ما زالت حرب أكتوبر تكشف كل يوم عن مفاجأة جديدة نتعرف من خلالها على أسرار النصر، فلم تكن المعركة التى بدأت يوم السادس من أكتوبر وانتهت مع قرار وقف إطلاق النار معركة عادية؛ بل كانت بمثابة ميلاد جديد للعديد من النظريات العسكرية.
كما رسمت شكلا جديدا للشرق الأوسط، وكشفت معجزة جديدة بالمعركة، إنه "المقاتل المصري" الذى سطر العديد من البطولات ليس خلال معركة أكتوبر وحدها؛ بل بدءًا من الأيام الأولى وقبل نهاية شهر يونيو 1967، فهناك معارك تنتصر فيها الجيوش بالسلاح، وهناك معارك يصبح فيها الجندي نفسه هو السلاح الأقوى.
فى حرب أكتوبر 1973، لم يكن الجندي المصري مجرد عنصر داخل منظومة عسكرية ضخمة؛ بل كان هو قلب هذه المنظومة وروحها، وكان نجاح الخطة مرتبطًا بقدرته على تحويل ما تعلمه فى سنوات التدريب إلى فعل حقيقي تحت النيران، بل إن المقاتل المصرى أبهر صناع السلاح أنفسهم بكشفه لقدرات أعلى مما توقعته تلك الدول.
لهذا فإن الحديث عن نصر أكتوبر لا يكتمل بالحديث عن خطة العبور أو المعارك التى تجاوزت 52 معركة أو الضربة الجوية أومعركة المنصورة أو المدفعية أو الصواريخ أو الكباري، أو معارك الدبابات؛ فهناك بطل يقف خلف كل ذلك؛ إنه الجندي المصري.
الجندي الذي عبر قناة السويس فى مواجهة مانع مائي هائل، وصعد الساتر الترابي الذى اعتبرته كافة الأكاديميات والمعاهد العسكرية والمراكز البحثية، بأنه مانع يصعب عبوره أو تدميره إلا من خلال قنبلة ذرية، واقتحم التحصينات، وواجه الدبابات، وحمل الصاروخ المضاد للدبابات، فلقن العدو درسا قاسيا وجعله يصاب بحالة من الجنون.
كان ذلك الجندي يخوض معركة عسكرية، لكنه فى الوقت نفسه كان يخوض معركة أخرى أكثر عمقًا، معركة الكرامة واسترداد الأرض .
فلم يكن السادس من أكتوبر وليد اللحظة؛ فبين يونيو 1967 وعبور قناة السويس 1973 ست سنوات تم خلالها إعادة البناء والتدريب والتنظيم للقوات المسلحة واكتساب الخبرة القتالية خلال حرب الاستنزاف.
وخلال المعركة كان الجندى المصرى يسطر كل يوم ملحمة جديدة فى طريق النصر.
فالمعركة تحتاج إلى الإعداد الجيد، والتدريب على المهام المحددة لتنفيذها باحترافية، والتخطيط الدقيق لعملية العبور، وتنسيق بين القوات المختلفة، وحين جاءت ساعة الصفر، ظهر الفرق.
فعقب رأس العش بدأت عمليات الإغارة خلف خطوط العدو، حيث استعاد الشعب الثقة فى قواته المسلحة، واستطاع الأبطال أن يقضوا مضاجع العدو، وجاءت عملية إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات لينتبه العالم أجمع وتدرك إسرائيل أنها لن تهنأ ما دامت تحتل الأرض المصرية، فاستطاع أبطال البحرية المصرية يوم 21 أكتوبر 1967 أن يحددوا نظرية عسكرية جديدة غيرت النظريات السابقة بعد أن استطاعت إحدى القطع البحرية الصغيرة (لانش صواريخ سطح 504) أن تدمر أحد أهم وأكبر القطع البحرية لدى إسرائيل ويغرقها فى مياه البحر المتوسط ويصبح ذلك اليوم عيدا للبحرية وسوف أتعرض لتفاصيل تلك العملية فى العدد القادم لأحكى تفاصيل ما رواه لى البطل الملازم أول حسن حسنى أمين مساعد قائد اللانش الذى أغرق "ايلات" وكان قائد اللانش هو النقيب أحمد شاكر.
وتتوالى المفاجات فى كافة الأسلحة يسطرها المقاتلون الأبطال على أرض سيناء المباركة.
فنجح المقاتلون فى عبور القناة مئات المرات خلال عمليات الإغارة خلف خطوط العدو خلال حرب الاستنزاف.
وعندما جاءت لحظة العبور فى السادس من أكتوبر 1973 استطاع الأبطال عبور القناة وفتح الثغرات فى الساتر الترابى، وتسلق الأبطال فى الموجة الأولى للعبور خط بارليف وهم يحملون على ظهورهم حقيبة تزن 30 كيلو جراما بها عدد 2 صاروخ "ماليوتكا" وهو صاروخ مضاد للدبابات استطاع المقاتل المصرى أن يسطر به ملحمة أبهرت الروس أنفسهم فدمر المقاتل البطل محمد المصرى بهذا الصاروخ 27 دبابة للعدو، رغم أن هذا السلاح يعتمد على نظام التوجيه السلكى، وهو ما كشف براعة المقاتل المصرى حيث كان وراء يوم الإثنين الحزين فى إسرائيل فى أكبر معركة للدبابات خسرت فيها إسرائيل أكبر عدد من الدبابات وأسر العقيد عساف ياجورى قائد اللواء 190 مدرع.
