من ذاكرة الزمن.. باخوم 9/10

من ذاكرة الزمن.. باخوم 9/10الكعبة

ثقافة28-11-2024 | 10:12

أرسل الملأ من قريش في طلب "باخوم" وأفضو إليه برغبتهم في إعادة تجديد بيت ربهم.

وكان "باخوم" نصرانيًّا ديِّنًا، يختلف بين الحين والحين إلى ورقة بن نوفل ليشاركه في أداء بعض الصلوات، وكان قد سمع من غير مرَّةٍ عن اقتراب ظهور نبي آخر الزمان.

وكان "باخوم" يرى ما عليه أهل مكة من الضلال والسخف بعبادتهم لأصنام لا تملك لنفسها ولا لهم نفعًا ولا ضرَّا.

وكان شعور "باخوم" تجاه أهل مكة هو مزيج من الشفقة والاستخفاف، ولكن موقفهم من بناء البيت جعله يعيد التفكير في نظرته إليهم وفي انطباعه عنهم.

لم يكونوا أهل حضارة ولم يكونوا أرباب ثقافة، ومع ذلك كان تعظيمهم للبيت يفوق كل تعظيم، وحبهم له يعلو على أي حب.

إن حبَّ البيت الحرام وتعظيمه وتقديسه هو أمرٌ فطريٌّ يتغلغل في النفوس ويأسر القلوب.

وهؤلاء العرب من أهل مكة بلغ تعظيم البيت وتقديسه من أنفسهم كل مبلغ، كانوا يرون أنهم سدنته وأن تعظيم هذا البيت وتقديسه هو تعظيمٌ وتشريفٌ لهم.

وتعظيم البيت الحرام وتقديسه والنأي به عن كل نوازغ النفس الأمَّارة بالسوء هو من فِطَرِ البشر السوِيَّة التي فطر الله الناس عليها.

فإذا جال بالنفس خاطرٌ من الخواطر التي تنزغ إلى الانتقاص من قدر هذا البيت فإنَّ هذا يدلُّ على الخلل الذي تمكَّن من النفوس، والمرض الذي استشرى في القلوب، واللعنات التي أصبح صبُّها على من يستخف به ويسيء إليه مسألة وقتٍ لا أكثر.

ليس فقط أبرهة هو من يستحق الطير الأبابيل، فالطير الأبابيل تكاد تميَّز من الغيظِ على كثيرٍ من بني جلدتنا وأهل ملتنا.

الطير الأبابيل تريد أن تفتك بمن أسدى له الله نِعَمَه فأعرض عنها واستخف بها وطلب العزَّة في غيرها.

وكما أنَّ التاريخُ يحفل بالعديد من الفراعين، وكما أنه لا يخلو عصرٌ من أبي لهب وأبي جهل وابن سلول، فإنه ليس بدعًا أن يكون في كل عصرٍ "بلعام بن باعوراء"، ذلك الذي قال الله تعالى فيه: (.... فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُون)

ولم يرَ "باخوم" في هؤلاء القوم الذين يعبدون الأصنام من يستخف بالبيت الحرام أو ينتهك حُرمته، لم ير في هؤلاء القوم الذين يأكلون الميتة ويستقسمون بالأزلام من يقلل من عظمة البيت أو ينال من قدسيته.

فلا شكَّ في أنَّ من ينال من قدسية البيت ويحاول النيل من وقاره هو أسوأ من أكلة الميتة والمستقسمين بالأزلام، وهو بلا شك أحقر من "بلعام بن باعوراء" ذلك الذي ضرب القرآن الكريم بالكلب له مثلا.
رأى "باخوم" أهل مكة يعظمون البيت ويسعون في إعادة بنائه على قواعد إبراهيم عليه السلام..

رآهم "باخوم" وهم يتعاهدون ويتواصون بألَّا ينفقوا في بناء البيت مالًا حرامًا، ولا يدخلون فيه مهر بغيٍّ ولا بيع ربا ولا مظلمة أحدٍ من الناس.

وعزم أهل مكة على ألَّا يشارك في بناء البيت أحدٌ ليس منهم.

وانتدب أهل مكة من كل بطنٍ من بطونها أشرف الرجال وأعظمهم مكانة ليشارك في بناء البيت.

ولم يكن من غير أهل مكة مشاركًا في بناء البيت سوى "باخوم" ذلك البنَّاء المصريْ

وتشابكت يدا "باخوم" المصري مع أيادي أشراف مكة في إعادة بناء البيت الحرام.

أمسكت يد "باخوم" المصري بيد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم في وضع الحجر الأسود في موضعه.

ذلك الحجر الذي كاد أهل مكة يقتتلون لأجله، لولا الرأي الذي ارتآه "باخوم"، والحُكم الذي أُلْهِمَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان