قفزة تاريخية لأعداد السائحين الصينيين تنتظرها مصر، بعد زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج للمتحف المصري الكبير، والتى يتوقع أن تعيد صياغة العلاقة بين الدبلوماسية الثقافية والتسويق السياحي.
ولم يبدأ توظيف "المتحف المصري الكبير" كمنصة للدبلوماسية الثقافية مع زيارة الرئيس الصيني، فقبلها استقبل المتحف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورؤساء فيتنام، وأنجولا، وجزر القمر، وسنغافورة، ورئيس وزراء كرواتيا.
لكن التحدي الأكبر أمام قطاع السياحة لا يتمثل في عدد قادة الدول الذين زاروا المتحف، بل في مدى انعكاس هذه الزيارات على حركة السياحة الوافدة، وتحويل الدبلوماسية الثقافية إلى منتج سياحي فعلي.
لقاء حضارتين أمام رمسيس الثاني.
يقول المهندس أحمد يوسف رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحى، إن اختيار المتحف المصري الكبير كمحطة في زيارة الرئيس الصيني يحمل دلالة تتجاوز السياحة. إنه "لقاء بين حضارتين من أعرق حضارات الإنسانية"، المشهد الذي جمع الرئيس السيسي والرئيس شي جين بينج وقرينتيهما أمام تمثال رمسيس الثاني، وعلى الدرج العظيم، وفي منطقة بانوراما الأهرامات، وصولاً لقاعة كنوز توت عنخ آمون، مع تقديم الشرح باللغتين العربية والصينية، يرسل رسالة بصرية قوية: الحضارة المصرية ليست ماضياً فقط، بل حضورا معاصرا وأداة تواصل مع العالم.

وأشاد الرئيس الصيني بالمتحف باعتباره "صرحاً ثقافياً عالمياً يليق بعظمة الحضارة المصرية"، مؤكداً أن مصر و الصين تتمتعان بتراث عالمي ثري وتواصل عبر الزمن.
ويرى يوسف، أن مصر و الصين تمتلكان عنصراً نادراً هو القدرة على تقديم نفسيهما للعالم من خلال حضارة تمتد لآلاف السنين. فالأهرامات وتوت عنخ آمون و المتحف الكبير رموز عالمية تثير الفضول، وبالمثل سور الصين العظيم وطريق الحرير جزء أساسي من الصورة الدولية للصين.
ويربط رئيس الهيئة، بين "طريق الحرير" ومصر بربط تاريخي ومعاصر. فاليونسكو تؤكد أن الإسكندرية وموانئ البحر الأحمر كانت جزءاً من شبكات التجارة التي ربطت الشرق بالغرب، ووصلت المنسوجات الصينية إلى مصر قديماً. لكن الفكرة الأساسية لطريق الحرير لم تكن الحرير وحده، بل حركة البشر والأفكار والثقافات، وهذا ما تستعيده السياحة اليوم بصورة عصرية.
ويفرق يوسف بين "طريق الحرير التاريخي" وبين مبادرة "الحزام والطريق" الصينية الحديثة. الأولى شبكات تجارة تطورت عبر قرون، والثانية مبادرة اقتصادية معاصرة. لكن نقطة الالتقاء الرمزية هي فكرة الربط بين الشعوب.
ومصر بموقعها بين ثلاث قارات، وبامتلاكها المتحف الكبير والأهرامات، تنتقل رمزياً من "طرق التجارة القديمة" إلى "طرق التواصل الحديثة".
مصر ليست الأهرامات فقط
من المنظور السياحي، اختيار المتحف الكبير له رؤية واضحة. فهو يعيد تقديم الحضارة المصرية ضمن تجربة عالمية حديثة، وينقل صورة مصر من "الأهرامات فقط" إلى منتج متكامل يجمع الحضارة والثقافة والمتاحف والترفيه والشواطئ.
وهذا يتسق مع حملة الهيئة في الصين: Egypt Beyond Pyramids. فركزت الحملات على تقديم مصر كوجهة متعددة المنتجات.
وأشار يوسف، إلى أن الهيئة تتعامل مع السوق الصيني باعتباره أحد الأسواق السياحية ذات الأولوية، وتعمل على بناء حضور مستدام للمقصد المصري من خلال مزيج من التسويق الرقمي، والعلاقات الإعلامية، والشراكات مع منصات السفر، ومنظمي الرحلات، والمؤثرين، والمعارض والفعاليات المهنية.
وخلال الفترة من 2024 إلى 2026، نفذت: حملات رقمية على Douyin وWeChat وXiaohongshu وBaidu وTencent وCtrip، حققت إحداها 24 مليون ظهور و700 ألف نقرة. إلى جانب المشاركة في معارض COTTM Beijing وITB China.وتنفيذ قافلة سياحية في بكين وشنغهاي وجوانزو في يناير 2026 بمشاركة 50 من كبار منظمي الرحلات الصينيين. إلى جانب رحلات تعريفية واستضافة 5 مؤثرين و7 صحفيين صينيين زاروا القاهرة والأقصر وأسوان والغردقة.