ودمر البطل عبدالعاطى 23 دبابة بسلاح الآر بي جي، الذى كان أيضا مفاجأة المعركة، لقد استطاع فرد المشاة أن يهزم الدبابة.
وقد تمكنت الفرق الخمس من عبور القناة فى السادس من أكتوبر وإقامة رؤوس جسور على الضفة الشرقية، فيما وصفته دراسة عسكرية أمريكية بأنه من أنجح عمليات عبور الموانع المائية الكبيرة فى التاريخ العسكري.
وهنا تبدأ قصة الجندي المصري، الجندي الذي حمل معه خطة العبور.
ففي العمليات الكبرى، لا قيمة للخطة إذا لم يستطع آلاف الجنود تنفيذ تفاصيلها فى اللحظة المحددة، وهذا تحديدا ما جعل العبور يستحق الدراسة.
كان المقاتلون، كل منهم يعرف مهمته، لم يكن هناك جندي واحد يصنع النصر بمفرده، وإنما آلاف الجنود الذين نفذ كل منهم الجزء الذي أُسند إليه داخل صورة أكبر، وهنا تظهر قيمة الانضباط.
فالمعركة الحديثة لا تحتاج فقط إلى الشجاعة، وإنما إلى شجاعة منضبطة بالخطة.
كان الساتر الترابي أحد أبرز التحديات الهندسية فى عملية العبور.
وبدلًا من تحويل المسألة إلى معركة استنزاف تعتمد على القصف الثقيل، استخدم سلاح المهندسين العسكريين مضخات مياه لفتح ثغرات فى الساتر، بالتزامن مع عبور القوات وإقامة الجسور. وتشير دراسة منشورة فى مجلة Military Review الأمريكية إلى أن المهندسين العسكريين المصريين استخدموا سلاح المياه لاول مرة فى معركة من معارك العصر الحديث .
وهنا يظهر واحد من أهم دروس أكتوبر، الابتكار لا يعني دائمًا اختراع سلاح جديد؛ أحيانًا يعني اكتشاف استخدام جديد لسلاح أو معدة موجودة بالفعل.
وهذا ما فعله المقاتل المصرى، كانت الرمال هي المشكلة، فأصبح الماء هو الحل.
وكان الساتر الذي صُمم ليكون حاجزا أمام العبور يتحول، أمام التصميم الهندسي الصحيح، إلى مشكلة قابلة للحل.
كما كان أحد أهم دروس أكتوبر فى مواجهة المدرعات، هو مواجهة فرد المشاة للدبابة.
كانت الدبابة تمثل رمزًا للقوة البرية الحديثة، لكن ظهور وانتشار الصواريخ المضادة للدبابات أعاد صياغة العلاقة بين الدبابة والمشاة.
لم يعد الجندي مجرد عنصر حماية للدبابة أو هدف محتمل أمامها.
أصبح قادرًا، عندما يمتلك السلاح المناسب، على تهديدها من مسافة بعيدة.
استخدمت القوات المصرية صواريخ ساجر" ماليوتكا " وRPG-7 ضمن منظومة مضادة للدروع، واستطاعت وحدات المشاة إيقاع خسائر فى الهجمات المدرعة الإسرائيلية خلال المعركة.
وتصف دراسة عسكرية أمريكية بعنوان The 1973 Arab-Israeli War: The Albatross of Decisive Victory أعدها جورج دبليو. جاوريك بمعهد الدراسات القتالية، كلية القيادة والأركان العامة للجيش الأمريكي، كيف واجهت القوات المدرعة الإسرائيلية نيرانًا كثيفة من الأسلحة المضادة للدبابات، الأمر الذي أجبرها على تعديل أسلوب القتال وإدخال المشاة ضمن منظومة القتال مع الدبابات.
وهذه ليست مجرد قصة سلاح إنها قصة إنسان تعلم كيف يستخدم السلاح فى اللحظة المناسبة.
فالصاروخ وحده لا يصنع النتيجة، الذي صنعها هو الجندي المصرى الذي حدد الهدف، واختار اللحظة، وحافظ على هدوئه، ونفذ المهمة تحت النار، لقد نجح المقاتل المصرى فى أن يختصر الزمن لتجهيز وإطلاق الصواريخ "الماليوتكا" من دقيقتين عندما يكون المقاتل محترف، إلى زمن 40 ثانية.
كان المشهد العسكري الجديد شديد الدلالة، جندي يحمل سلاحا مضادا للدبابات فى مواجهة دبابة تساوي أضعاف تكلفة معداته.
هنا تغير مفهوم القوة لم تعد القوة مرتبطة فقط بحجم المنصة أو سعر السلاح.
إنما يرتبط بقوة وعزيمة المقاتل واحترافيته فى تنفيذ المهام واستعداده للتدريب والتطوير المتواصل .
