للاحتفالات فى جنوب مصر، وتحديدا فى «النوبة»، تلك البقعة الغالية من أرض مصر مذاق خاص يجمع بين سحر الطبيعة البكر وجمال الوجوه، التى اكتست بطيبة الأرض ونقاء القلوب، ومن بين تلك الاحتفالات عيد الأضحى، خاصة فى قبائل البشارية.
ويبدأ الاحتفال قبل العيد بعدة أيام، بتجهيز الأضاحي، والرسم على الجدران الخارجية للمنازل، بألوان جذابة مستوحاة من طبيعة البيئة المحيطة، كاللون الأحمر المستمد من الجبال، والأزرق من النيل، والأخضر من النخيل، والأصفر من الرمال، خاصة رسوم الحج، ويقوم بها الشباب الموهوب فى هذا الأمر.
وتشمل استعدادات الاحتفال ب العيد أيضا، بحسب محمد أبو شنب، الباحث فى الشأن النوبي، إعداد «المضيفة» وهو مكان فسيح، يتسع لعدد كبير من أبناء القرية فى مختلف المناسبات الاجتماعية، العامة كالأعياد والخاصة كاحتفالات الزواج، أو لا قدر الله فى العزاء، بينما يتولى بعض الشباب مهمة أخرى تتمثل فى تنظيف شوارع القرية بأكملها من المخلفات إن وجدت.
أما السيدات، يوم العيد فترتدى «الجرجار»، العيد كزى رسمى، لكل نساء النوبة، وتتحلى بأجمل ما لديها من حلى ذهبية، وتتعطر وتسير خلف مواكب الرجال بعد خروجهم من صلاة العيد متجهة إلى المقابر وقراءة الفاتحة للأهل والأصدقاء، وتنثر فوق قبور الموتى بذور القمح والأرز والدرو والتمر، وبعدها يستعدون لاستقبال المهنئين والخروج لزيارة الأهل من كبار السن.
مشروب الجَبَّنة
ما أن يحل المساء، تقام جلسات الونسة وحلقات السمر المصاحبة للأغانى والرقصات التقليدية باستخدام بعض الأدوات الموسيقية كالطنابير الوترية والدفوف الإيقاعية، تعبيرًا عن مشاعر الفرح والسرور التى تسود قلوب العامة فى مثل هذه الأيام المباركة، وتقدم فى هذه الجلسات أطباق الحلويات ومشروب «الجَبَّنة» الذى يتربع على رأس المشروبات الساخنة التى يحرص على احتسائها أبناء «البشارية»، والقبائل الأخرى التى تسكن المنطقة.
ويتم تجهيز مشروب «الجَبَّنة» من خلال عملية التحميص اليدوى للبُن الأخضر ثم قليه داخل إناء مصنوع من الفخار، حتى يتحول لون البن الأحمر إلى بنى غامق، وأثناء ذلك يضاف إلى البُن قليل من حبات القرنفل والحبهان والزنجبيل حسب ما يطلب الضيف، وبعد التجهيز يضاف إلى «الجَبّنة» قليل من السكر ثم يقدم المشروب داخل فناجين صغيرة.
رقصة الهوسيت
أما أهم احتفالات قبائل «البشارية»، فأبرزه «الهوسيت»، وهى رقصة شعبية يؤديها الرجال وفقًا لقواعد وضوابط محكمة.
و«الهوسيت»، كما شرح محمد أبو شنب، كلمة ليست عربية، بل «بجاوية» الأصل، تعنى فى مجملها العام «الاستعداد»، سواء للحرب أو للاحتفال أو للمبارزة، ومن هنا عرفت برقصة الاستعداد، وذلك على اعتبار أن الرقص يعنى التعبير عن النشاط الإنسانى من خلال الحركة الجسدية.
وتؤدى «الهوسيت» الرقصة الشعبية، فى الكثير من الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية العامة أو الخاصة، وكذلك فى جلسات الونسة، وفى أوقات الفراغ عند ممارستهم لمهنة الرعى فى الصحراء، وأيضًا فى بعض المواقف الأخرى تعبيرًا عن تحية أهلها للضيوف أو الزائرين لهذه المنطقة.
تعبير عن الفرح
وبحسب محمد أبو شنب، تعد وسيلة من وسائل التحية والتعبير عن الفرح والسعادة طبقًا للمناسبة أو الظرف الخاص بها من ناحية، وكذلك وسيلة للتسلية والترويح عن النفس من ناحية أخرى.
ويبدأ العرض بإيقاع موسيقى من «الباسنكوب» - وهى أداة موسيقية وترية مصرية قديمة تشبه «الطنبورة» النوبية تمامًا من حيث الفكرة والتركيب والشكل العام وطريقة التصنيع، وتستخدم فى إحياء الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية السعيدة ، قبل أن يتوجه مجموعة من الشباب إلى منتصف الساحة لتكوين حلقة شبه دائرية يطلقون عليها «نصف قرص».
إظهار قدرات
بعدها ترد المجموعة، تحيته بإطلاق أصوات تشبه «الهمهمة»، مصاحبة لضربات الكفوف ودق الأقدام على الأرض بشكل إيقاعى منظم، وعيونهم متجهة فى أغلب الأحيان إلى الأرض، وأجسامهم قد تبدو منحنية، وأقدامهم لا تزال تدك على الأرض بقوة عنيفة باستخدام إحدى القدمين، أو بكلاهما على التوالى، بحيث تكون مرة بالقدم اليمنى، ومرة أخرى بالقدم اليسرى.
وبحسب محمد أبو شنب، فـ «الهوسيت»، تظهر قدرات الشباب ومدى لياقته البدنية من خلال عرض حركات تعبيرية منظمة سريعة باستخدام السيف والدرقة، يتحكم فيها إيقاع الموسيقى، التى تعلو وتخفت من صوت «الباسنكوب»، وكذلك إيقاع ضربات الكفوف من المشاركين حولهم، فيزيد الحماس.
أدوات الرقص
وشرح «أبو شنب»، أن الأدوات الأساسية المستخدمة فى أداء تلك الرقصة السيف الذى يعرف بـ «مَأدَدْ»، وهو سلاح معدنى طويل، له يد من الخشب والحديد مكسوة بالجلد أو الصوف، المزخرف بخيوط الفضة، وله جراب من الجلد يسمى «سير»، وذلك لحمله على الكتف، كما يوضع على جرابه عدد من الأحجبة الجلدية، وكذلك بعض الأشكال الزخرفية من أعلى.
من الأدوات أيضا، (الدرقة أو الدرع)، وهى عبارة عن قطعة كبيرة دائرية الشكل، تتكون من الجلد مع بروز فى وسطه لقبضة اليد التى تلبس بالحديد، تستخدم فى الدفاع عن النفس لصد المخاطر أو الأذى عن الجسد، وهو جزء أساسى من سلاح الرجل البجاوى وشيئًا أصيلًا من تراثه الثقافى لا يمكن الاستغناء عنه أينما انتقل، وفى أوقات السلم يعتبر أداة مهمة فى أداء الرقص خاصةً «الهوسيت».