يظل بر الوالدين من المعاني التي ترتبط بالسلوك اليومي أكثر من ارتباطها بالكلمات، فالتعامل مع الأب والأم لا يتوقف عند التعبير عن الحب أو تقديم الهدايا، وإنما يظهر في تفاصيل صغيرة تتكرر داخل البيت، وفي طريقة الحديث، والاستماع، وتقديم المساعدة، ومراعاة المشاعر.
ويتناول الداعية الإسلامي محمد الخطيب أهمية أن يتحول بر الوالدين إلى سلوك عملي يلمسه الأب والأم في حياتهما، بدلًا من أن يظل مجرد كلمات تقال في المناسبات أو عند الحديث عن فضل الوالدين.
ويرى محمد الخطيب أن علاقة الإنسان بوالديه تحتاج إلى قدر من الانتباه، خاصة أن بعض التصرفات التي قد يراها الأبناء عادية يمكن أن تترك أثرًا في نفس الأب أو الأم، سواء كانت كلمة قاسية أو تجاهلًا لحديثهما أو انشغالًا دائمًا عنهما.
ويبدأ البر من طريقة الحديث، فالكلمة الهادئة يمكن أن تعبر عن الاحترام، بينما قد يؤدي الصوت المرتفع أو الرد الجاف إلى جرح مشاعر الوالدين، حتى إذا لم يقصد الابن أو الابنة الإساءة.
ولا يرتبط البر، في هذا السياق، بقدرة الإنسان على تقديم أشياء مادية لوالديه، فهناك صور كثيرة يمكن أن تظهر من خلالها المحبة والاهتمام، ومنها السؤال عنهما، والاستماع إليهما، ومساعدتهما، والحرص على ألا يشعر أحدهما بأنه أصبح عبئًا على أبنائه.
ويشير الداعية الإسلامي محمد الخطيب إلى أن الانشغال بالحياة والعمل والمسؤوليات اليومية لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لقطع التواصل مع الوالدين، لأن الإنسان قد يجد نفسه بعد فترة طويلة وقد اعتاد تقليل الزيارة أو الاتصال، بينما كان من الممكن أن يمنح والديه جزءًا من وقته دون مشقة كبيرة.
كما أن البر لا يعني أن الحياة تخلو من الاختلاف، فقد تختلف وجهات النظر بين الأبناء والآباء، لكن الاختلاف يمكن أن يظل في إطار الاحترام، دون أن يتحول إلى إساءة أو قطيعة.
ومن المهم كذلك أن يدرك الأبناء أن الوالدين يحتاجان أحيانًا إلى الشعور بأن أبناءهما يتذكرونهما، وليس فقط إلى المساعدة عندما يطلبانها. فالسؤال عن الحال، والجلوس معهما، ومشاركتهما بعض التفاصيل، كلها أمور قد تحمل قيمة كبيرة في العلاقة الأسرية.
ويؤكد محمد الخطيب أهمية مراجعة الإنسان لطريقة تعامله مع والديه، خاصة إذا كان قد اعتاد الانفعال أو الرد السريع أو تأجيل التواصل معهما بصورة مستمرة.
وقد يبدأ تغيير العلاقة من خطوة بسيطة، مثل تخصيص وقت للحديث، أو تقديم المساعدة دون انتظار الطلب، أو الاعتذار عن موقف تسبب في الحزن، أو مجرد التعبير عن المحبة بصورة واضحة.
وفي النهاية، لا يحتاج بر الوالدين إلى مواقف استثنائية حتى يظهر، وإنما يمكن أن يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، ومن حرص الأبناء على أن تكون كلماتهم وتصرفاتهم انعكاسًا حقيقيًا لما يحملونه من محبة وتقدير لوالديهم.