هذا تحديدا يعد أحد الدروس التي جذبت اهتمام المؤسسات العسكرية الغربية بعد حرب أكتوبر.
فقد رأى محللون عسكريون ومنهم الباحث العسكري الأمريكي Jeffrey Record الذى نشر تحليل بعنوان The October War: Burying the Blitzkrieg، فى أبريل 1976 بمجلة Military Review الأمريكية قال فيه "إن الأسلحة الخفيفة المضادة للدبابات، فى حرب أكتوبر التى استخدمها المصريون إلى جانب أنظمة الدفاع الجوي، لم تجعل الدفاع أقوى فحسب، وإنما أمكن استخدامها بطريقة تتيح تنفيذ عملية هجومية ثم الانتقال إلى دفاع تكتيكي قوي.
وهنا تكمن إحدى مفارقات أكتوبر، السلاح الدفاعي أصبح جزءًا من عملية هجومية.
وفى الوقت الذى كانت فيه القوة الجوية الإسرائيلية إحدى الأوراق الأساسية فى الحسابات العسكرية قبل الحرب.
قامت القوات المصرية ببناء منظومة دفاع جوي كثيفة، واستخدمت صواريخ أرض-جو متحركة لتوفير مظلة للقوات البرية التي عبرت إلى الضفة الشرقية.
وهذا لم يكن تفصيلًا تقنيًا؛ بل كان شرطًا أساسيًا لنجاح العملية.
فالجندي الذي يعبر القناة يحتاج إلى حماية، والجسر يحتاج إلى حماية، والمدفعية تحتاج إلى حماية، والقوات التي تبني رأس الكوبرى على القناة تحتاج إلى حماية.
وبالتالي تحول الدفاع الجوي من منظومة تحمي الأهداف إلى عنصر يمكّن القوات من الحركة والتقدم.
وقد اعتبر تحليل عسكري منشور فى Military Review أيضا أن تجربة أكتوبر المصرية قدمت مثالًا على استخدام منظومات الدفاع الجوي والأسلحة المضادة للدبابات، وهي تقنيات ذات طبيعة دفاعية تكتيكية، لتمكين عملية هجومية على المستوى العملياتي.
ربما كانت إحدى أهم نتائج أكتوبر خارج حدود المعركة نفسها هي أنها دفعت الجيوش الكبرى إلى إعادة التفكير فى عدد من الافتراضات.
فقد كشفت الحرب أن امتلاك سلاح أكثر تطورًا لا يعني تلقائيًا القدرة على حسم المعركة.
وكشفت أن التحصين الثابت يمكن تجاوزه عندما يُقابل بالتخطيط الدقيق والمناورة.
وكشفت أن الدبابة، رغم قوتها، تصبح أكثر عرضه للخطر عندما تواجه مشاة مسلحين بأسلحة مضادة للدروع ضمن منظومة متكاملة.
وكشفت أن الدفاع الجوي لا يقتصر على حماية المدن والمنشآت، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من عملية هجومية.
وكشفت كذلك أن المفاجأة لا تعتمد فقط على إخفاء موعد الحرب، وإنما على إخفاء شكل العملية وطريقة تنفيذها.
لقد كان المقاتل المصرى هو معجزة أكتوبر بما تحمله الكلمة من معانٍ، فضرب الأبطال أروع الأمثلة فى الفداء وقدموا نماذج عديدة منهم سيد زكريا والرفاعى ومجموعته وأبطال الاستطلاع خلف الخطوط وأبطال المدرعات.
لهذا فإن أعظم ما يمكن أن يقال عن الجندي المصري فى أكتوبر أنه لم ينتصر لأنه كان يمتلك سلاحًا سحريًا.
ولم ينتصر لأن خصمه لم يكن قويًا؛ بل انتصر لأنه أحسن استخدام القوة المتاحة له.
لقد كان هناك تباين واضح فى القدرات القتالية لدى الجانبين، فالعدو يمتلك أحدث الأسلحة الغربية والشرقية الهجومية لتمنحة التفوق الدائم، وواصلت أمريكا والغرب دعمها عسكريا له، فى الوقت ذاته فرض على مصر حظر استيراد الأسلحة، كما أن الأسلحة التى تمتلكها لم تكن سوى أسلحة دفاعية فقط؛ لكن المقاتل المصرى استطاع أن يحولها خلال المعارك إلى أسلحة هجومية باحترافية ودقة التخطيط والتنفيذ للعمليات.
وهذا لم يكن على مستوى القوات البرية فقط بل على مستوى القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي أيضا.
لقد شاركت طائرات التدريب فى الطلعة الجوية الأولى واستطاعت أن تدمر أهدافا للعدو داخل سيناء وتنفذ مهامها، ولم يكن ذلك ليحدث لولا احترافية المقاتل المصرى وإيمانه الراسخ بعقيدته "النصر أو الشهادة"
لقد كشفت حرب أكتوبر على جانب شديد الأهمية فى المقاتل المصرى وهو روح البطولة والتضحية والفداء وعقيدته التى لا تتزعزع.