يُعد جهاز الاستثمار الذراع الاستثماري لسلطنة عمان، الذي تأسس عام 2020 بموجب مرسوم سلطاني رقم 61/2020 من خلال دمج الصندوق الاحتياطي العام للدولة والصندوق العُماني للاستثمار، وصدر نظامه بموجب مرسوم سلطاني رقم 57/2021 في 18 أغسطس 2021.
ويُعد الجهاز أيضاً مؤسسة اقتصادية استراتيجية تتولى إدارة وتنمية أصول سلطنة عُمان المحلية والدولية، بما ينسجم مع أهداف "رؤية عمان 2040". يهدف الجهاز إلى تعزيز التنويع الاقتصادي، والنمو المستدام واستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتمكين القطاع الخاص.
إذ يقوم الجهاز بدور "المايسترو" في المنظومة وكمحرك اقتصادي يتجاوز إدارة الأصول إلى تعزيز النمو المُستدام ودعم المستهدفات الوطنية لرؤية عُمان 2040، حيث ينشد التكامل مع المؤسسات الحكومية والخاصة من أجل تعزيز الاستثمارات داخل القطاعات المحلية؛ للإسهام في تحقيق التنويع الاقتصادي وإيجاد فرص استثمارية واعدة، كما تسهم شراكاته الاستراتيجية الدولية في تحقيق العوائد المالية من جهة، ومن جهة أخرى تحقيق البُعد العُماني بإعادة توجيهها أو جلب تقنياتها إلى القطاعات المحلية، بما يُسهم في تنويع مصادر الدخل وإيجاد فرص عمل وأعمال للشباب وللمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
تتكون محافظ أصول الجهاز من محفظتين أساسيتين؛ الأولى هي "محفظة الأجيال" التي تشكل أربعين بالمئة من الأصول وتستثمر في 40 دولة عبر قطاعات متنوعة، بينما الثانية هي "محفظة التنمية الوطنية" التي تمثل ستين بالمئة من الأصول وتضُم أكثر من 160 شركة تعمل في مُختلف القطاعات بهدف تنويع الاستثمارات وتقليل الاعتماد على النفط.
أما المحفظة الثالثة للجهاز فهي "صندوق عُمان المستقبل" والذي تم تدشينه في 17 يناير 2024 برأس مال يبلغ ملياري ريال عُماني يُقسم على مدى خمس سنوات بمعدل 400 مليون ريال عُماني سنويًّا، ويوزّع إلى 90 بالمائة للمشروعات الاستثمارية المباشرة الجديدة أو القائمة التي تكون مجدية تجاريًّا واقتصاديًّا وتستوفي نتائج دراسة الجدوى، و10 بالمائة للمؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة والشركات الناشئة.
يقدم الصندوق خدماته لمؤسسات القطاع الخاص، وأصحاب الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى المستثمرين الأجانب، ويشمل ثمانية قطاعات مستهدفة هي السياحة، والصناعة والإنتاج، والطاقة الخضراء، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والموانئ والخدمات اللوجستية، والتعدين، والثروة السمكية، والزراعة.
يهدف إنشاء صندوق عُمان المستقبل إلى النهوض بالقطاعات الاقتصادية المستهدفة، حيث يُعد الصندوق ممكنًا رئيسًا لتحفيز نمو الاقتصاد الوطني، وشريكًا موثوقًا به للمستثمرين المحليين والدوليين الراغبين في توسيع نطاق مشروعاتهم في الاقتصاد العُماني أو الدخول إلى السوق العُماني.
وسيُسهم الصندوق في تعزيز التكامل مع القطاع الخاص، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تحفيز منظومة الاستثمار الجريء في سلطنة عُمان، وسيكون صندوق عُمان المستقبل بمثابة محفظة ثالثة للجهاز إلى جانب المحفظتين الاستثماريتين الحاليتين (التنمية الوطنية) و(الأجيال).
يُركز جهاز الاستثمار العماني، على التخارج من بعض استثماراته المحلية عبر تحويلها إلى شركات مساهمة عامة أو بيع حصص منها، بهدف تعزيز الاقتصاد وزيادة نشاط بورصة مسقط. تهدف هذه الخطوة إلى دعم تصنيف السوق كأحد الأسواق الناشئة وتعزيز الحوكمة والشفافية. كما تُسهم هذه السياسة في توسيع قاعدة التملك في الأصول الحكومية، وتكامل القطاع الخاص مع الاقتصاد، مما يساهم في جذب الاستثمارات الأجنبية وتنمية العوائد الاستثمارية للمواطنين والمقيمين.
