ينبثق اهتمام سلطنة عُمان بالتنمية المتوازنة للمحافظات والمدن المستدامة، من استراتيجية كبرى بإرساء قواعد اللامركزية تحظى باهتمام حكومي كبير منذ إطلاق «رؤية عُمان 2040»، وهي أحد الممكنات التي تساعد المحافظات على القيام بأدوارها وتحديد أولوياتها التنموية لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي وضعتها الحكومة، وكذلك الاستفادة من الميزة النسبية الموجودة في محافظات سلطنة عُمان لإضفاء قيمة حقيقية للاقتصاد العُماني، ومساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط.
واللامركزية في سلطنة عمان هي سياسة تستهدف توزيع السلطات والاختصاصات الإدارية والاقتصادية من الحكومة المركزية إلى المحافظات، بهدف تحقيق تنمية متوازنة وزيادة دور المحافظات في اتخاذ القرارات والمشاريع التنموية.
ومن هنا تأتي أهمية الاجتماع الأول لللجنة التنفيذية لخطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026 -2030) وحلقة العمل التي نظمته وزارة الاقتصاد العُمانية، لعرض الملامح العامة للخطة والبرامج المقترحة لأولوية تنمية المحافظات والمدن المستدامة.
تأتي هذه الحلقة تكملة للمسار الذي انتهجته خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة بالتخطيط التشاركي، وتوسيع مظلتها على المستوى المركزي والمحافظات، وتتبع هذه البرامج الاستراتيجية نهجا متكاملا لتحقيق تنمية متوازنة في جميع المحافظات ودعم اللامركزية استكمالا لبناء الإطار التشريعي وتعزيز الفرص الاقتصادية والاجتماعية؛ لضمان توزيع عادل لمقومات التنمية وتحقيق نمو مستدام في جميع المحافظات.
المؤكد أن سلطنة عُمان تسعى إلى تعزيز تنافسية المحافظات من خلال تمكين اللامركزية والإدارة المحلية، وتركز أولوية تنمية المحافظات والمدن المستدامة برؤية « عُمان 2040» على تحسين البنية الأساسية بما يضمن رفاهية السكان ويعزز جاذبية المدن باعتبارها مراكز اقتصادية وثقافية متقدمة.
يأتي تطوير قدرات الإدارات المحلية وتعزيز دورها في تحقيق التنمية المتوازنة، مع دعم استقلالية المحافظات في اتخاذ القرارات الاقتصادية والتنموية، ضمن أولويات الخطة القادمة وتوجيه الاستثمارات نحو المشروعات التي تلبي الاحتياجات الفعلية، واستثمار الميز النسبية لكل محافظة لتنمية مواردها وبناء اقتصاد محلي مستدام.
انتهجت الخطة الخمسية الـ 11 أسلوب التخطيط التشاركي، وتوسيع مظلة التشاركية على المستوى المركزي والمحافظات، وفتحت هذه الحلقة مساحة واسعة للحوار البنّاء، وهوا ما يسهم في صياغة برامج تنموية تعكس الاحتياجات الفعلية للمحافظات، وفي تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
تم إعداد الخطة وفق منهجية علمية وتشاركية شاملة، استندت على التجارب الدولية، واستخلاص الدروس المستفادة من الخطط السابقة، وبما يضمن الاتساق مع التوجهات الاستراتيجية لرؤية « عُمان 2040»، وقد راعت المنهجية تحقيق التكامل بين مختلف القطاعات التنموية، وأخذت في الاعتبار الاستراتيجيات القطاعية الوطنية بما فيها الاستراتيجية العمرانية ومخرجات البرامج والمختبرات الوطنية، إلى جانب الدراسات والتقارير التشخيصية والتحليلية لتحديد الأولويات الوطنية بناءً على معطيات الواقع والتحديات الراهنة.
وفي سياق مواصلة الجهود العُمانية لتعزيز استراتيجية التنمية المتوازنة في المحافظات، أطلقت وزارة الاقتصاد مؤشر تنافسية المحافظات، حيث يهدف هذا المؤشر إلى تقييم الأداء التنموي للمحافظات وتسليط الضوء على المزايا النسبية والتنافسية لكل منها. يُعد المؤشر أداة استراتيجية تستند إلى محاور "رؤية عُمان 2040" الأربعة: الاقتصاد والتنمية، الإنسان والمجتمع، الحوكمة، والبيئة المستدامة، ويتفرع إلى 61 مؤشرًا فرعيًا و13 ركيزة، تغطي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
ويعتبر "مؤشر تنافسية المحافظات" أداة استراتيجية هادفة إلى تعزيز التنمية المستدامة. وذلك من خلال قياس وتحليل مستويات الأداء التنموي لكل محافظة وفقًا للمزايا والخصائص التنافسية لكل محافظة ومزاياها النسبية؛ حيث يعتمد المؤشر على مبادئ علمية وموضوعية تهدف إلى تحسين التخطيط التنموي وتمكين المحافظات من استغلال مزاياها النسبية.
