منذ عقود طويلة، يشعّ نور الثقافة والتعليم عبر جسور العلاقات بين مصر والفرانكفونية، ولا تقتصر هذه العلاقة على اللغة وحدها، بل تمتد إلى آفاق من التبادل الحضاري والمعرفي، أسهمت في تعزيز التفاهم بين الشعوب، وترسيخ قيم التنوع والانفتاح.
وفي قلب هذا المشهد، تتبوأ مصر موقعًا محوريًا داخل المنظمة الدولية للفرانكفونية، مستندة إلى إرث حضاري عريق وتجربة تعليمية راسخة تربطها ب فرنسا والدول الناطقة بالفرنسية، ما يجعل من هذا التعاون قصة نجاح متجددة في ميادين التعليم والثقافة والتنمية.
وتُعد الثقافة والتعليم محورين أساسيين في العلاقات التاريخية والمتميزة التي تجمع بين مصر وفرنسا، ويعكس الاهتمام المشترك بتطوير هذا التعاون، الزيارة الحالية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة، وزيارته المرتقبة لجامعة القاهرة، والتوقيع المتوقع على اتفاقيات للتعاون في مجال التعليم.
الولع المصري بتعلّم اللغة الفرنسية ليس وليد اللحظة، بل يعود بجذوره إلى عمق التاريخ الحديث، وكان من أبرز رموزه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، الذي حصل على الدكتوراه الأولى عام 1914، قبل أن يلتحق ببعثة دراسية إلى جامعة مونبلييه الفرنسية، حيث درس علم النفس والأدب الفرنسي والتاريخ الحديث، وتعلم الفرنسية في عام واحد، كما حصل على الليسانس في الآداب من جامعة السوربون عام 1917، ثم الدكتوراه في "فلسفة ابن خلدون" عام 1918.
ومن طه حسين إلى اليوم، لا تتوقف مسيرة التعاون في قطاعات التعليم والثقافة بين مصر و فرنسا والفرانكفونية، حيث يوجد في مصر أكثر من 3 ملايين ناطق بالفرنسية، وأكثر من مليون طالب يدرسونها، كما تضم البلاد خلال العام الدراسي الحالي (2024 - 2025) نحو 45 مؤسسة ناطقة بالفرنسية، منها 37 مؤسسة معتمدة، منتشرة بين القاهرة والإسكندرية.
وفي إطار الاهتمام المشترك بتعزيز تعليم اللغة الفرنسية، جاء مشروع "دعم تدريس اللغة الفرنسية في المدارس الحكومية" (TREFLE)، بهدف نشر اللغة الفرنسية وتطوير مستوى معلميها وموجهيها.
وتُعد مصر من الدول المؤسسة لمنظمة الفرنكفونية، وقد تم انتخاب الدكتور بطرس بطرس غالي كأول سكرتير عام لها خلال الفترة من 1997 إلى 2002.
وفي تصريحات سابقة، أكد سفير فرنسا لدى مصر إيريك شوفالييه أن العلاقات الثقافية بين البلدين تمثل أولوية، وتشمل مجالات مثل الآثار وعلم المصريات، مشيرًا إلى الفرق الفرنسية التي تتعاون مع مصر في هذا المجال، وعلى رأسها المعهد الفرنسي للآثار الشرقية (إيفاو) والمركز الفرنسي - المصري لدراسات معابد الكرنك، وهما من أهم شركاء المجلس الأعلى للآثار، كما تشارك فرنسا في دعم إنشاء المكتبة الكبرى بالمتحف المصري الكبير.
وفيما يتعلق بالتعاون الثقافي المعاصر، لفت السفير إلى وجود عدد كبير من الشباب المصريين ذوي الإمكانيات العالية، مع اهتمام فرنسي بتعزيز التعاون في مجالات السينما والموسيقى والابتكار.
كما سلط الضوء على أهمية جامعة "سنجور" - الجامعة الدولية الفرنسية للتنمية الإفريقية - في الإسكندرية، والتي سيتم توسيع أنشطتها قريبًا بإنشاء حرم جامعي جديد في مدينة برج العرب الجديدة، بدعم مباشر من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقد تأسست الجامعة عام 1990، وتُعد من أدوات مصر الناعمة في إفريقيا، حيث يتقلد خريجوها مناصب مهمة في دولهم.
وتُعد "سنجور" إحدى الأذرع الرئيسية للمنظمة الفرنكفونية، وتمنح درجة الماجستير في مجالات التنمية، الصحة، البيئة، الثقافة، والإدارة، ومن المتوقع افتتاح الحرم الجديد للجامعة عام 2025، ويرأس الجامعة حاليًا الدكتور هاني هلال، وتستقبل سنويًا نحو 200 طالب، على أن يتضاعف هذا العدد مع افتتاح المقر الجديد، بينما تموَّل الجامعة من خلال الدول المانحة، وعلى رأسها فرنسا، إلى جانب كندا وسويسرا وبلجيكا و مصر التي توفر المقر.
وترتبط مصر بعدة برامج تعاون مع المنظمة الدولية للفرنكفونية، من بينها اختيار مصر للاستفادة من برنامج "تدريس اللغة الفرنسية للكوادر الوطنية" للفترة 2023 - 2026، والذي يتضمن تنظيم دورات تدريبية للدبلوماسيين المصريين على مهارات التفاوض باللغة الفرنسية، بالتعاون مع المعهد القومي للحوكمة والتنمية المستدامة، وبتمويل قدره 54 ألف يورو.
كما وافقت المنظمة على تمويل أنشطة مركز القاهرة لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام بمبلغ 70 ألف يورو، وقدمت دعمًا فنيًا لتدريب 200 مفاوضة فرانكفونية ضمن التحضير لمؤتمر COP27، بالإضافة إلى تمويل مشروع لطلبة جامعة الإسكندرية بقيمة 8 آلاف يورو حول التنمية المستدامة.
ويمتد التعاون إلى مجالات السينما من خلال صندوق (FIF) المعني بتمويل الإنتاج السينمائي الفرانكفوني، والذي يدعم شركات الإنتاج والمخرجين المصريين.
وفي إطار دعم البحث العلمي، تقدم الوكالة الجامعية للفرنكفونية دعمًا لإنشاء مركز قومي للبحوث والتعاون العلمي في مجال الطب والصحة العامة، بالتعاون مع وزارة التعليم العالي، وسيكون مقره جامعة الجلالة.
ويرتكز التعاون الجامعي بين مصر و فرنسا اليوم على شراكات راسخة وديناميكية فرانكفونية نشطة، تدعمها شبكة واسعة من المدارس الثانوية التي تمنح الشهادات الفرنسية أو الشهادات الثنائية، إلى جانب الأقسام الفرنسية داخل الجامعات المصرية والجامعة الفرنسية في مصر، ما يشكل منظومة تعليمية متكاملة ناطقة بالفرنسية على المستوى الوطني.
علاقات متميزة وعميقة تربط بين القاهرة وباريس.. وتبقى اللغة جسرٌ والمعرفة طريق متجدد بين مصر وفرنسا.