معادن أوكرانيا تذيب الجليد مع واشنطن !

معادن أوكرانيا تذيب الجليد مع واشنطن !صوره ارشيفيه

بعد خلاف دام لعدة أشهر إثر المشادة العلنية بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى، التى كادت كييف أن تفقد بسببها الدعم الأمريكى، وتوقفت على أثرها اتفاقية للمعادن كان مقرر توقيعها فى فبراير الماضى، تم توقيع الاتفاقية أخيرا بنهاية الشهر الماضى، وبينما روّج الرئيس الأمريكى للاتفاقية على أنها نصر جديد له فى المائة يوم الأولى لحكمه. أكد محللون أن الاتفاق يعد نجاحا ل أوكرانيا التى ضمنت بهذه الاتفاقية استمرار الدعم الأمريكى لها، ما قد يدفع موسكو إلى الرد بمقترحات سلام جادة ومقبولة حتى وإن لم تعط الضمانات الأمنية اللازمة لأوكرانيا.

فى هذا السياق، تحدث مارتن بلوم، أستاذ السياسة الاقتصادية والبحوث الاقتصادية فى جامعة مارتن لوثر هالى- فيتنبرج ورئيس معهد الليثيوم الألمانى، عن «وضع مربح للجانبين». وأوضح أنه «بهذا الاتفاق، تُظهر الولايات المتحدة اهتمامًا اقتصاديًا طويل الأمد بأوكرانيا، وليس مجرد اهتمام سياسى، ما يُعزز أوكرانيا استراتيجيًا فى حالة مهاجمة روسيا للبنية التحتية للمواد الخام عمدًا، فسوف تواجه عقبات مع الولايات المتحدة. الأمر الذى يوفر تأثيرا رادعا».
ورغم أن الاتفاق بين واشنطن وكييف، لا يتضمن أية ضمانات عسكرية مباشرة لأوكرانيا، فإنه يقربها من المظلة الواقية الأمريكية. كما تغيرت اللهجة فى الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال، أشار بيان صادر عن وزارة الخزانة الأمريكية صراحة إلى «الغزو الشامل» الذى شنته روسيا، وتعتبر عبارة «منذ الغزو الروسى الواسع النطاق» أمرًِا نادر الحدوث فى تصريحات واشنطن منذ عودة ترامب للبيت الأبيض.
ونقلت صحيفة «كييف بوست» الأوكرانية، عن مصادر لها، أن إدارة ترامب بعد توقيع الاتفاقية رفعت الحظر عن مبيعات الأسلحة التجارية إلى أوكرانيا. ووفقاَ لمصادر الصحيفة، أبلغ البيت الأبيض الكونجرس بنيّته السماح بصادرات دفاعية إلى أوكرانيا بقيمة 50 مليون دولار أو أكثر فى إطار برنامج الخدمات التجارية المباشرة.
وأشار موقع «ريسبونسيبل ستايت كرافت» الأمريكى، إلى الصفقة الجديدة، قائلا رغم أنها لا توفر «الضمانات» الأمنية التى تطالب بها كييف دائما، ولا تلزم واشنطن بالقتال أو بدعم «قوة طمأنة» أوروبية، إلا أنها ستزيد فرص إلقاء اللوم على روسيا وبالتالى استمرار تقديم المساعدات العسكرية و الاستخباراتية لأوكرانيا.
وحسب الموقع، ربما لن يمنح استمرار المساعدات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية النصر لأوكرانيا، لكنه سيساعد جيشها على إبطاء تقدم روسيا على الأرض، وإلحاق خسائر فادحة بالقوات الروسية، ما سيزيد احتمالات تخلى روسيا عن مطالبها المستحيلة أو تعديلها بشكل جذرى، ومنها نزع سلاح أوكرانيا وانسحابها من أراضٍ إضافية.
وفيما يتعلق بالاتفاق، أوضح الموقع أنه أكثر ملاءمة ل أوكرانيا من اقتراح ترامب الأصلى الذى كان ينص على تسليم أوكرانيا كامل احتياطياتها من المعادن للولايات المتحدة كتعويض عن المساعدات الأمريكية، وبموجب الاتفاق الجديد، سيتم تقاسم أرباح استخراج المعادن بالتساوى.
لذا، يعد الاتفاق مجرد نجاح تكتيكى لأوكرانيا، يثير العديد من التساؤلات، لكنه مع ذلك يعتبر نجاحا قد يدفع موسكو إلى الرد بمقترحات سلام جادة ومقبولة، على حد قول المصدر ذاته.