وتكمن أهمية المؤشر من حيث انه يعتبر أداة محورية لدعم اتخاذ القرارات التنموية المبنية على البيانات الواقعية والدقيقة، ومن أبرز أهداف هذا المؤشر: - تحديد الفجوات التنموية: حيث يساعد المؤشر على رصد التحديات وإيجاد الفرص في كل محافظة، مما يؤدي إلى تحسين الأداء التنموي والتطوير المستدام. تعزيز اللامركزية بالمحافظات: حيث أن المؤشر يساعد على تمكين المحافظات في تحسين خدماتها واستغلال مواردها بكفاءة وبأداء عالٍ. كما إن المؤشر يؤدي إلى تعزيز روح التنافس بين المحافظات من خلال إبراز قدراتها ومزاياها التنافسية، مما يدعم صناع القرار في اتخاذ قرارات تنموية قائمة على بيانات دقيقة وإحصائيات موثوقة.
ويوفر المؤشر إطارًا شاملًا لقياس الأداء التنموي في المحافظات، ورصد الفجوات، وتحديد مجالات الفرص والتحسين المستمر للمحافظات، مما يساعد صناع القرار في توجيه الموارد والإجراءات والسياسات اللازمة لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة في المحافظات.
ومن ضمن الإجراءات لتعزيز الشفافية وإتاحة الوصول إلى البيانات للمحافظات، وجود منصة تفاعلية متخصصة لتقديم قاعدة بيانات شاملة ومواد تفاعلية حول التنمية المحلية في كافة المحافظات. وتتميز هذه المنصة بمرونة عالية تتيح تحديثها بشكل مستمر لمواكبة التغيرات المستقبلية؛ مما يجعلها أداة محورية لتحقيق التنمية المتوازنة لتحقيق أهداف وأولويات رؤية " عُمان 2040".
ويُمثل مؤشر تنافسية المحافظات خارطة طريق لتوجيه الاستثمارات وتحديد الأولويات التنموية، ورصد الفجوات، وتحديد مجالات الفرص والتحسين المستمر للمحافظات. كما يوفر هذا المؤشر نظرة شاملة عن الأداء التنموي للمحافظات، ويقيس إمكانياتها وقدراتها التنافسية من خلال معايير وركائز دقيقة تغطي مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وأخيرًا.. يُعد هذا المؤشر خطوة رائدة نحو تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز العدالة في توزيع الموارد بين المحافظات، بما يضمن تحقيق رؤية " عُمان 2040" في بناء مجتمع مزدهر واقتصاد قوي وبيئة مُستدامة.
وقد أتت هذه الاستراتيجيات العُمانية ثمارها في مختلف المحافظات، إذ شهدت نقلات نوعية في إنجاز وتنفيذ المشاريع التنموية، وتعزيز نهج (اللامركزية) الذي تعمل عليه الحكومة، على تسريع وتيرة إسناد المشاريع، بكافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياحية والاستراتيجية.
واستطاعت المشاريع التي يتم تنفيذها بجميع المحافظات، من توسيع وانتشار مظلة الخدمات الحكومية، في مجالات الصحة والتعليم، والطرق، والسياحة، إضافة إلى تعدد الفرص الاستثمارية للمشاريع الاستراتيجية في الأمن الغذائي بمجالات الزراعة والثروة الحيوانية، والدخول في الصناعات الدوائية، ما أتاح المجال للمشاريع المتوسطة والصغيرة، التي تحتضن المبادرات الناشئة للشباب بالولايات.
وتؤكد النظرة المستقبلية التي تتبناها الحكومة تجاه كافة محافظات سلطنة عمان، تحقيق العدالة في إنشاء المشاريع، واستغلال الممكنات التي تزخر بها كل ولاية، إضافة إلى تمكين المواطنين وخاصة الشباب من الإسهام بأفكارهم وطموحاتهم في إقامة المشاريع.