"سبوبة" العلاج النفسي .. وعذاب أهالي المرضى

"سبوبة" العلاج النفسي .. وعذاب أهالي المرضىعاطف عبد الغني

الرأى7-6-2025 | 17:14

ما يعنيني من الكلام الآتي هو أن نصل في نهايته إلي نتيجة، تتمثل في الإجابة عن سؤال: ماذا تفعل أسرة فقيرة أو حتي متوسطة الحال إذا ابتُليت بإصابة أحد أفرادها - عافاكم الله – بمرض نفسي أو إدمان المخدرات أو ما يُعرف بمتلازمة "الاضطراب المزدوج"؟!

تقرير "الاستراتيجية الوطنية للصحة في مصر (2024-2030)، وهو تقرير رسمي، يكشف حقائق صادمة تجعل إشكالية الصحة النفسية تمثل تحديًا متزايدًا للدولة، وذلك حين تشير التقديرات (حسب التقرير) إلي أن نحو 17% من البالغين يعانون من اضطرابات نفسية، بينما تصل النسبة إلي 25% عند احتساب جميع أشكال الاضطراب النفسي، لا سيما بين الفئات الاجتماعية والاقتصادية الأكثر هشاشة.. وعلي الرغم من هذه الأرقام المرتفعة، فإن أقل من 5% فقط يتلقون العلاج المناسب.. وتُظهر البيانات أن انتشار الاضطرابات النفسية أعلي في المناطق الريفية مقارنة بالحضر، وهو ما يُعزي إلي ضعف البنية التحتية الصحية ونقص الخدمات المتخصصة خارج المدن الكبري.

ويخبرنا التقرير أيضًا بأن مرض الاكتئاب أبرز تلك الاضطرابات بنسبة 44% من الحالات، يليه تعاطي المواد المخدرة بنسبة 30%، كما يعترف التقرير بأنه علي الرغم من الجهود الحكومية المبذولة مؤخرًا، إلا أن خدمات الصحة النفسية في مصر لا تزال تعاني من نقص حاد في الكوادر المتخصصة، وضعف الوعي المجتمعي، واستمرار وصمة المرض النفسي.

وحتي عام 2020، لم تتجاوز نسبة التغطية للخدمات النفسية الحادة 20%، وهي نفس النسبة المسجلة في 2016، ما يشير إلي بطء التقدم في هذا المجال.. وما ورد سابقًا هو اعتراف رسمي من الحكومة بأن هناك قصورا كبيرا في تغطية الخدمة الطبية للمرضي النفسيين، وهذا القصور يخلف واقع مرير تعاني منه أسر المرضي وعوائلهم، خاصة الفقراء ومتوسطو الحال، ناهيك عن الحزن والألم الذي يشعر به ذوو هؤلاء عندما يصاب أحد أبنائهم في وجدانه، أو عقله، ومع نقص خبرة وحيرة الأهل يضطرون إلي اللجوء لمراكز العلاج التابعة للقطاع الاستثماري أو الخاص بحثا عن العلاج.. والمتداول من أرقام بشأن هذا القطاع – أتصور – أنه أقل كثيرًا من الحقيقة، مع الوضع في الاعتبار أن أغلب هذه المراكز لا تفرّق بين مدمن مخدرات ومريض نفسي، وتتعامل مع الجميع بمنطق "السبوبة"، وحسب المتداول هناك أكثر من 1000 مركز لعلاج الإدمان والمرضي النفسيين، المرخص منها رسميًا من وزارة الصحة يعد فقط بالعشرات.. ورسوم الإقامة في هذه المراكز الخاصة تتراوح بين 7,000 إلي 50,000 جنيه شهريًا، وسط غياب شبه تام لآليات التقييم أو الرقابة.. وأسوأ من التكلفة المادية الباهظة التي لا تستطيع كثير من الأسر تحمّلها، هي تلك الممارسات داخل بعض من هذه المراكز مثل الاحتجاز القسري للمرضي دون موافقتهم أو موافقة ذويهم، وضرب وتعذيب المرضي تحت مسمي "العلاج السلوكي"، واستخدام أدوية مهدئة قوية دون إشراف طبي متخصص، وتكدس النزلاء في غرف غير آدمية، بلا رعاية صحية أو نفسية حقيقية، وانعدام وجود طاقم طبي دائم في بعض هذه المراكز، مع الاعتماد علي مدمنين متعافين سابقًا كـ"معالجين".. وأكثر ما سبق هو مثار شكوي من المرضي أنفسهم بعد خروجهم من هذه المراكز، وبالطبع ما يُمارَس عليهم يورثهم خبرة سيئة عن أماكن وطرق العلاج، وبالتالي حين يحتاجون العلاج مرة أخري يرفضونه، ولا يأخذ ذويهم بكلامهم (علي اعتبار أنهم مرضي)، وغالبا ما يلجأون إلي ذات المراكز التي تأتي و"تشحن" المريض بالقوة مقابل مبلغ كبير.. وها نحن وصلنا لنهاية المقال ولم نصل لإجابة عن السؤال الأول.. فلنستكمل في حلقة قادمة إن شاء الله.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان