تتسارع الأحداث في المنطقة وترتفع وتيرتها بعد دخول قرار وقف إطلاق النار في لبنان الأربعاء الماضي حيز التنفيذ، فما بين الترقب الحذِر والتفاؤل الذي يطلق البعض له العنان أملاً في أن يعود الهدوء للمنطقة، بعد أن ألهبتها نيران حرب الإبادة والعربدة الإسرائيلية علي مدي أكثر من 13 شهرًا، لا تزال المنطقة حُبلي بالأحداث خاصة أن مشروع التقسيم لم يغلق بابه بعد، بل إن كل أدواته لا تزال تتحرك بقوة من أجل تحويله إلي واقع.
فباقات الورود والياسمين التي كانت في استقبال الجيش اللبناني بالجنوب لا شك أنها تُشعرك بحجم الطمأنينة التي ملأت قلوب أبناء الشعب اللبناني الباحث عن الاستقرار والأمن والعودة إلي الديار.
الفرحة التي علت وجوه المواطنين اللبنانيين في الجنوب وهم مصطفون علي جانبي الطريق أمام حاملات الجند والمدرعات، تؤكد أن ارتباط الشعوب بجيوشها الوطنية يأتي من منطلق إيمانها الراسخ بأنها الملاذ الآمن للحفاظ علي الأوطان.
جاء القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006 بمثابة نقطة الارتكاز التي بني عليها وقف إطلاق النار في جنوب لبنان لمدة 60 يومًا، والتي يتوقع البعض أنه قد يكون ممتدًا في ظل تحقيق إسرائيل لهدفها الاستراتيجي في تلك الحرب.
ف حزب الله لم يعد يمثل تهديدًا ل إسرائيل بعد أن فقَد العديد من قياداته خاصة الصف الأول والثاني والثالث، بالإضافة إلي تدمير بنيته التحتية بالكامل والتي كانت إسرائيل تعتبرها تهديدًا مباشرًا لشمالها.
(1)
لكن هل هذا كل ما تحتاج إليه إسرائيل ؟! أم أن الأمر لا يزال يحمل أحداثًا أخري قد نري آثارها في القريب؟!
بالتأكيد جميعنا قلق حول مستقبل هدنة وقف إطلاق النار في لبنان، فالتاريخ يحمل الكثير من الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، أو الالتزام بالاتفاقيات، وهو ما جعل حالة الترقب والقلق من حدوث ذلك تسيطر علي البعض.
كما أن المنطقة تعيش مزيدًا من التوترات وسط توقعات بمزيد من التوتر عقب العشرين من يناير المقبل.
الأمر الذي دعاني لسؤال الفريق أسامة المندوه خلال لقاء جمعني معه الأسبوع الماضي عن مستقبل قرار وقف إطلاق النار في لبنان ؛ وهل من الممكن أن يكون له أثر إيجابي يجعلنا نشهد وقفًا لإطلاق النار في الأراضي الفلسطينية؟!
رد قائلاً: كان من المهم لدي إسرائيل ألا يكون هناك تواجد عسكري ل حزب الله في منطقة جنوب نهر الليطاني، ثم صوّر بيديه شكل الخريطة في المنطقة الحدودية لجنوب لبنان والفاصلة بين جنوب الليطاني وخط الحدود الدولية والتي يبلغ عمقها شمال «أصبع الجليل» 10 كيلو مترات، أما عمقها بعد ذلك فهو 40 كم، وهو ما تحتاج إسرائيل أن تكون تلك المنطقة آمنة بالنسبة لها ومَن يتواجد فيها لا يمثل خطرًا أو تهديدًا عليها، وهو ما قام به حزب الله في بداية عام 2006 إلا أن الأوضاع سرعان ما تغيرت، وهو ما تم بالفعل بحسب اتفاق الهدنة حيث أعيد انتشار الجيش اللبناني في جنوب نهر الليطاني مما يحقق الأمن ل إسرائيل بمنطقة جنوب نهر الليطاني.



لم يعد في تلك المنطقة حزب الله ولا أسلحة تهدد إسرائيل بات فيها حارس وهو الجيش اللبناني، و إسرائيل كانت حريصة علي ذلك دائمًا أن يكون في تلك المنطقة موالٍ وليس مهددًا لأمنها، لكن إيران وظفت حزب الله ليخدم استراتيجيتها، عندها تحوّل إلي تهديد.