على الجانب الروسى، ذكرت صحيفة « واشنطن بوست»، أن القلق فى موسكو يتزايد، منذ أن بدأت لهجة مسئولى إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تتغير بعد أن كانوا يروجون لاحتياجات روسيا ووجهة نظرها للحرب فى أوكرانيا، حيث انتقد المسئولون الروس الاتفاقية، وقال السيناتور أليكسى بوشكوف إنها تمثل «خطوة رئيسية نحو استعمار أوكرانيا»، ووافقه أليكسى تشيبا، نائب رئيس لجنة الشئون الدولية فى البرلمان، قائلا: إن الاتفاقية زادت من اعتماد أوكرانيا على الولايات المتحدة. وأضاف أنها «حولت أوكرانيا إلى مستعمرة معدنية».
وقال المحلل السياسى المقرب من الكرملين سيرجى ماركوف، إن الاتفاق «يزيد الوضع سوءا بالنسبة لروسيا»، مضيفا «لقد أزيل سبب رئيسى للتوتر بين ترامب والرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى»، ورغم أن الاتفاق الموقع لا يرسم ملامح التعاون المستقبلى إلا بعبارات مبهمة، ولا يقدم أى ضمانات أمنية ملموسة، فإنه- ولو رمزيا- «يوضح أن الولايات المتحدة تتحمل واجبا معينا فى الدفاع عن أوكرانيا لأنها أصبحت مالكة لها”، على حد قول ماركوف.
وتأتى الاتفاقية إثر إصرار الرئيس الأمريكى مراراً على ضرورة تعويض الولايات المتحدة عن مساعداتها المالية والعسكرية ل أوكرانيا منذ بدء حربها مع روسيا، التى قدّرها بنحو 500 مليار دولار، أى ما يزيد أربع مرات عن المساعدات المقدمة فعلياً والتى تبلغ حوالى 120 مليار دولار، بحسب معهد كيل الألمانى.
وعانت أوكرانيا فى الأشهر الأخيرة من نقص المساعدات العسكرية الأمريكية، وعدم إقرار إدارة ترامب أى حزمة مساعدات جديدة، وتعليق تسليم مساعدات مقررة فى عهد الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن.
وكان الرئيس الأوكرانى رفض مسودة سابقة من الاتفاق، واعتبر أن شروطها ستثقل كاهل «عشرة أجيال من الأوكرانيين»، إلا أن زيلينسكى عاد وأكد أن بلاده مستعدة للتوقيع على اتفاق المعادن النادرة مع الولايات المتحدة، موضحا أن أوكرانيا تعتمد على المساعدات الأمريكية، وأن وقفها لن يخدم إلا الرئيس الروسى فلاديمير بوتين.
عقب ذلك، أعادت الإدارة الأمريكية طرح نسخة جديدة من الاتفاق تنص على إنشاء صندوق استثمار مشترك بين البلدين لإعادة إعمار أوكرانيا، تتقاسم فيه الدولتان الحصص بشكل متساوٍ. وستشارك أوكرانيا بعائدات التراخيص الجديدة لاستخراج المواد الخام، مع احتفاظها بالسيطرة على مواردها الطبيعية والبنية التحتية.
ويغطى الاتفاق 57 نوعاً من الموارد المعدنية، بينها معادن نادرة، والتى تشكل أهمية كبيرة فى تصنيع العديد من المنتجات عالية التقنية. وبحسب المنتدى الاقتصادى العالمى، فإن أوكرانيا تعد موردًا محتملًا لليثيوم، والبيريليوم، والمنجنيز، والغاليوم، والزركونيوم، والجرافيت، والأباتيت، والفلوريت، والنيكل. ويقال إن البلاد تمتلك أحد أكبر احتياطيات الليثيوم فى أوروبا. وتقدر هذه الكمية بنحو 500 ألف طن.
وأقر الاتفاق بالدعم المالى الأمريكى منذ 2022، دون الإشارة إلى أنه يجب سداد أى دين مقابل هذه المساعدات. كما يُحسب أى دعم عسكرى جديد كجزء من مساهمات الولايات المتحدة فى الصندوق.
ورغم مطالبة كييف المتكررة بضمانات أمنية طويلة الأمد ضمن أى اتفاق بشأن مواردها الطبيعية، لم يتضمّن النص النهائى أى التزامات أمنية أمريكية صريحة.
ويشدد الاتفاق كذلك على عدم تعارض أحكامه مع سعى كييف للانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، على أن يُعرض لاحقاً على البرلمان الأوكرانى للمصادقة.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان