تحدث الرئيس محمد أنور السادات أكثر من مرة عن الأعباء الضخمة التي تتحملها الدول كل عام من أجل السلام والدعم وخدمة الديون، فالمطلوب من الدولة أن توفر ثلاثة آلاف مليون جنيه سنويا وهذه الآلاف من الملايين لن تتوفر إلا بالإنتاج والجهد والعرق والرغبة الصادقة، ولا يمكن بحث ديون مصر الخارجية بعيدًا عن خطة التنمية الاقتصادية فى مصر وفى البلاد النامية والوضع الاقتصادى العالمى الذى تتم فيه هذه التنمية، إذ إن التنمية عملية شاقة طويلة الأجل وليست عملية فورية سهلة.
الدول النامية لا تستطيع مواجهة متطلبات التنميـــة الاقتصاديـــة دون جهـــود مضنيـــة لا يمكنها القيام بها وحدها وذلك لعجز وتخلف اقتصادياتها، إما بسبب نقص مستوى المعرفة الفنية أو بطء التقدم التكنولوجى أو قلة الموارد الطبيعية أو قلة رءوس الأموال، لذلك تلجأ الدول النامية إلى التمويل الخارجى للحصول على موارد خارجية تستكمل بها مدخراتها المحلية حتى تستطيع الحفاظ على مستوى معين من الاستهلاك القومى يُمكِّن الدولة من تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية وفى نفس الوقت فإن التمويل الخارجى يساعد الدولة النامية على أن تنفق أكثر مما تنتج بشرط أن تنتج أكثر مما تنفق عندما تقوم بسداد القروض .
40 بليون جنيه
وفى خلال حرب دامت ثلاثين عامًا تحمل اقتصاد مصر 40 بليون جنيه وتحمل شعب مصر خسارة 80 ألف شهيد وتحملت مصر مشاكل تجربة التأميم وتحمل الاقتصاد المصرى مساوئ البيروقراطية الإدارية، كما تحمل أيضا نتيجة السياسات الاقتصادية غير الموفقة وكان لابد أن يتحمل أيضا أعباء الدين الخارجى الذى تزايد عاما بعد عام، خصوصا مع بداية الانفجار السكانى.
وعلى الرغم من أن الخطة الخمسية الأولى من 1960 – 1965 قد حققت زيادة فى معدل التنمية مقدارها 6.5% فى السنة فإنها فى نهاية عام 1965 أصبحت مصر تعانى صعوبات فى خدمة ديونها الخارجية.. وقد قامت الحكومات التالية بعقد اتفاقات لإعادة جدولة الديون مع عدد من الدول أهمها بريطانيا وأمريكا وإيطاليا وألمانيا الاتحادية واليابان وفرنسا وغيرها، وذلك فى الفترة من 1966 إلى 1973 كل ذلك من أجل تخفيف العبء على ميزان المدفوعات وبعد حرب أكتوبر ارتفعت الأسعار العالمية وارتفعت معها أسعار الواردات خصوصا المواد الغذائية ولجأت الدولة إلى التسهيلات المصرفية قصيرة الأجل ذات الفائدة المرتفعة.
وقد أثر ذلك بشكل خطير على هيكل الدين الخارجى المصرى وارتفع معدل خدمة الدين إلى 50% من حصيلة السلع والخدمات عام 1975 وكان لإعادة فتح قناة السويس للملاحة فى يونيو عام 1975 بالإضافة إلى تحويلات المصريين فى الخارج وزيادة إيراد السياحة أثر ملموس فى تحسن ميزان المدفوعات وإن كان لا يتناسب مع زيادة معدل الواردات.
تصحيح المسار الاقتصادى
وبدأت الدولة فى منتصف عام 1976 اتخاذ إجراءات واعية قامت على أساس علمى سليم لتصحيح المسار الاقتصادى وإعادة توجيه الموارد من القطاع المحلى إلى القطاع الخارجى ومن الاستهلاك إلى الاستثمار، وقد أشركت الدولة مجموعات من خبــراء العالم المتقدم فى كل المجالات لوضع الأسس السلمية التى يمكن للاقتصاد المصرى الاعتماد عليها فى مساره الجديد.
وقد وضعت المجموعة الاقتصادية برئاسة الدكتور عبد المنعم القيسونى ثم برئاسة الدكتور حامد السايح وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية عدة إجراءات للإصلاح المالى والتجارى عن طريق زيادة الرسوم الجمركية ورسوم الإنتاج على السلع الكمالية وإصدار قانون جديد للضرائب يحقق العدالة الضريبية للشعب وتحقيق العبء عن أصحاب الدخول البسيطة والمتوسطة.. كما أن هناك ضرورة قومية تحتم الإلغاء التدريجى للدعم على بعض السلع مع زيادة فى الأجور، وكذلك العمل على زيادة المدخرات المحلية مع الاتجاه إلى القروض طويلة الأجل ذات الشروط الميسرة وغيرها من الإجراءات التى وضعت الاقتصاد المصرى على بداية طريق التحرر والتنمية.
السداد يومًا بيوم
أحداث التقارير المعروضة على مجلس الوزراء تقول إن حجم القروض والتسهيلات التى حصلت عليها مصر وصلت إلى حوالى 11.8 مليار دولار.. والتقارير الهامة التى وضعها البنك الدولى لتصحيح المسار للاقتصاد المصرى وتنفيذ خطة التنمية الخمسية 1987 – 1982 توضح أن مصر سوف تحتاج إلى تمويل خارجى إضافى على مواردها الطبيعية بحوالى 3.5 مليار دولار سنويًا.
والآن.. أين تقف مصر بالنسبة لسداد القروض؟.. من المهم أن ندرك أننا مازلنا فى فترة السماح بالنسبة لأغلب قروض البنك الدولى و القروض الأمريكية ولا نسدد سوى مصاريف الخدمة أو الفوائد، أما بالنسبة لسداد القروض قصيرة الأجل فقد أتممنا السداد يومًا بيوم وأعلن الدكتور القيسونى فى سبتمبر عام 1977 أننا قضينا على المتأخرات، ومنذ ذلك الحين ونحن نعيش هذه الفترة السعيدة.
أما عن سداد القروض طويلة الأجل فسدادها يعتمد على قوة سواعدنا، فإذا كنا سننتج ونسدد هذه القروض.. وكلها مشروعات مدروسة جيدًا، فمن الضرورى تنفيذ هذه المشروعات فى مواعيدها المحددة لأن تأخير تنفيذ المشروع يعطل جنى ثماره.
إن أى دين يصبح شبحًا مخيفًا فى حالة عدم استخدامه فى أغراض التنمية والإنتاج ومصر لم تتوقف عن سداد ديونها حتى فى أحلك الظروف لم تفعل مثل كثير من الدول عندما زادت ديونها فتوقفت عن السداد.. أحيانًا كانت مصر تتأخر فى السداد فترة ولكنها تدفع فى النهاية وهذا دليل على طبيعة الوفاء المتأصلة فى الشعب المصرى وأن التنمية تنبع من الداخل، ومهما بلغ العون الخارجى فلن يقوم مقام الإدارة الداخلية القوية المصممة على إجراءات الإصلاح الأساسية والهيكلة التى تتطلبها التنمية.
وأخيرًا لن يحارب معركة مصر سوى المصرى.
نشر بمجلة أكتوبر فى يناير 1979م – 1399هـ