والهدف ليس إقناع السائح الصيني بأن مصر لديها أهرامات، فهذه معلومة معروفة. التحدي هو الانتقال من "شهرة المعلم" إلى "الرغبة في التجربة المصرية كاملة".
وأطلقت الهيئة موقعاً إلكترونياً باللغة الصينية لتسهيل الوصول للمعلومات.
الأرقام تتحدث: قفزات تاريخية وبالفعل بدأت الأرقام في التحرك قبل زيارة شي. حيث وصل عدد السائحين الصينيين إلى مصر إلى 300 ألف في 2024 بزيادة 60%، ثم 360 ألفاً في 2025 بزيادة 12%، وحتى يوليو 2026 تحقق نمو 7%.
ويرى د. عاطف عبد اللطيف رئيس جمعية مسافرون، أن زيارة الرئيس الصيني تمثل "نقطة تحول استراتيجية" لدفع الحركة الوافدة. فالعلاقات المصرية الصينية في أزهى عصورها، وتسليط الضوء الإعلامي يبعث رسائل ثقة للسائح الصيني بأن مصر بلد الأمن والاستقرار.
ورغم التعافي، إلا أن الأرقام لا تتناسب مع حجم السوق الصيني الأكبر عالمياً. والطموح هو الوصول إلى مليون سائح صيني سنوياً في وقت قصير.
ماذا يريد السائح الصيني؟!
يؤكد عبد اللطيف، أن السائح الصيني يفضل النمط الثقافي والأثري: الأهرامات، المتحف الكبير، الأقصر، أسوان، الجولات النيلية، وسانت كاترين. لكن السياحة الشاطئية والترفيهية أصبحت محل اهتمام أيضاً، خاصة الغردقة وشرم الشيخ ومرسى علم.
ولمضاعفة الأعداد يقترح: زيادة الطيران المباشر بين المدن الصينية والمقاصد المصرية. وتسويق رقمي مكثف على WeChat وWeibo وDouyin. وتأهيل الكوادر وزيادة المرشدين الناطقين بالصينية وتوفير أكلات تناسب ثقافتهم. وتسهيل التأشيرات الإلكترونية وعند الوصول للمجموعات. وتنشيط سياحة الحوافز عبر ربط المنطقة الصناعية الصينية بالعين السخنة ببرامج سياحية للعاملين.
تجربة ماكرون وبقية القادة
من جانبه، يقول إيهاب عبد العال، أمين جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية، إن زيارة الرئيس الفرنسى ماكرون للمتحف في أبريل 2025 جاءت في وقت كان السوق الفرنسي ينمو بالفعل. وأعلن وزير السياحة شريف فتحي في يوليو 2026 عن نمو ملحوظ للسائح الفرنسي الذي لم يعد يتركز في الأقصر وأسوان فقط بل امتد للغردقة وشرم.
ويشير إلى أن النمو لا يُنسب لزيارة ماكرون وحدها، فالطيران والتسويق والبنية الأساسية عوامل مباشرة. لكن الزيارة قدمت صورة إعلامية قوية للمتحف الجديد.وينطبق الأمر على بقية القادة. فقيمة الزيارات لا تُقاس بعدد السائحين فوراً، بل بقدرتها على "إعادة تقديم مصر" كوجهة ثقافية متجددة، وفتح قنوات مع شركات السفر والمؤسسات الثقافية.
ويضيف أن، مصر استقبلت 19 مليون سائح في 2025 بزيادة 21% عن 2024، وارتفعت رحلات الطيران العارض 32%. وأحد محاور المرحلة المقبلة هو فتح أسواق جديدة.والدليل على شغف الصين بمصر: معرض "على قمة الهرم" في شنغهاي جذب أكثر من 2 مليون زائر.
من الفضول إلى الذكرى
يؤكد حسام الشاعر رئيس الاتحاد المصري للغرف السياحية، أن زيارات الرؤساء تضع مصر في مكانة مميزة. فمصر تمتلك مقومات تؤهلها لتكون ضمن أكبر المقاصد العالمية، وتنوع المنتج بين الشاطئي والأثري والديني والمؤتمرات يلبي كل الأسواق.
ويشير إلى أن الوصول لـ20 مليون سائح إنجاز، وكان حلماً في التسعينات عندما كنا نستقبل مليوني سائح. والقطاع صمد رغم الإرهاب وكورونا. كما أن هناك ارتفاعاً كبيراً في إنفاق السائحين، والسياحة تشغل 4-5 مليون مواطن.
وختم الشاعر بالإشادة بالتأشيرة الإلكترونية كـ"نقلة نوعية" للتدفق السياحي.