أتوقف بشدة أمام التعديل الذى أقرته لجنة الصحة بـ مجلس النواب ، منذ أيام قليلة، على قانون المسئولية الطبية بإلغاء عقوبة الحبس الاحتياطى على الطبيب الذى يتسبب فى خطأ طبى نتيجة الإهمال يودى بحياة مريض.. والاكتفاء بالغرامة والتعويض على الخطأ وذلك بحذف المواد 27 و28 و29 من القانون.
والحقيقة لقد توقفت أمام هذا التعديل لما أحدثه من جدل واسع بسبب ما يحمله من نوع من التمييز والتحيز لفئة دون غيرها.. فكيف لا يحاسب الطبيب بالحبس على خطأ ارتكبه نتيجة إهمال أو تقصير أودى بحياة مريض أو سبّب له عاهة مستديمة؟!.. وهذا يشبه لنا الذى كان يقود سيارة ثم صدم أحد المارة فقتله.. فكيف يعفى من المحاسبة خاصة إذا كان مخطئا؟!
لا أعرف لماذا تفضيل الأطباء بهذه الميزة دون غيرهم من المهن الأخرى.. فالمهندس يتم حبسه فى حال ثبوت خطأ جسيم ناتج عن الإهمال وقع منه خلال عمله وكذلك المحاسب والضابط أيضا سواء كان شرطة أو جيشًا يتم حبسهم فى حالة الإهمال.. إلخ.. إذًا لماذا تكون لهم الحصانة دون غيرهم من باقى الفئات والمهن الأخرى؟!
أفهم أن تكون هناك ضمانات أو امتيازات يكفلها قانون "المسئولية الطبية" للأطباء تكفل لهم تسهيل أداء عملهم.. لكن أن يكونوا فوق المحاسبة.. فهذا شيء غير مقبول.. فهم ليس على "رأسهم ريشة" خاصة بعد تفشى الأخطاء الطبية مؤخرًا التى أودت بحياة أبرياء.
هذا لا يعنى أننا متحاملون على الأطباء.. بل على العكس نكن لهم كل التقدير والاحترام.. ونقدر الدور الكبير الذى يقومون به فى علاج المرضى.. ولا ننكر بأنهم تحملوا العبء الأكبر فى أزمة "كورونا".. واستشهاد العديد منهم نتيجة العدوى.
إننا مع الأطباء – قلبًا وقالبًا – فى مطالبهم المشروعة لكن دون وجود حصانة تحميهم من المساءلة والمحاسبة فى حالة الإهمال خاصة أن الذى يحدد مدى وجود إهمال من عدمه هو لجنة من الأطباء أنفسهم أى "منهم فيهم" وليس من أحد غريب.
.. وبالتالى لا داعى أن يكون هناك تحيز فتوى حاليا نتيجة وجود نص يسمح بحبس الأطباء فى حالة الإهمال.. أى أن الحبس لا يحدث إلا إذا كان هناك إهمال جسيم.
إذًا.. لماذا كل هذه الضجة وهذه الأزمة المفتعلة من الأطباء بسبب قانون "المسئولية الطبية"، فقانون "المسئولية الطبية" عمل لكى يحمى الطبيب (مقدم الخدمة) والمريض (متلقى الخدمة).. ولم يكن سيفا على رقاب الأطباء كما يدعون.. بل على العكس يحمى الطبيب حال وقوع خطأ طبى ليس له يد فيه، كما أنه يمنع أيضا من تحريك الدعوى الجنائية ضد الطبيب دون قرار من النائب العام وكذلك يمنع حبس الأطباء احتياطيًا إلا فى حالات الجنايات.
إننا نريد تغليب الصالح العام حتى لا نعود إلى مشاكل المطالب الفئوية مرة أخرى حيث إن هذا التعديل يفتح الباب أمام المهن الأخرى للمطالبة بالمثل..
و"تبقى العملية ظاتت وباظت".