الجهاز وتحسين التقييمات الإئتمانية
ولا يمكن أن نغفل دور الجهاز كمحرك محوري في إدارة الاقتصاد الوطني إدارة رشيدة وحكيمة، فقد أسهم جهاز الاستثمار العُماني في نجاح سلطنة عُمان في تحسين تصنيفها الاستثماري الذي أكدته وكالة ستاندرد آند بورز في مارس الماضي عند مستوى «BBB-» مع نظرة مستقبلية عبر تنفيذ مجموعة من الإجراءات لحوكمة شركاته المحلية وخفض مديونيتها وتعزيز استدامتها المالية.
إذ استطاع الجهاز خفض مديونية الشركات التابعة له من 11.4 مليار ريال عُماني في عام 2021م إلى 9.2 مليار ريال عُماني حتى نهاية الربع الثالث من العام الماضي 2024م، ومن أبرز هذه الشركات مجموعة أوكيو التي شهدت تحسنًا ملموسًا في تصنيفها الائتماني، حيث أسهم ذلك في تخفيض نسبة الدين الصافي إلى الأرباح وتعزيز استدامة أدائها المالي والتشغيلي، إضافة إلى اجتياز شركة مصفاة الدقم والصناعات البتروكيماوية اختبار موثوقية المقرضين بنجاح في أبريل الجاري، الأمر الذي مكنها من تحرير ضمانات للمساهمين بأكثر من 800 مليون ريال عُماني، كما عمل الجهاز على تحسين شروط القروض السابقة لشركاته التابعة عبر مفاوضات مع البنوك لتكون أقل تكلفة وأكثر مرونة.
وفي مجال تعزيز الحوكمة المالية واستقلالية الشركات التابعة؛ عمل الجهاز على تخفيض الضمانات الحكومية على قروض الشركات الكبرى مثل أوكيو وأسياد ونماء، حيث انخفض مجموع الضمانات من 3,2 مليار ريال عُماني في عام 2021م إلى 1,8 مليار ريال عُماني في عام 2024م، إلى جانب إيقاف إصدار ضمانات حكومية على القروض الجديدة، حيث مَثّل هذا القرار تحولًا استراتيجيًّا أسهم في التقليل من المخاطر المالية على الدولة، وعزز من قدرة الشركات على الاعتماد على إمكاناتها في الاستثمار والاقتراض لتمويل المشروعات الجديدة.
أما فيما يتعلق بحوكمة الشركات التابعة للجهاز فقد أطلق الجهاز في فبراير ٢٠٢٢م ميثاقًا موحدًا للحوكمة يضمن سلامة اتخاذ القرارات ووضوح الصلاحيات والمسؤوليات بين مختلف مستويات الإدارة، كما هدفت السياسات المصاحبة للميثاق إلى ضبط إدارة الدين وضمان التزام الشركات بتطبيق معايير مالية شفافة ومنضبطة، يتم من خلالها تنظيم عمليتي الاستثمار وتنظيم القروض، مما يسهم في تنظيم أعمالها، وتحسين أدائها المالي والتشغيلي، ومواءمة خططها مع خطط التنمية المستدامة، وتحقيق التوازن بين أهدافها الاقتصادية والاستراتيجية التي أنشئت من أجلها، وتشجيع الاستخدام الكفء للموارد فيها.
كما عمل الجهاز على تعزيز مبادئ الشفافية في الشركات وألزمها بالإفصاحات المتعلقة بالأداء المالي؛ مما أسهم في بناء الثقة مع وكالات التصنيف الائتماني والمؤسسات المالية الدولية، بالإضافة إلى سعي الجهاز عبر شراكاته الاستراتيجية إلى الإسهام في جلب الاستثمارات الخارجية لمشروعات في القطاعات المحلية الحيوية؛ الأمر الذي عزز من احتياطيات العملات الصعبة.
وتُجسِّد هذه الإجراءات جهود جهاز الاستثمار العُماني لتحقيق أهداف «رؤية عُمان 2040»، عبر تعزيز الثقة بالاقتصاد العُماني، والإسهام في بناء مستقبل اقتصادي قوي ومستدام، وتعزيز مكانة سلطنة عُمان كوجهة استثمارية موثوقة.
الجدير بالذكر أن جهاز الاستثمار العُماني يمتلك عدة استثمارات موزعة على قارات العالم في أكثر من ٥٠ دولة حول العالم، ويعمل على تفعيل محافظ محلية تقدر بنسبة ٦١٪ وتتمثل في محفظة التنمية الوطنية وصندوق عمان المستقبل، إلى جانب المحفظة الخارجية والتي تقدر بنسبة ٣٩٪ وتتمثل بمحفظة الأجيال، بالإضافة إلى ٩ شراكات استراتيجية قام الجهاز ببنائها لتعزيز العلاقات الاستثمارية مع مختلف الدول.