إن القيمة الحقيقية للقمة المصرية الصينية لا تكمن فقط فى عدد الاتفاقيات أو حجم المشروعات التي يمكن أن تنتج عنها، وإنما فى الرسالة التي حملتها.
فبين القاهرة وبكين تتقاطع المصالح دون أن تلغي الخصوصية، وتتقارب الرؤى، وتتسع الشراكة دون أن تتحول إلى تبعية.
هنا تحديدًا تكمن قوة النموذج المصري الصيني؛ فالشراكة بين البلدين ليست تحالفًا ضد أحد، وإنما تعاون من أجل شيء أكبر، وهو أن يكون للدول حق اختيار طريقها، وأن تصبح التنمية أساسًا للاستقرار، وأن تتحول التعددية من شعار دبلوماسي إلى واقع فى مؤسسات النظام الدولي.
لقد بدأت العلاقة المصرية الصينية قبل سبعين عامًا باعتراف سياسي متبادل، لكنها اليوم تقف أمام أفق مختلف تمامًا؛ أفق لا تسأل فيه القاهرة وبكين فقط: ماذا نريد من بعضنا؟ وإنما السؤال أكثر اتساعًا؛ أي عالم نريد أن نعيش فيه؟
وربما تكون الإجابة التي حملها البيان المشترك واضحة: عالم لا تُدار فيه العلاقات بمنطق الهيمنة، ولا تُفرض فيه إرادة الأقوياء على الضعفاء، وإنما عالم أكثر توازنًا وتعددية، تكون فيه الحضارات شريكًا فى صناعة المستقبل، وتكون فيه دول الجنوب صاحبة صوت ومصلحة ودور.
وهكذا، فإن سبعين عامًا من العلاقات المصرية الصينية بداية مرحلة جديدة؛ مرحلة تتحول فيها الصداقة التاريخية بين حضارتين عريقتين إلى شراكة استراتيجية لصناعة المستقبل، ورسم خريطة جديدة للمنطقة، والمساهمة فى بناء نظام دولي أكثر عدلًا واتزانًا.