في ظل التحولات السياسية و الاجتماعية التي تشهدها المجتمعات الحديثة يبرز دور الأحزاب السياسية كركيزة أساسية في بناء الدولة الديمقراطية و تعزيز المشاركة الشعبية الجماهيرية غير أن هذا الدور لن يكون فعالًا ما لم يتوافر وعي مجتمعي حقيقي بأهمية الأحزاب و كيف يمكن أن تكون أداة فاعلة و مؤثرة في صياغة القرار السياسي و تحقيق طموحات المواطنين
إن الأحزاب السياسية ليست مجرد كيانات تنظيمية بل هي أدوات ضرورية لترجمة الإرادة الشعبية إلى برامج و خطط تنفيذية على ارض الواقع لان وجود أحزاب قوية و واعية يعني وجود بيئة سياسية صحية تتيح التعددية و تكفل تمثيل مختلف فئات المجتمع و تحمي الوطن من سلبيات الممارسات السياسية.
في كثير من المجتمعات يُنظر إلى الأحزاب السياسية على أنها وسيلة لتحقيق مصالح خاصة أو مجرد ديكور ديمقراطي و هذه النظرة السلبية غالبًا ما تعود إلى غياب التثقيف السياسي و قصور الإعلام و سوء أداء بعض الأحزاب في الماضي و نتيجة لذلك يعزف المواطنون عن الانخراط الحزبي و يضعف تأثير الأحزاب في الشارع فعليا .
و لبناء وعي مجتمعي حقيقي بأهمية العمل الحزبي لا بد من نشر الثقافة السياسية من خلال المناهج التعليمية و الأنشطة التوعوية في المدارس والجامعات و تمكين الإعلام من أداء دوره في عرض برامج الأحزاب و تحليلها بموضوعية و كذلك تعزيز و تحفيز الحوار المجتمعي بين الأحزاب و المواطنين لخلق جسور ثقة و تفاهم من اجل دعم حرية الرأي و التعبير كبيئة حاضنة للنقاش السياسي البنّاء .
لكي يكون الحزب فعالًا و مؤثرًا في مجتمعه يجب أن يمتلك رؤية وطنية واضحة تعبر عن احتياجات المواطنين و تطلعاتهم و كذلك كوادر مؤهلة تمتلك الوعي السياسي و المعرفي و القدرة على التواصل المجتمعي و برامج قابلة للتنفيذ و ليست شعارات فارغة و كذلك القدرة على التواصل الشعبي و النزول إلى الشارع و الاستماع إلى الناس و يكون لدى الحزب ممارسة داخلية ديمقراطية تعكس قيم الحزب في احترام التعددية و التنوع و تقوم على معايير علمية واضحة بعيده تماما عن الاهواء و المصالح الشخصية.
و لكي يُحدث الحزب تأثيرا فاعلا في المجتمع عليه ان يبدأ التأثير من القاعدة الجماهيرية فإذا نجح الحزب في كسب ثقة المواطنين و استطاع التعبير عن همومهم و تقديم حلول حقيقية و واقعية لمشاكلهم فإنه يصبح فاعلًا في صناعة القرار المحلي و الوطني كذلك تزداد قوته من خلال المشاركة في الانتخابات و العمل المجتمعي و المبادرات التنموية المتنوعة .
و على الدولة أن تهيّئ البيئة المناسبة لعمل الأحزاب السياسية من خلال ضمان حرية التنظيم و العمل الحزبي و توفير الدعم الفني و اللوجستي للأحزاب الجادة و محاربة الفساد السياسي و التدخلات غير المشروعة في الحياة الحزبية مع تعديل القوانين الانتخابية بما يضمن عدالة التمثيل و تنوعه لكافة الفئات و الطبقات الاجتماعية المختلفة.
إن الأحزاب السياسية ليست مجرد واجهة شكلية للديمقراطية بل هي مدارس وطنية تخرّج قادة و تؤثر في مسار المجتمعات و لأجل أن تلعب دورها الفعال لا بد من إعادة بناء الثقة المجتمعية بها و رفع الوعي العام بأهميتها و تشجيع الأفراد خاصة الشباب على الانخراط في صفوفها و العمل من خلالها لخدمة وطنهم و سلاما علكي يا بلادي في كل وقت وفي كل حين .