ويستكمل الفريق أسامة المندوه متسائلاً: هل هذه الحرب حقق فيها نتنياهو انتصارًا مطلقًا؟!.. لا لم يتحقق فيها لنتنياهو انتصار مطلق لأنه ليس هناك انتصار مطلق، لكن حقق كل ما كان يستهدفه بإخراج حزب الله من تلك المنطقة وعدم وجود أسلحة وعناصر تهدده، ووجود رقابة أمريكية فرنسية، كما أن له الحق في حالة أي خطر التدخل بحسب الاتفاق.
لكن تحقيق هذا كان بثمن خسائر بشرية واقتصادية.. صحيح هذه الخسائر أقل من 2006، لأنه وعي الدرس مما حدث في حرب 2006 لأنه لم يدخل بالدبابات بل دخل بعناصر وعمليات خاطفة، وضربات جوية.
دمر القري والأنفاق التي تكلم عنها في تصريحاته بأنها تمثل خطرًا، وكانت تكلفة خسائره 2 % من الناتج القومي الإسرائيلي وهذا رقم كبير.
أما حزب الله فهذه هزيمة شبه مطلقة ، قارن بين موقف حزب الله في أكتوبر 2023 كانت لديه قوات في الجنوب تستطيع تهديد إسرائيل، كان هو المتحكم في الخريطة السياسية في لبنان ، كان لديه قيادة متمثلة في حسن نصر الله .
في أكتوبر 2023 كان لدي حزب الله حاضنة لبنانية تساعده، أما اليوم فلم يعد يستطيع أن يتحدث عن مقاومة مسلحة وهو ما جاء في كلمة نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني ، الأربعاء، عندما قال "أوجه التحية لشهيد الأمة السيد حسن نصر الله الذي حملني أمانة المقاومة السياسية"؛ وهو ما يعني أن المقاومة المسلحة انتهت ولم يعد حزب الله له سيطرة علي شعب لبنان .
ولم يعد للحزب قدرة علي التحكم في المناصب والقيادات السياسية بعد أن قتلت كل الشخصيات الذين كانوا يسيطرون ويخيفون اللبنانيين.
سألت الفريق أسامة، هل ستساعد إيران حزب الله وتقويه مرة أخري؟! فكان الرد قاطعًا.. هذا صعب لأن عندها ما يكفيها و حزب الله بات تجربة فاشلة.
أما بشأن الاتفاق سيستمر أو لا فهذا متوقف علي سلوك الطرفين.
لكن إسرائيل طول ما طلباتها متنفذة تفضل ملتزمة وهو مدي 60 يوم اختبار أعتقد أن لبنان ستنفذ الاتفاق.
وحول إمكانية أن يجد نتنياهو زريعة لعودة الحرب علي جنوب لبنان؟!
رد الفريق أسامة قائلاً: هو ما صدق يخلع (يقصد نتنياهو) فهو لديه منهج، وبالتالي سيركز علي غزة هو يريد إسكات الجبهة اللبنانية، حتي لا تمثل له خطرًا مرة أخري ونجح في ذلك، بعد هذا يركز علي فلسطين.
كما نجحت إسرائيل في فصل حزب الله عن غزة بقي لها جبهتان الحوثيين والعراق والثانية ستكون الخطوة القادمة.
فالعراق لن تكلفه سوي عدة أيام قليلة، فلديه الطيران، ولديه الأسلحة بالإضافة إلي حليفه الاستراتيجي الولايات المتحدة الأمريكية.
فإذا لم تقم الحكومة العراقية بضبط إيقاع الفصائل فستقوم إسرائيل ببعض العمليات باتجاهها.
لكن إسرائيل تترك حاليًا مهمة العراق للأمريكان فهناك اتفاقيات بين الدولتين.
أما بشأن الحوثيين وتوجيه إسرائيل لضربات إليهم فهذه هي الجبهة القادمة بالفعل وسوف تعمل إسرائيل عليها خلال الفترة القادمة.
ثم اختتم الفريق أسامة المندوه رؤيته للأحداث في المنطقة قائلاً: "الوضع بالنسبة للقضية الفلسطينية صعب والمنطقة باتت تعيش ظروفًا صعبة للغاية".
