ساعات قليلة فصلت بين إعلان الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون تعيين فرنسوا بايرو رئيسًا للحكومة ليصبح رابع رئيس وزراء فى فرنسا خلال عام 2024، وقرار وكالة "موديز" بخفض التصنيف الائتمانى بشكل غير متوقع للبلد الأوروبى، معربة عن مخاوفها بشأن الوضع المالى فى فرنسا فى السنوات المقبلة، ما يسلط الضوء على حجم التحديات التى يواجهها بايرو فى ظل وضع اقتصادى حرج وانقسامات حادة تسيطر على المشهد السياسى الفرنسى منذ حل ماكرون الجمعية الوطنية فى يونيو الماضى وإجراء انتخابات عامة مبكرة لم تسفر عن غالبية واضحة.
خفض التصنيف الائتمانى، الذى جاء خارج جدول "موديز" الخاص بالمراجعة الدورية لفرنسا، أحال تصنيف ثانى أكبر اقتصاد فى منطقة اليورو بعد ألمانيا من "إيه إيه2" إلى "إيه إيه3"، مع نظرة مستقبلية مستقرة، ليصل إلى نفس مستوى تصنيف فرنسا من قبل "فيتش" و"ستاندرد آند بورز".
وأعربت "موديز" عن قلقها المتزايد حيال حالة عدم الاستقرار السياسى التى تعيشها فرنسا منذ حل الجمعية الوطنية فى يونيو الماضى على خلفية نتائج ال انتخابات الأوروبية.
وقالت الوكالة، إن هذا القرار "يعكس وجهة نظرنا المتمثلة فى أن المالية العامة للبلاد ستضعف إلى حد كبير خلال السنوات القليلة المقبلة" بسبب "تشرذم سياسى يُرجّح أن يحول دون ضبط أوضاع المالية العامة بشكل مُجدٍ".
وكان رئيس الوزراء السابق ميشيل بارنييه يعتزم خفض عجز الميزانية من 6.1 بالمائة العام الحالى إلى 5 بالمائة العام المقبل، من خلال حزمة بقيمة 60 مليار يورو من تخفيضات الإنفاق وزيادات الضرائب، إلا أنه لم يتمكن من إقرار التشريع الخاص بموازنة 2025، حيث عارض مشرعون من اليسار واليمين المتطرف الكثير من إجراءات التقشف وصوتوا على اقتراح سحب الثقة من حكومة بارنييه فى وقت سابق من هذا الشهر، وعقب الإطاحة بالحكومة، طالبت جبهة اليسار ماكرون نفسه بالاستقالة والدعوة ل انتخابات رئاسية مبكرة.
من جهته، قال بايرو، المنتمى إلى تيار الوسط، بعد ساعات من تعيينه، إنه يدرك التحديات التى يواجهها فى خضم الأزمات السياسية وتلك المتعلقة بالميزانية. وأضاف بايرو فى تصريحات صحفية: "لا أحد يعرف أكثر منى مدى صعوبة الوضع"، مؤكدا أن "الطريق طويل والجميع يعرفون ذلك... ولست أول من يسير فى طريق طويل".
ويأمل ماكرون أن يتمكن بايرو من تجنب الإطاحة به عبر تصويت بسحب الثقة حتى يوليو القادم على الأقل، عندما تتمكن فرنسا من عقد انتخابات برلمانية جديدة.
وعن قدرة السياسى المخضرم فرانسوا بايرو (73 عاما) على إنقاذ فرنسا من أزمتها السياسية، ذكرت "بى بى سى" أن رئيس الوزراء الفرنسى الجديد يتمتع بميزة تتمثل فى وجود علاقات جيدة مع اليسار واليمين.
وأوضحت أن دعمه للاشتراكية سيجولين رويال فى ال انتخابات الرئاسية 2007 ثم لفرانسوا هولاند فى 2012 قد أدى إلى ترسيخ نوع من الثقة بين الاشتراكيين، لكن آراءه بشأن الديون ــ والحاجة إلى خفضها ــ تساعده على جانب اليمين.
وقد يكون لبايرو أيضًا بعض النفوذ مع اليمين المتشدد بسبب مساعدته لزعيمته مارين لوبان عندما كانت مهددة بعدم الحصول على ما يكفى من التوقيعات من المسئولين المنتخبين للترشح فى انتخابات الرئاسة لعام 2022، حيث منحها بايرو وقتها توقيعه الرسمى كمسئول منتخب، وقال حينها إن منعها من الترشح سيكون "أمراً غير ديمقراطى".
وبحسب المحلل السياسى الفرنسى، آلان دوهاميل، فإن بايرو شخصية مستقلة التفكير وتتمتع بخبرة كبيرة، ورغم تحالفه مع ماكرون إلا أنه لن يتردد فى ممارسة سلطته فى ماتينيون، مقر إقامته الرسمى، ويتوقع دوهاميل أن يميل بيارو بالسياسة نحو اليسار أكثر.
بالرغم من ذلك، أشارت "بى بى سى" إلى أن بايرو سوف يتعين عليه بسرعة كبيرة إعداد ميزانية جديدة لعام 2025 لتحل محل تلك التى تخلت عنها حكومة بارنييه؛ وحينها سوف يواجه على الفور تمردات محتملة من اليسار واليمين المتطرف.
وهناك توقعات على نطاق واسع بأن يواجه بايرو الصعوبات نفسها التى واجهها سلفه بارنييه فيما يتعلق بالتشريعات فى ظل برلمان منقسم يتألف من ثلاث كتل متصارعة (تحالف اليسار والمعسكر الرئاسى الوسطى واليمين المتطرف)، كما أن قرب رئيس الوزراء الفرنسى الجديد من ماكرون، الذى لا يحظى بشعبية كبيرة، سيشكل نقطة ضعف.
وحتى لو لم يعترض الخصوم السياسيون سبيل بايرو، فإن التحديات التى تواجه حكومته المستقبلية ستكون هائلة، حسب "رويترز"، فسوف يتعين على حكومته خفض عجز الميزانية المتوقع لعام 2024 إلى مستوى أقل من 6.1 بالمائة مع إبقاء النقابات العمالية الأقرب لتنظيم احتجاجات تحت السيطرة، فضلاً عن زيادة الإنفاق العسكرى المخصص لأوكرانيا وإيجاد سبل لدعم القطاع الصناعى المتعثر.
ويشير المراقبون إلى أن فرنسا تكافح ديوناً متضخمة وعجزًا كبيرًا أصبح من بين أعلى المعدلات فى أوروبا، حيث إنه مع وصول عجز الميزانية لنسبة 6.1 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى، من 5.5 فى المائة العام الماضى، أصبحت البلاد الآن فى ضائقة مالية أسوأ من اليونان وإسبانيا وإيطاليا.
كما قفزت ديون البلاد إلى أكثر من 3.2 تريليون يورو، أو أكثر من 112 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى للبلاد.
واعتبرت "بلومبرج"، أن الجمود السياسى والمالى فى فرنسا أدى إلى إيقاع اقتصاد البلاد فى "فخ انخفاض النمو"، ومن المتوقع أن ينمو ثانى أكبر اقتصاد فى منطقة اليورو بنسبة 0.2% فقط خلال الربع الأول من العام المقبل، مع ضعف الطلب المحلى، وتباطؤ الدعم من الصادرات بشكل غير عادى، بحسب تقرير المعهد الوطنى للإحصاء والدراسات الاقتصادية.
ويقول المتخصص فى الشأن الاقتصادى ومستشار شركة "eToro"، مارك تواتى، إن مؤشرات الاقتصاد الفرنسى تحولت إلى حمراء مع ارتفاع العجز العام والديون ونسبة بطالة تبلغ 7.4 فى المائة، إضافة إلى الأزمة السياسية، متوقعا اقتراب الركود، مما يستوجب نظام العلاج بالصدمة فى أسرع وقت ممكن.
وتابع تواتى لموقع "إندبندنت عربية" قائلا: "علاوة على ذلك وما يزيد الطين بلة أن العائدات على السندات الحكومية الفرنسية مرتفعة للغاية على الرغم من دعم البنك المركزى الأوروبى"، مضيفاً: "حتى إنها ارتفعت فوق مستوى السندات اليونانية منذ الأسبوع الثانى من ديسمبر الجارى إلى الآن".
يشار إلى أن العائدات على سندات الحكومة الفرنسية أجل 10 سنوات وصلت إلى 3.05 فى المائة، مقارنة بـ3.07 فى المائة للسندات اليونانية فى أوائل الشهر الجارى، وهذا يوضح مدى أزمة الثقة التى تعيشها فرنسا حالياً فى الأسواق المالية وبين المستثمرين بالمعنى الواسع.
إضافة إلى ذلك ونظراً إلى الزيادة الأخيرة فى أسعار الفائدة على سندات الحكومة الفرنسية، فإن عبء الفائدة على الدين العام الفرنسى يصل حالياً إلى 60 مليار يورو (63 مليار دولار) سنوياً، وقريباً سيصل إلى 75 مليار يورو (78.75 مليار دولار).
لكن المخيف، وفق تواتى، أن "نمو الناتج المحلى الإجمالى الفرنسى لن ينخفض فى الربع الأخير من عام 2024 فحسب، بل لن يحقق أكثر من 0.5 فى المائة فقط فى أفضل الأحوال فى العام المقبل".
وفى هذا السياق، توقع تويتى أن يظل العجز العام أعلى من ستة فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى فى عام 2025، وهو ما سيجعل فرنسا للعام الثانى ال
الثانى الدولة صاحبة أعلى عجز عام فى منطقة اليورو.