(2)
إن تطورات الأوضاع رغم التوصل إلي قرار ل وقف إطلاق النار في لبنان وإن كان بداية نقطة ضوء في محيط مظلم، إلا أن ما تعمل عليه إسرائيل لا يدل علي إمكانية اتساع نقطة الضوء تلك باتجاه الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فقد أعلنت واشنطن في ذات اليوم علي لسان أحد المسئولين أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تمضي قدمًا في حزمة مبيعات أسلحة بقيمة 680 مليون دولار لإسرائيل.
وبحسب صحيفة "فايننشيال تايمز البريطانية" فإن مسئولين أمريكيين أبلغوا الكونجرس مؤخرًا بشأن هذه الخطة التي شملت تزويد إسرائيل بآلاف "الذخائر الهجومية" المعروفة باسم Jdams (ذخائر الهجوم المباشر المشترك Joint Direct Attack Munition) والموجهة عبر الأقمار الصناعية، فضلاً عن مئات القنابل الصغيرة.
وذكرت الصحيفة أن هذه الشحنة الجديدة كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد ذكرها كأحد أسباب دعم وقف إطلاق النار مع "حزب الله" في لبنان .
وأضاف المسئول الأمريكي أن الصفقة تم عرضها لأول مرة علي لجان الكونجرس في سبتمبر الماضي، ثم تم تقديمها للمراجعة في أكتوبر الماضي.
وتأتي الحزمة الجديدة بعد الموافقة علي بيع طائرات مقاتلة ومعدات عسكرية أخري ل إسرائيل بقيمة 20 مليار دولار في أغسطس. وكان الكونجرس الأمريكي قد مرر في أبريل الماضي .
26 مليار دولار كمساعدات إضافية لإسرائيل، وهو ما يزيد من المساعدات العسكرية السنوية التي تقدمها الولايات المتحدة لتل أبيب، والبالغة 3.8 مليار دولار.
في الوقت ذاته واصلت إسرائيل عملها علي تثبيت عملية قسم قطاع غزة إلي جزئين، وهو ما يؤكد أن الحديث عن وقف إطلاق النار في الأراضي المحتلة لن يكون قريبًا، كما أن بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، ذلك الإرهابي يواصل دعوته لما أسماه "إعادة تشجيع الهجرة الطوعية إلي غزة" جاء ذلك خلال حفل وضع حجر الأساس لمركز شرطة سديروت الجديد.
إنها فصول عملية تفريغ للأراضي الفلسطينية من أبنائها والدفع بالمستوطنين إلي تلك الأرض.
إن مخطط تقسيم القطاع إلي نصفين لن يتوقف عند هذا الحد بل سيتبعه أكبر عملية تغيير ديموجرافي، وهو ما سيدفع بالمنطقة إلي مزيد من التوتر.
إن التوسع الإسرائيلي علي حساب الأراضي الفلسطينية واستخدام سياسة الإبادة الجماعية والتجويع ضد الشعب الفلسطيني وسط عجز العالم لن تكون عواقبه تشمل المنطقة فقط بل ستمتد إلي مناطق أخري.
لقد قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بتمهيد محور" نيتزر"، الذي يقسّم قطاع غزة إلي قسمين ويمنع حركة المرور من جنوب القطاع إلي الشمال، بالإضافة إلي توسعة المحور، فتم بناؤه بحيث يصل عرضه إلي ثمانية كيلومترات لمنع نيران القناصة أو النيران المضادة للدبابات علي القوات العاملة في المحور.
كما بدأ جيش الاحتلال مؤخرًا بإنشاء بنية تحتية في محور "نيتزر" ويبدو أن إسرائيل تعمل علي تواجد طويل الأمد لقوات جيشها في المحور، فإلي جانب بناء الطريق الرئيسي، أنشأ الجيش الإسرائيلي عددًا من البؤر الاستيطانية، وتم مد خطوط مياه وخطوط وقود إليها، إلي جانب بناء بنية تحتية للطاقة الشمسية.
مستقبل المنطقة بات مرهونًا بأهمية التوصل إلي وقف لإطلاق النار في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإعادة عملية السلام إلي مسارها الصحيح.
لقد آن للمتحدثين عن حقوق الإنسان حول العالم من منظمات ودول، تستخدم من ذلك الملف أداة ضد دول بعينها، أن يبتلعوا ألسنتهم وأن يتواروا خزيًا بعد أن عُميت أبصارهم وعجزت تقاريرهم وألسنتهم عن أكبر عملية إبادة جماعية في التاريخ الحديث، وأكبر عملية غير مسبوقة لانتهاك حقوق الإنسان تقوم بها دولة الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.